|
نص المحاضرة التي القاها سماحة آية الله الشيخ جواد الخالصي في حشد من الجالية العراقية المقيمة في طهران في ذكرى استشهاد الامام الصادق عليه السلام الاربعاء 8/12/2004 الموافق 25 شوال 1425 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي حبيبنا وطبيب نفوسنا وقائد مسيرتنا، منقذ الانسانية و معلمها و مرشدها ابي القاسم محمد و علي آله الطيبين الطاهرين. والصلاة والسلام علي اصحاب رسول الله الذين آزروه في ساعة العسرة واتبعوا النور الذي انزل معه وعلي التابعين و السائرين علي نهج الحق الي قيام يوم الدين. ايها الاخوة الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في البداية اقدم شكري واعتزازي للمركز القرآني وصدره الرحب الذي استوعب العديد من الاخوة الذين يأتون الي هنا ويطرحوا مختلف القضايا، ويتحدثوا عن مختلف الامور التي تهم الامة الاسلامية، و من حسن حظي انه رغم الايام القصيرة التي امضيها في ايران فان الاخوة الاعزاء ارادوا ان يكون هنالك لقاء موسع، وهذا من دواعي فخري وسروري خصوصا وقد وجدت في هذا المكان اخوة اعزاء عشنا معهم طوال سنين الغربة. نسأله سبحانه وتعالي أن لاتضيع سنين الغربة التي عشناها، وان لا تضيع الجهود التي بذلت، وان لا تضيع الساعات العصيبة التي قضيت، ولا تضيع آلام السياط التي تحملها المجاهدون في السجون، ولا الدماء الزكية التي اريقت علي مذبح الاسلام، مذبح الحق والعدالة، في ظروف اختبرنا بها، و هذا اختبار آخر. تارة يكون اختبار الخوف و الرعب والهجرة والتهجير والمتابعة والحاجة المادية، وتارة يكون اختبار القوة والعزة - وهذا ايضا اختبار- اختبار المال والثراء، اختبار الجاه والمنصب. بعض اصحاب رسول الله واصحاب الانبياء قبل رسول الله صلي الله عليه وآله نجحوا في امتحان الشدة والمواجهة، ولكنهم لم ينجحوا في امتحان الرخاء والدعة والثراء. هذا الذي نأمله أن تكون سنين العمر الماضية محفوظة عند الله مستمرة علي درب الحق ودرب الاسلام. في هذا اليوم مرت علينا المناسبة الكريمة العظيمة، ذكري امامنا الصادق المصدق جعفر بن محمد سلام الله عليه. و الامام جعفر الصادق – الذي هو كبقية الائمة ولكن مرّ بظروف خاصة او بأحوال منفردة- لو نظر اليه الانسان نظرة تقييم انساني لأعجب به و أيقن أن عليه ان يتبع هذا الرجل، ليس تقييم الامامة وتقييم الولاء وتقييم الاتباع وتقييم الالتزام - هذا شيء في محله – بل التقييم الانساني. مثلا رسول الله صلي الله عليه و آله جدّ جعفر بن محمد عليهم السلام، لو جاء انسان عاقل وقرأ شخصيتة سيجد نفسه معجبا بهذا الانسان ملزما ذاته على اتباعه و السير علي نهجه، فلا شيء في شخصية المصطفي صلى الله عليه و آله يجعل الانسان بعيدا او قادرا علي الابتعاد عنه. يقول احد الشعراء قصيدة في رثاء أحد العلماء قد تكون هي أولي أن تنطبق علي النبي صلي الله عليه و آله: اللــه يجزيك الجميل فكل مـــا قد خلّفتــه في المسلمين جميـــلُ حين يكون الانسان لوحة متكاملة في الجمال ، في الخُلق، في السيرة ، في العطاء، في الخير، في التقوى، في التواضع ، في الايمان ، في الهدى، لماذا لا يُعجب الناس به؟. نحن نُعجب بمناضل يناضل في مكان في الارض لقضية واحدة ، فمن باب أولي أن نعجب بانسان يحمل كل قضايا الخير . لذلك عندما جاء العالم او الطبيب الامريكي الذي أراد ان يبحث عن اعظم الشخصيات التي اثرت في تاريخ البشرية - حتي لو كان التأثير سلبياً – بحث ودرس وقرأ وتابع، فاختار مائة شخصية في كتاب يسمي « المائة الاوائل» والذي طبع باللغة العربية ، فلم يجد أحداً يمكن أن يُقدًّم على محمد صلي الله عليه و آله. الرجل مسيحي ، يعيش في نيويورك ، لم يقرأ عن الاسلام الشيء الكثير، ولعل بعضه كان مشوشاً، لكن هو استطاع أن يلتفت ان رجلاً كالنبي صلى الله عليه و آله لا يمكن ان يتقدم عليه احد في قيادة مسيرة البشرية. تصوروا ان هذا الرجل وضع عالم الفيزياء المعروف نيوتن في المقام الثاني، ووضع المسيح في المقام الثالث، و اظن انه وضع موسي في المقام الثاني عشر. أنا لا أريد ان اقول ان اختياراته كانت دقيقة، هذا ليس هو الموضوع، إنما أريد القول بان أي انسان عاقل لو نظر في تاريخ البشرية فلن يجد اعظم من محمد صلى الله عليه و آله. «برنادشو» الكاتب الساخر والاديب الاسكتنلندي المعروف, قيل له: كيف تتخلص البشرية من آلامها؟ قال: هي بحاجة الي رجل كمحمد صلى الله عليه و آله حتى ينقذها مما هي فيه. نفس الامر لو انتقلنا الى علي عليه السلام ، لو لم يكن الانسان شيعيا، ولم يكن مسلماً، و لم يكن متدينا و اراد ان يقرأ تاريخ الانسانية وقرأ سيرة علي سلام الله عليه، فان كل شيء في سيرة علي سيعجبه، فكل ما فيه جميل، وكل ما فيه رائع، حتي بطنه عليه السلام التي قد تكون عيباً عند البعض، يقول الشاعر للحسين عليه السلام: و يابــن البطيــن بلا بطــنة ويــابن الفتي الحاسر الأنـزعِ هو بطين، ولكن بلا بِطنة. لماذا لا يُعجب به؟. كذلك الحسن والحسين سلام الله عليهما، كذلك امهما فاطمة سلام الله عليها، ثم تتكامل هذه الاسرة التي يراد لها ان تقود البشرية، جدها محمد، ابوها علي، امهم فاطمة، ثمرتها الحسن والحسين وزينب سلام الله عليهم اجمعين. هل هنالك اجمل من هذه الاسرة في الوجود؟. انا شخصيا اتصور ان كل عاقل حتى لو لم يكن صاحب دين سيشغف حبا بهذه الوجوه، وسيسير على نهجها، بينما تريد مسيرة الضلال، مسيرة الكفر، مسيرة التبعية ان تصحب عقولنا بعيدا عن هؤلاء، تارة يقولون لنا عليكم بكارل ماركس فانه سيصنع لكم المعجزات، وتارة يقولون لنا عليكم بماركس فرانك لانه قد جاء بالتطرف الاكثر يسارية، واخري يقولون لنا عليكم بتشرتشل و الحضارة البريطانية، رابعا يقولون عليكم بامريكا ومافيها من تقدم وانسانية وديمقراطية! كل هذا ضلال في ضلال، وتيه في تيه. يوم وقعت الامة في مثل هذا التيه، هنا يأتي دور امامنا الصادق سلام الله عليه، ولذا قلتُ: هو كبقية الائمة من الآباء و الاجداد والابناء والاحفاد، ولكن كانت له ظروفه الخاصة، وملامحمه المميزة. الامة وقعت في هذا التيه، رسول الله صلي الله عليه و آله انبأنا أن الامة ستقع في ظل الملك العضوض – وهذه من معاجز المصطفي صلى الله عليه و آله- أي ان قوما سياتون بعد حين يستولون على السلطة، يمسكون بها باسنانهم ولا يتركونها لاحد، من عارضهم قتلوه، ومن خالفهم عذبوه، ومن دعا الى حق الامة أبادوه. قُتل خيرة صحابة رسول الله تارة لانهم اعترضوا علي هذا الطغيان الذي جرى، من حِجر الخير؛ حِجر بن عدي و عمرو بن الحَمق الخزاعي والعشرات من الصحابة الذين استشهدوا دفاعاً عن مسيرة الحق ومسيرة الايمان الهادية، ومسيرة الشوري والخير. الامة دخلت في تيه، وجاءت اموال الفتوحات وإذا بالناس يذهبون ذات اليمين وذات الشمال، هذا يفكر بجمع المال وذاك يفكر بالعقارات، وذاك يفكر بالمزارع، وذاك يفكر بالاماء، وهذا بالمناصب، وهذا يتوسل بالطاغية، جاء جعفر سلام الله عليه وكان هو يقول: «كي لا يقول الناس هكذا فعل اصحاب جعفر» – هو يسمي نفسه هكذا- جاء سلام الله عليه ووجد الامة في تيه، هنالك من تتنازعهم المدارس الفلسفية، وهنالك من غرتهم المادة، وهنالك من صاروا مع السلطان، فقام سلام الله عليه وهو يقول: «لا تذهبوا ذات اليمين و ذات الشمال، إليَّ إليَّ، انا جعفر بن محمد سبط رسول الله صلي الله عليه و آله ادعوكم الى كتاب الله وسنة رسوله» ادعوكم الى النجاة، ادعوكم الى الخير، ادعوكم الى الهدي، ادعوكم الى الانسانية الحقّة. وكان من جملة اقواله العظيمة سلام الله عليه: «من أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال، ومن أخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله زالت الجبال ولا يزال» هذا امر ينفعنا في كل وقت وفي كل مرحلة من مراحل حياتنا. هذا الامر كنت اقوله لبعض الاخوة خلال الدروس الحوزوية التي كانت تجري في المنافي، اقول لهم: من ذهب من المسلمين والعراقيين خصوصا الى الغرب وعاش في مجتمعهم فانحرف عن الاسلام، فان هذا الرجل أخذ دينه من افواه الرجال، فوجد اجواءً اخرى فانحرف، ولكن من ذهب الى هناك فازداد ايمانا ورسوخاً ويقيناً و دعوة الى الله، هذا الرجل أخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة اهل البيت المرشدة، هذا رجل تزول الجبال ولا يزال. هنالك اناس ذهبوا الي الغرب صاروا معلمين، صاروا يدعون الناس الى الاسلام، بعض الاشخاص خرجوا من العراق على غير دين، فهداهم الله واهتدوا وتدينوا في الخارج. أحد الاشخاص من مدينتا في الكاظمية، خرج من المدينة ملحداً لايؤمن حتى بالله، وينُكر دين الله، بعد مدة عاد واذا بلحيته طويلة فاستغربنا منه! قال: لقد اكتشفت الحقيقة هناك. اذاً هذا الرجل وان لم يأخذ بالاصل دينه من كتاب الله وسنة رسوله، لكنه وجد هناك فرصة التفكير، واذا فكر الانسان العاقل لم يجد طريقاً يتبع احداً الا ان يسير على نهج رسول الله ثم على نهج آل بيته، وهذا الذي يوصل الى الله تعالي. انا لا اجد حاجة الى استعراض المراحل التاريخية لولادة الامام الصادق وحياته، فهذه امور معروفة و موجودة في الكتب، ولكن الامام عايش فترة تشكل فترة اضمحلال وضعف الدولة الاموية وبروز الدولة العباسية، هذه الفترة كانت تتيح له فرصة اللقاء بالناس وفرصة بث علوم الحق والدعوة الى الاسلام وتبيان الحقائق. ناقش امامنا الصادق عليه السلام في كل خفايا تلك المرحلة، ما ورد عن الاسلام من مدارس وافكار وبدع وخرافات واوهام وحقائق وعلوم طبيعية، وأسس مدرسة فيها الآلاف من الفقهاء و المتعلمين، كلٌ يقول: حدثني جعفر بن محمد سلام الله عليه. ولكنه كان يرشد بعض اتباعه وبعض تلاميذه، يقول لاحدهم انت تعلم الكيمياء، وانت تعلم الفيزياء، وانت اقرأ الرياضيات، وانت تعلم اللغات، فكانت هذه المدرسة التي افرزت في مرحلة متأخرة علماء في هذه الامة انتهوا للنموذج الكوني الذي صنعه ابن الشاطر تلميذ السيد ابن طاووس. ابن الشاطر كان يشتغل في مرصد مراغه المعروف في ايران، صنع نموذجا كونياً هو الذي استند اليه «كبلر» في قوانينه المعروفة بعد سبعين سنة، والكل في هذا الزمان ينقلون ان النهضة العلمية الحديثة نشأت على قوانين «كبلر» الفيزيائية. هل اخذ «كبلر» من ابن الشاطر؟ هذا امر يدرسه الباحثون، ولكن النموذج الكوني هو نفس ذلك النموذج. انظروا الى مراحل العلم التي أسسها امامنا سلام الله عليه واين انتهت بالبشرية. مالذي كان يريده الامام عليه السلام؟ او ما هو دوره عليه السلام في أدوار بقية الائمة؟ الامام الصادق سلام الله عليه كان له دوران او مهمتان: الاولى: الحفاظ على الاسلام، الحفاظ على كتاب الله وسنة رسوله، الحفاظ على الدين، منع الانحراف، منع الاخطاء، منع إضافة اشياء الى الدين وهي ليست من الدين، وفي هذا بحث طويل كيف كان يناقش الناس؟ مثلاً في قضية القياس، لماذا منع القياس وردّ على القائلين به؟. الامام الصادق قام بهذا لكي لا يُقاس الدين فيُمحق اصل الكتاب والسنة، و كان يقول: «لو قيس الدين لمُحقت السُنة» وكان يضرب بذلك أمثلة. قال لأحد الفقهاء الذين كانوا يقولون بالقياس: لو قُطع اصبع امرأة فكم فيه الدية؟. قال: مائة درهم. قال: فان قُطع اثنان؟. قال: مائتان. قال: فان قُطعت ثلاثة؟. قال: ثلاثمائة. قال: فان قُطعت أربعة؟. انتبه ذلك الفقيه ان الدية اذا بلغت اربعمائة فانها صارت اكثر من الثلث، والمرأة اذا بلغت الدية في جراحاتها اكثر من الثلث، رجعت الى نصف الرجل. يعني اذا قطعت اربعة اصابع صارت الدية مائتين لا اربعمائة كما هو الحال في القياس. وقال له الامام: «لو قيس الدين لمُحِقت السُنة» . الثانية: كانت تأتي بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه و آله فيقع الناس في فهم عقائدي خاطئ، فيأتي الامام الصادق عليه السلام فيقول: ما قال رسول الله هكذا، فاما أن يصحح المقولة او ان يصحح المفهوم الذي يأتي من هذه المقولة. مثلاً : «إن الله خلق آدم على صورته» فما المقصود من هذه العبارة؟. البعض يتصورون اذا كان الله قد خلق آدم على صورته فان صورة الله على صورة انسان!. فماذا قال لهم الامام عليه السلام؟ قال: ان الله خلق آدم على صورته، قال رسول الله هذه الكلمة لان اثنين تخاصما في السوق، فقبّح احداهما صورة الآخر، قال له: قبح الله وجهك، قبح الله صورتك، فنهي رسول الله هذا المقبّح قائلا: لا تقل هذا الكلام فان الله خلق آدم على صورته – اي على صورة هذا الرجل- . انظروا الى الفرق الكبير بين المعني الاول المنحرف والمجسم و البعيد عن الاعتقاد الصحيح، وبين المعنى الثاني الذي شرحه الامام الصادق سلام الله عليه. الجانب الآخر وهو مهم جدا بعد الحفاظ على الدين, حفظ أمة محمد صلى الله عليه وآله. حفظها من الضياع، حفظها من الانحراف، حفظها من التفرقة ، حفظها من التقسيم، حفظها من التبعية. حين نقول رسالة الإسلام ، فما الغاية من الإسلام؟ هي أن نبلغ هذه الرسالة إلى البشرية كافة وان نحافظ أولاً على أمة الحق وأمة محمد صلى الله عليه وآله. الإمام الصادق سلام الله عليه قام في هذا المجال بجهد كبير ، لعله اصعب من الجهد الأول ، لان الجهد الأول يستند إلى موقعه العلمي وإمامته التي لا يختلف عليها الناس، هو عالِم آل محمد، وآل محمد سادة الخلق، لا يختلف الناس عليها، لكن الصعوبة كيف يجمع الأمة ويمنعها من التشتت؟ يمنعها من التبعية، يمنعها من سيطرة السلطان الجائر؟ يمنعها من السير خلف الضلالات والأفكار المنحرفة؟ هذا هو الجهد العظيم الذي قام به الإمام. آل البيت سلام الله عليهم قاموا بهذا الجهد العظيم، وسأذكر أمثلة ولن أطيل عليكم. قال رجل للإمام الصادق سلام الله عليه: ‹إني لأكره الصلاة في مساجدهم› ، ما لمساجد المقصودة؟ المقصود المسلمون الذين لم يكونوا من اتباع الإمام جعفر الصادق، أو كانوا من اتباع السلطان. لماذا كان هذا الرجل يكره الصلاة في مساجدهم؟ لان هذه المساجد كان يُساء فيها إلى عليّ عليه السلام. هذه السنة كما تعلمون سنها أهل الجاهلية بعد أن دخلوا إلى الإسلام وتركوا الأمة عليها لفترة من الزمن حتى جاء من أزالها جزاه الله خيرا على ذلك. فماذا قال له الإمام الصادق سلام الله عليه؟ هل قال له حسناَ تفعل؟ أو إياك أن تذهب إلى مساجدهم؟، أو هذه المساجد مساجد ضلال؟ والله لو قال الإمام جعفر بن محمد هذا لما لامه عليه أحد، لان تلك المساجد بالفعل كان يجري فيها الضلال، المسجد الذي يساء فيه إلى عليّ سلام الله عليه هذا ليس مسجد تقوى وخير. مع ذلك يقول الإمام سلام الله عليه : ‹إياك أن تكره الصلاة في شيء من المساجد فإنها بنيت على دماء الشهداء› هذا أولاً. الحديث الثاني: قال رجل للإمام الصادق عليه السلام: ‹يا بن رسول الله ما نصنع في أهلنا وقومنا وعشائرنا؟ قال له الإمام عليه السلام: اصنعوا كما يصنع أئمتكم، والله إنّا لنحضر مساجدهم ونجلس في بيوتهم ونعاشرهم ونحضر جنائزهم ونعود مرضاهم›. انتم تعلمون أن أصحاب الأئمة عليهم السلام كان عددهم قليل في ذلك الوقت، والقضية لم تكن قضية اختلاف في المذهب الفقهي، بل إن اتّباع الإمام, يعني المعارضة السياسية، والدخول في معركة مع السلطة، والسلطة لا ترحم أحدا كما هو معروف وفي حديث آخر يقول: ‹افعلوا ذلك، صلّوا خلفهم شيعوا جنائزهم عودوا مرضاهم كي يقال هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفر بن محمد كيف أدب شيعته› هذه تربية جعفر سلام الله عليه. هل هذا الذي قام به الإمام يخالف منهجه الأول في حفظ الإسلام؟ لا، الصحيح انه يكمل ذلك المنهج. هو يحفظ الإسلام من جانب ويدافع عنه، ويحفظ الأمة من أن تنزلق إلى الاختلافات والى التقسيم. هذه سيرة آل البيت. اذكر لكم رواية أخرى عن الإمام الصادق تنفعنا في قضية التطرف والتشدد التين نعاني منهما في الكثير من مجتمعاتنا، يقول الإمام الصادق سلام الله عليه: ‹أنا كنت غلاما صغيرا أطوف حول البيت فاُكثر من الطواف، فرآني أبى فناداني فقال: يا بني مهلاً مهلاً دون هذا، إنّ الدين متين فأوغل فيه برفق، فانّ المُنبَتَّ لا ظَهراً أبقى ولا أرضاً قطع›. لاحظوا هذه العبارة الرائعة العظيمة، أوضحها لكم لكي نلاحظ مستوى البلاغة في كلمات الأئمة عليهم السلام، وحتى نكتشف أن بعض الروايات التي تنسب إلى الأئمة هي ليست منهم لأنها لا تتمتع بهذه البلاغة، فكلام الأئمة سلام الله عليهم نور واضح وبلاغة واضحة. من هو المُنبَتّ؟ هو الشخص الذي يريد أن يخرج مع قافلة فيأتي متأخراً فيسمع أن القافلة قد خرجت، فيأتي إلى دابته فيركبها ويثخن عليها الضرب ، ويكثر عليها الضغوط حتى تسير لتلحق بالقافلة، ولكن مثل هذا الرجل لا يستطيع أن يلتحق بالقافلة، كما أن دابته لا تبقى سالمة، هذا هو المنبت.ّ فالدين شيء عظيم متين رصين ، حين يدخله الإنسان يجب ان يدخله بتعقل وبهدوء وبتروٍ، لا بانفعال وشعارات وهتافات، فإذا به يهرب من الدين بنفس الطريقة التي دخل فيها. كما يقول الإمام الصادق أن أحداً ادخل مسيحيا في الإسلام ، ثم اخذ يناديه في كل لحظه ليصحبه إلى المسجد، يقول الإمام الصادق عليه السلام: فأخرجه مما ادخله فيه. في زمن الأمام الباقر عليه السلام دخلت الدولة الأموية في أزمة اقتصادية، حين سحب الرومان العملة الرومانية المتداولة آنذاك، وهو ما يشبه إسقاط العملة الوطنية لبلد من البلدان هذه الأيام، فارتبك الأمويون أيما ارتباك، ماذا حدث؟ لم يجدوا إلا الإمام الباقر، فأرسلوا إليه يطلبون النجدة فقال لهم الإمام افعلوا كذا وكذا، ففعلوا وبدأت قصة السكة الإسلامية بإرشاد من الإمام الباقر عليه السلام، لماذا فعل الإمام هذا؟ لأنه سلام الله عليه ما أراد لدولة الإسلام وان كانت في أيدي أناسٍ ليسوا بمؤمنين أن تنهزم أمام دولة الكفر، فقام بهذا العمل لصيانة الاقتصاد الإسلامي. الإمام زين العابدين عليه السلام على سبيل المثال, والذي لم يكن أحد يحمل في قلبه آلاماً كالتي حملها زين العابدين، رجل رأى بعينه كل مآسي كربلاء وكل مآسي السبي وكل مآسي التهجير وكل مآسي محاولات الإذلال القاسية والمريرة - أقول محاولات الإذلال لأن أهل الإيمان لا يذلون - مع ذلك جاء إمامنا إلى المدينة المنورة وكانت تدور اشتباكات بين جنود الدولة التي قاتلته وقاتلت أباه عليه السلام في كربلاء وبين الرومان، ماذا صنع الإمام سلام الله عليه؟ الإمام لم يذهب ليتحالف مع الروم، و إنما كتب دعاءً كاملا موجودا في الصحيفة السجادية هو دعاء أهل الثغور، ومطلعه: ‹اللهم صل على محمد وآل محمد وحصن ثغور المسلمين بعزتك وأيد حماتها بقوتك› قد يقول قائل: هؤلاء قتلوا أباك في كربلاء وأنت تدعو لهم؟! . الإمام عليه السلام يدعو لأناس يقاتلون الكفر في تلك اللحظة، لا الذين قاتلوا أباه، وان كانوا يظهرون بالمظهر الخارجي وكأنهم شيء واحد، لكن الموقع يختلف. هكذا هي سيرة عليّ عليه السلام أيضا، الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول : ‹لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين› . للأسف الشديد، فان بعض الناس لا يقيمون الأمور على الأمة، بل يقيمون الأمور على مصلحتهم الذاتية، يعني کم سيربح هو من هذا التغيير و کم سيخسر؟ لا کم سيربح الدين وستربح الأمة، و کم ستخسر الأمة من هذا التغيير أو من هذا الحدث الذي يجري! هذا أمر خطير. هذه سيرة الأئمة سلام الله عليهم وهذا هو منهج الإمام الصادق سلام الله عليه. نحن لا نريد أن نحتفي بالأئمة احتفاءً عاطفياً فقط، أي أن نقيم الاحتفالات ونوزع الحلويات و يهنيء بعضنا بعضا بالمواليد ويعزي بعضنا بعضاً في المصائب والوفيات، يجب أن نحتفي بالأئمة عليهم السلام احتفاء متابعةٍ دائمة، يجب أن نسأل أنفسنا دائماً هل نسير على النهج، کم تابعنا رسول الله صلی الله عليه وآله و کم تابعنا آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، ، کم نحن على الإسلام؟. إمامنا الصادق ليس ميتاً، هو يعيش بيننا ويطالبنا باتباع المنهج الصحيح، الإمام الحسين عليه السلام استشهد في کربلاء، لكنه لم يمت، لم يغب عن الوجود، إن كان قد مات جسدياً، لكنه ككيانٍ فكري وعقائدي قائم أمامنا. من اجل أي شيء استشهد الإمام الحسين عليه السلام؟ الجواب هو: من اجل الإسلام، والإسلام موجود. هل نحن على هذا المنهج وهذا الطريق؟ أم إن الأمور بدأت تتغير وتتبدل، وبدأت الأحداث تأخذ منا ذات اليمين وذات الشمال؟. في هذه الظروف، خصوصا ظروف العراق الحرجة بين المظالم القاسية التي جرت علينا زمن الدكتاتورية الباغية الطاغية، وبين الادعاءات التي جاءت للإنقاذ والتخليص، وقعت الأمة في هَرَجٍ ومَرَج، وقعت الأمة في حيص بيص كما يُقال. الحيص بيص هذا شاعر لابد أن الاخوة قد سمعوا باسمه، له أبيات شعرية مشهورة وفي الأبيات نحو معجزة، فانه نظمها في ليلة وحيداً في البيت، وكان رجلاً آخر قد رأى أمير المؤمنين سلام الله عليه في المنام، قال له: لماذا عفوتم عن الذين ظلموكم و قاتلوكم من قريش، ثم جاءوا بعد ذلك ليقتلوكم؟!. قال له الإمام عليه السلام: اذهب إلى الحيص بيص وسله: ماذا نظمت هذه الليلة؟. خرج الرجل في تلك الليلة وذهب إلى الحيص بيص وطرق الباب فخرج الحيص بيص وقال له: ما لذي جاء بك؟!. قال: أبيات شعر نظمتها أنت هذه الليلة. قال: ما أدراك بها؟. قال: أخبرني بها علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام. فبكى الحيص بيص وقال: والله نظمتها الساعة ولم يسمعها مني أحد. هذه الأبيات تقول: ملكنا فكـان العفو منّا ســـجيةً فلمـا ملكــتم سالَ بالدم أبطُحُ وحلّلتم قتل الأسارى وطالـــما غدونا عن الأسرى نعفُ ونصفحُ فحسـبكم هذا التفــاوت بـيننا فكـل إناء بالــذي فيه ينضـحُ اذاً يجب أن ينضح إناؤنا بولائنا لآل محمد سلام الله عليهم لا بالجراحات التي تصيبنا ولا نتأثر بالأقوال الأخرى حتى نتبين المنهج الذي نسير عليه. أقول في هذه الذكرى: إن الخطر الذي يأتينا من الغرب اليوم هو أشد أنواع الأخطار التي مرت على الأمة. وما من خطر جاء إلى الأمة في يوم من الأيام إلا و كان مغلفاً بدعاية من الدعايات. فالشيوعية عندما جاءت، رفعت شعار السلام والتحرير والمساواة والعدالة وتحرير المرأة، ألم يكن لدينا في العراق رابطة الدفاع عن حقوق المرأة؟ ألم تكن لدينا منظمة العلماء الأحرار؟! هذا في أيام الشيوعية؟. الآن يأتون بغلاف آخر، الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحرير العراق وتحرير الشيعة وتخليص الأكراد. هذا اختبار آخر ندخل فيه، وعلي عليه السلام يقول: «إن الفتنة إذا أقبلت شبّهت، وإذا أدبرت نبّهت» والعاقل من ينتبه عند قدوم الفتنة، قبل أن يقع فيها، وإلا ما لفائدة إذا انتبه بعد انتهاء الفتنة وبعد وقوع المصيبة؟ . أيها الاخوة! أكلمكم الآن بهوية الإسلام، إن ما نجابهه اليوم من خطر في العراق فهو لهويتنا الإسلامية، هل نحن أمة مسلمة أم نحن أمة علمانية لا دينية تتبع الوافدين من الغرب والسائرين على نهج الرأسمالية؟ هذا هو الامتحان، إذا انتبهنا إليه و كانت قلوبنا صافية وقد نجت من مسألتين: التعصب والطمع، فان التعصب للقلب كالعمى للبصر، وان أكثر مصارع العقول عند بوارق الطمع. أي أن الإنسان إذا لم يكن طامعاً فانه سيفكر صحيحاً، أما إذا كان طامعاً فانه يفكر خطأًً، فمن كان خالياً من هاتين الآفتين ونظر إلى الأمور لن تلتبس عليه الفتنة کما في الرواية عن الصادق عليه السلام حين كان في جمع من أصحابه فقال: يظهر قبل المهدي مدّعون كثيرون، لعله قال سبعون أو ثمانون, أخذت الرقة أحد أصحاب الإمام فبكى, قال عليه السلام له: ما لذي يبكيك؟ قال: ماذا نفعل إذا اختلط علينا الأمر يا بن رسول الله؟ فقال له: أتنظر إلى هذه الشمس؟ (و كانت تدخل من الكوة أو الشباك) قال: بلى قال عليه السلام: إن امرنا أبين من هذه الشمس. أمر الحق واضح، فمن تخلص من هاتين الآفتين الخطيرتين يجد الأمر واضحاً. هذا هو صراع الإسلام و الكفر. أنا أسال: أمريكا التي كانت الشيطان الأكبر هل تقلص حجمها وصارت الشيطان الأصغر؟!. أم تحولت إلى الملاك الجديد؟!. هذا الذي يجب أن ينتبه إليه أبناء الإسلام، هذه المحنة زائلة کما زالت الشيوعية في زمانها، کما زال صدام حسين بعد مدة، هذه المحنة ستزول، و کلمة الحق هي التي ستبقى، والمواقف الراسخة هي التي تستمر، والأيمان بالله هو الذي يُنقذ، ونحن أمام هذا الامتحان نسأل الله أن يثبتنا على هذا النهج وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. وقد أعقب المحاضرة القيمة حوار مفتوح، وتوجه الاخوة الحاضرون بأسئلتهم الصريحة لسماحته، والتي تناولت أهم أحداث الساحة العراقية وموضوع الانتخابات وسبب مقاطعة المجلس التأسيسي العراقي والشيخ الخالصي, وطبيعة العلاقة مع هيئة العلماء, وأحداث الفلوجة وفتنة اللطيفية وغيرها من المواضيع. وقد استمع سماحته إلى الأسئلة والآراء المخالفة برحابة صدر و أجاب عليها بصراحة ووضوح تامين. وقد طلب الحاضرون من المشرفين على الحوار تمديد الوقت فاستمرت الندوة وحوارها المفتوح حتى الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل.
|