حرب التضليل (9) تقسيم العراق ....خطة كيسنجر وأدواتها العراقية

كانت من الأضاليل الكبرى في هذه الحرب, ومن نوع الكذب (الغوبلزي) الذي يُحسد على صلفه قائله, حتى إن بعضاً من المخلصين للبلاد صدقه وتمناه في بداية الغزو. هي مقولة أن الإدارة الأمريكية ستتعامل مع العراق كما تعاملت مع ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية, بمشروع يشبه مشروع مارشال. ففي أسلوب الجزرة والعصا الذي تتبعه الإدارة الأمريكية, وتطبيقاً لدويلات الثواب والعقاب التي يريدها الإسرائيليون لهيكل الشرق الأوسط الكبير, تعتبر هذه المقولة ( أي التعامل مع العراق مثل ألمانيا واليابان) جزرة كبيرة,...... كبيرة جداً.

 سلسلة مقالات حول خطة كيسنجر لتقسيم العراق كتبت في فترة مناقشات الدستور المقترح للعراق بمشاركة أمريكية فاعلة وتتحدث بشكل مبكر عن الشرق الأوسط الأمريكي الجديد

محمد حسن الخالصي

حرب التضليل (1)
حرب التضليل (2)
حرب التضليل (3)
حرب التضليل (4)
حرب التضليل (5)
حرب التضليل (6)
حرب التضليل (7)
حرب التضليل (8)
حرب التضليل (9)
حرب التضليل (10)
حرب التضليل (11)....الطريق إلى الطائفية السياسية
حرب التضليل (12)...ترسيخ الطائفية السياسية دستورياً
حرب التضليل (13)...لا معنى لرفع صور الوطنيين مع الطغاة
حرب التضليل (14)...على أعتاب جسر الأئمة
حرب التضليل (15)... طائفية سياسية ويسمونها فدرالية

ومع الدمار الذي لحق بالعراق عن عــمد وقصد وتخطيط وتنفيذ, والدمار الذي سيلحق عن نية مبيتة وسبق إسرار, فهم هنري كيسنجر مبكراً, أن لا فائدة من التلويح بجزرة كهذه, ولو من بعيد, لما لها من التزامات لا تقوى عليها الإدارة الأمريكية في مطلع القرن الحادي والعشرين, ولا ترضاه ولا تريده تل أبيب في عصر الانهيار العربي الرسمي أمامها, فلا الحرب الباردة قائمة, ولا هاليبرتون كانت موجودة, ولم تتمتع ألمانيا بلصوصية كالتي تبعت الغزو, ولا تختلف عن تلك التي سبقتها.

 

ألا أن البعض أراد أن يكذب نفسه, ويتمسك بالحلم الذي تصور أن رضى الإدارة الأمريكية عنه سيجعله حقيقة واقعة, وإن كذبتها سيرة المحتلين, وإن فضحتها صور الدمار, ولكن في نهاية المطاف لم تقوى الكذبة أمام كلمة الأب الروحي للحرب على بلادنا وهو هنري كيسنجر, ولم تنفع أكاذيب مؤسسة المشاريع الأمريكية (The American Enterprise Institute ) على مرتاديها أمام تنبيه عراب الحرب من ضخامة هذه الكذبة الكبيرة, والتضليل الذي ستكشفه الأيام سريعاً.

 

كلنا يتذكر المتدربين والمنضوين تحت خيمة الادارة الأمريكية بانتظار لحظة الغزو, وكيف وصلوا الليل بالنهار مبشرين بالمستقبل الألماني والياباني للعراق!!, بينما صور الدمار التي يراها أبناء البلاد لا توحي إلا بحطام (كابل) للناظر إليها.

 لقد ذهب الدكتور كيسنجر الى حد السخرية من القائلين بهذه الكذبة, أمريكيين وعراقيين, فقال بالنص:

 ((أما حول ما إذا كان حسن التخطيط والإعداد قد صاحب الحرب وما تلاها من مآزق، فالإشارة تجدر هنا إلى أن أميركا ظلت دوما ومتى ما تورطت أو اشتركت في قضية عالمية على اعتقاد بأن هناك وصفة جاهزة للمشاكل. وفي هذا السياق كان هناك اعتقاد مفرط بأن ثمة مقارنة بين احتلال ألمانيا واليابان وبين احتلال العراق)).

 وأراد الدكتور كيسنجر أن يشرح السبب في الاختلاف بين الحالتين, الأمر الذي جعلنا نكتشف أحد المصطلحات التي دأب البعض على تكرارها كالببغاوات فيما بعد, وهو أن العراق (دولة سيادية), فقال:

 

((مع أن تلك الحالتين مختلفتان كليا، فألمانيا دولة قومية والعراق دولة سيادية ولكنها ليست قومية. ومع الحالة الألمانية لم تكن هناك هزيمة عسكرية فقط للعقيدة السياسية وإنما في المقابل أيضا وعي لجهة الكارثة التي سببتها تلك العقيدة والتي لم تترك بقية. ولم يكن ذلك هو الحال مع العراق))

 

(قسم من مقابلة مع "ويلشام سونجتاج" هنري كيسنجر بعنوان: الفشل في العراق سيكون كارثة على الغرب / 13 تشرين الأول 2003).

 

إذاً, لا ألمانيا ولا يابان ولا هم يحزنون, بل كذبة وتضليل لفقته مؤسسة المشاريع الأمريكية (The American Enterprise Institute ) والعراقيون المنضوون تحت لوائها, ولم يشأ هنري كيسنجر نفسه الاحتفاظ بها فكذّبها وسخر منهم ومنها. فالعراق هو العراق, ولا يشبه أحداً آخر على الإطلاق.

 ولكنه لا يتوقف يوماً عن تكرار مقولة السنة الشيعة والأكراد معتمداً على مظالم النظام السابق, وليس الوطن والمواطن, فهي السبيل الوحيدة التي يراها ممكنة ليصل إلى دويلات ملوك الطوائف, حيث يمكنه الثواب والعقاب, ولا أداة له في بلادنا كي يصل لما يريد, إلا من يستجيب لهذه القسمة والتجزئة للبلاد, ولا أحد يمكنه أن يفضح هذا التضليل إلا شعب العراق كله دون استثناء.

 

والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

محمد حسن الخالصي

 22 آب 2005