دروس من مدرسة التوحيد...............
غزة...حين برز الإسلام للكفر
مثلت غزة اليوم
صورة من صور كربلاء بالأمس، خصوصاً في ما ميز واقعة غزة هاشم من تماثل مع بعض صور
كربلاء في قيمة وحجم وغنى الدروس والعبر التي قدمتها وستبقى تقدمها في غد أمتنا
الإسلامية، مع وضوح الملاحظة أن هذه القيم والدروس والمعاني تتناسب مع حجم العنوان
الخالد الذي احتوى واقعة غزة الشهيدة والتي مثلت إحدى صور كربلاء بالأمس، فكما أن
الهدف والعنوان من الثورة الحسينية الخالدة لم يكن مرحلياً أو أنياً ذو غاية مرتبطة
بمكان أو زمان، فكذلك لم يكن عنوان وهدف ثورة غزة هاشم على غزاتها وهي صورة من صور
كربلاء المتعددة والخالدة على مر التاريخ هدفاً مرحلياً ذو غايات آنية مرتبطة بمكان
أو رقعة جغرافية محددة لا تخرج عن إطارها، أو بمطالب ورغبات سلطوية معينة أو مادية
مقصودة، ضمن فئة أو مجموعة محددة، بل ارتبط العنوان بأسمى المعاني والمقاصد
الإنسانية وأكثرها عمقاً في صميم الوجود، وأكثرها انتشاراً، وابسطها لغةً، وأسهلها
إدراكا وفهماً، وأشدها تعلقاً بمكنون وروح هذا الإنسان، فلا احد يجادل بمشروعية
القضية الفل
سطينية
وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة إنسانيته ومقاومته لمحاولات مصادرة أرضه أو مصادرة
حريته أو حقه في الوجود كنوع كبشري كرمه خالقه بالعيش الحر الكريم.....، فقضية هذه
المجموعة الإنسانية البشرية (الشعب الفلسطيني) ليست قضية ارض منتزعة منه بقوة ظالمة
غاشمة، ولا قضية صراع عقائدي ديني أو قومي مستهدف، بل هي قضية مسخ ومصادرة وجود هذه
المجموعة البشرية المكرمة، فلا يحق لها أن تمتلك أرضا وان كانت أرضها، ولا يحق لها
أن تعبد رباً وان كانت له الأحقية في العبادة، ولا يحق لها أن تمارس هذه العبودية،
ولا يحق لها أن تمتلك فكراً مخالفاً لفكرة من يستعبدها ويفرض إرادته عليها بالقوة،
ولا يحق لها أن تدفع عن نفسها الضرر وتقاوم من يعمل على محوها من الوجود الإنساني
!! لا يحق لها إلا أن تكون عبداً مستعبداً يعيش على فتات مائدة الراعي المفترض أو
المفروض للطاعة والإتباع....، فالقضية إذن هي قضية وجود أو لا وجود، والذي يعرضه
المقابل هو إما أن يكون لك وجود استعبادي مذل (أي أن تكون بهيمة تأكل وتشرب وتسير
كما يريد راعيها وبالتالي يسوقها من حيث تدري أو لا تدري إلى سكين الجزار، ولا يحق
لها أن تعترض أو تقاوم)، أو أن لا تكون من الأساس.
لقد استسلم
العديد لسوط هذا الراعي الشديد وسار في قطيعه الذي يضم رؤوساً أو خرافاً ذات كروش
كبيرة من زعماء أو رؤساء أو أتباع وذيول، ذللوا أنفسهم وباعوا إنسانيتهم من أجل
اكبر حصة من الفتات الذي يخلفه هذا الرب المزعوم، من هذه النقطة يأتي الدرس وتأتي
العبرة التي يقدمها لنا هذا المقاوم الرافض للاستذلال والاستعباد، المُصر على حريته
وعلى كرامته وحقه في نعمة الوجود كإنسان معزز مكرم كما أراد له خالقه وإلهه وربه
الحق.
هذا الدرس
الإنساني الكبير لا يخص شعباً معيناً أو قومية محددة أو طائفةً أو مذهباً خاصاً، بل
هو لكل إنسان يتمتع بكل الصفات البشرية بعنوانها العام والسامي، لذلك تعاطف مع قضية
الشعب الفلسطيني او مع قضية المقاوم الفلسطيني المسلم من هو خارج دين الإسلام أو
خارج القومية العربية ممن يمتلك الصفات البشرية الإنسانية السامية التي جمعته مع
هذا المقاوم المدافع عن حق الإنسانية جمعاء...المدافع عن الوجود الإنساني ضد الحملة
البربرية لمحو القيم وتحطيم الهيكلية أو الخارطة الجينية لهذا التكوين البشري،
فالمقاوم الغزاوي كما هو المقاوم اللبناني والعراقي والأفغاني، هو لا يحارب فقط
نيابة عن الأمة العربية والإسلامية فحسب بل هو يحارب نيابة عن الأمة الإنسانية
بأكملها وهو حامل لواء الحرية والتحرر ضد الظلم والطغيان والاستعباد المذل والمؤلم،
فالذي يحاول أن يفرضه هذا الرب! أو الطاغية المعاصر الذي يحمل اسم (الصهيونية)هو
شكل جديد وخطير جداً على المجتمع الإنساني العالمي كله من خلال فرض قيم جديدة
للتعامل البشري على خلاف الفطرة أو على خلاف المعهود من الحركة الإنسانية عبر
المراحل والعصور الزمنية المتعاقبة، وهو يقدم صورة جديدة أو نوعاً جديداً من أنواع
الانحراف بل أخطرها وأقبحها وأكثرها تزوقاً وتجملاً وكذباً وادعاءاً......، وهنا
نصل إلى النقطة المهمة التي نقصدها بهذه المقدمة، وهي أن غزة اليوم (إضافة إلى ما
قدمته من دروس ومعاني وصور غنية وثرية نستطيع أن نقرأ منها الكثير إن أحسنا النظر
والاعتبار)، هي تقدم لنا أيضا نموذجاً أو محكاً نستطيع من خلاله أن نميز أنفسنا
والآخرين في هذا العالم من بين الإيمان وقيمه التوحيدية من جهة والكفر ودعواته
الضالة والمضلة من جهة أخرى، بين أن نكون منافقين من أتباع الطغاة والسلاطين ومن
أتباع الأفكار والمدعيات التي تصور لنا الحق باطلاً والباطل حقاً (كما يُبرر العديد
اليوم لقتل الإنسانية في غزة)، بين أن نكون تبعاً لجهات أو أفكار أُمليت علينا باسم
الدين أو باسم القيادة أو الرئاسة أو المرجعية أو المذهب أو السياسة أو السلطة التي
تبرر الحرب على الإنسان في غزة، وبين دعوة الإيمان الحق، دعوة الحق التي تستند إلى
حياديتنا والى حريتنا وتجردنا عن كل أشكال التبعية وأهمها التبعية الفكرية
والعقائدية لأي جهة من الجهات، أن نكون كما كان نبي الله إبراهيم عليه السلام
حنيفاً مسلماً، لا يميل إلى طرف دون آخر بدون إدراك و وعي ممتثلاً لفطرته الإنسانية
الخيرة التي فطره عليها ربه وخالقه، فطرة التوحيد وعدم التبعية للغوغاء والظالمين
مهما كانت كثرتهم
وسطوتهم....،
جاء في الحديث الشريف (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، فلا يمكن أن نكون مؤمنين موحدين
إذا لم نمارس إنسانيتنا وإذا لم نعرف أنفسنا بأنفسنا، لا أن نعرف أنفسنا برؤى غيرنا
أو بالصورة والشكل الذي يقدمه لنا الغير مهما كان موقعه السياسي أو الديني أو
الاجتماعي، خصوصاً إذا كان من المنتفعين أو من أصحاب المصالح الخاصة والمستأكلين
بالدين، فقد ورد في الحديث الشريف عن الصادق (عليه السلام): ملعون من استأكل
بالقرآن، ملعون من استأكل بنا أهل البيت.
إذن هذه صورة أو وسيلة تقدمها لنا غزة وللآخرين لكي يراجع كل منا في هذا العالم نفسه (سواء كان مسلماً أو غير مسلم)، فيما إذا كان موحداً أو ممن يدعي الانتماء إلى أمة التوحيد من خلال واجبه في نصرة أخيه المسلم في غزة، وإذا لم يكن من الناصرين ومن المستشعرين لهذه القضية فهو على خلل في إيمانه وأن كان يدعي العبادة والعبودية لله الواحد، فهو على وهم ولينظر جيداً من يعبد؟ أي جهة يتبع ؟ أو أي فكرة يؤمن ؟ فهي بالتأكيد ليست من التوحيد.
بلال الزبيدي
16/1/2009