حرب التضليل (15) تقسيم العراق ....خطة كيسنجر وأدواتها العراقية

أخطر ما في حرب التضليل التي هي السمة الأساسية لغزو بلادنا, يكمن في عدم كونها حرب ذات وجه واحد, جاءت بشكل جيش محتل مع حلفاءه ليسيطر على مقدرات الوطن وثرواته, بل الخطورة تكمن في الوجوه التضليلية المتعددة, تعدد أهداف هذه الحرب.

 سلسلة مقالات حول خطة كيسنجر لتقسيم العراق كتبت في فترة مناقشات الدستور المقترح للعراق بمشاركة أمريكية فاعلة وتتحدث بشكل مبكر عن الشرق الأوسط الأمريكي الجديد

محمد حسن الخالصي

حرب التضليل (1)
حرب التضليل (2)
حرب التضليل (3)
حرب التضليل (4)
حرب التضليل (5)
حرب التضليل (6)
حرب التضليل (7)
حرب التضليل (8)
حرب التضليل (9)
حرب التضليل (10)
حرب التضليل (11)....الطريق إلى الطائفية السياسية
حرب التضليل (12)...ترسيخ الطائفية السياسية دستورياً
حرب التضليل (13)...لا معنى لرفع صور الوطنيين مع الطغاة
حرب التضليل (14)...على أعتاب جسر الأئمة
حرب التضليل (15)... طائفية سياسية ويسمونها فدرالية

ولعل المشكلة الأكبر هي انخراط نخب عراقية في عملية التضليل هذه, بعد أن دب اليأس بها من قدرتها على إنجاز تغيير النظام بنفسها. ألا نرى بين الفينة والأخرى من يفتح هذه اللافتة الكبيرة أمام الجميع مكرراًً أن النظام كان سيبقى وتحكمنا أحفاده لو لم تقم أمريكا باسقاطه؟

 واتساقاً مع هذه المقولة, وحين قام المحتل بكامل المهمة بإسقاط النظام, فقد جاء كذلك وكاستحقاق بالحل الجاهز للنظام السياسي الجديد, والصيغة هنا هي المحاصصة السياسية, والحقيقة هي الطائفية السياسية, والعنوان التضليلي فيها هو الفدرالية.

 لا يجب أن نكذب على أنفسنا بكيل المديح لفدرالية الشمال وصب جام غضبنا على فدرالية الجنوب وكلاهما مرفوض, فلا أدري أي نفاق هو هذا. منطقة الحماية الأمريكية في شمال البلاد كانت هي البذرة الأولى للطائفية السياسية المخططة للعراق, وكان لابد من قطع وشائج الاتصال بين الشمال المحمي أمريكياً والوسط والجنوب المطحون دكتاتورياً, ويا لها من خطة نفذها جميع المشتركين بإحكام. فكان الذهاب وسط العراق وجنوبه إلى دول الجوار, الأردن أو سوريا أو إيران أو حتى دول الخليج العربي أسهل من الذهاب إلى أربيل والسليمانية وبقية مناطق الشمال العراقي, والأمر نفسه لأبناء الشمال.

ولست أدري, إن صرنا بعيدين عن الحالة التي تجعل السفر إلى بلدان الجوار هذه, أو حتى دول العالم البعيدة, اسهل وايسر من سفر المواطن من بغداد إلى كربلاء والنجف والكوت والسماوة. ألسنا نسير على نفس سبيل عزل الوسط عن الجنوب بنفس طريقة عزل الشمال عنهما بقوة الميليشيات المحمية أمريكياً؟

 فلننظر للإرهاب من هذه الجهة, ولنرى أي دور يؤدي وأي جهة يخدم!

 نعم... لننظر للإرهاب من هذه الزاوية, هل هو عامل مساعد على ترسيخ الطائفية السياسية أم لا ؟

 أليست كل عملية تستهدف طائفة من طوائف الشعب العراقي, تُتهم بها طائفة أخرى؟

 الأمريكيون أنفسهم يبدون ارتياحهم من الجرائم التي ترتكب تحت عنوان الزرقاوي, وكلام لجنة الجنرالات الأمريكيين الذين يقيمون سير الحرب في العراق بشكل دائم كان أكثر من واضح بهذا الشأن, حسب ما نشرته الواشنطن تايمز, إذ يركزون في تقييمهم على نقطتين مهمتين:

 

الأولى: اعتبروا فيه "ظاهرة" أبو مصعب الزرقاوي مفيدة من حيث أثرها في تقسيم أي تيار شعبي جماعي يضم السنة والشيعة معاً لمواجهة القوات الأمريكية وبحكم "أن الزرقاوي ورجاله لا يستهدفون الأمريكيين" – الواشنطن تايمز

 

والثانية: "إنك لا ترى الزرقاوي يهاجم الأمريكيين". "وأن العسكريين الأمريكيين يدركون أن عمليات الزرقاوي تحولت إلى مانع يحول دون انخراط قطاعات أوسع في مواجهة قواتهم وأن المعادلة على هذا النحو قد تكون مفيدة من بعض الزوايا" – الواشنطن تايمز

 

هكذا يساهم الإرهاب بدوره المهم لجهة الفصل الطائفي, وبالتالي يخدم الاجندة الأمريكية, ويخدم بالنهاية ترسيخ نظام الطائفية السياسية.

 

حتى بعض القوى الداعية لرحيل المحتل سقطت في الفخ و صارت تتكلم باللغة الطائفية, إخواننا السنة, وإخواننا الشيعة, وإخواننا التركمان, وإخواننا المسيحيين, وإخواننا الكرد, وهكذا, بينما الوطن والمواطنة العراقية صارت في خبر كان!

 

لقد كان للأحداث الأخيرة في البصرة بشأن العميلين البريطانيين, وما تلاها من الإمساك بشاحنات تنقل المواد المستعملة في تفخيخ السيارات التي تستهدف العامة من شعبنا تحت الحماية الاحتلالية الأثر الكبير في اهتزاز العقيدة بوجود الزرقاوي, فكانت مسالة مقتل (أبي عزام) المدعى باعتباره الساعد الأيمن للزرقاوي, قد جاءت على عجل وبسرعة كي تعيد الصورة لنصابها وتذكر العراقيين أنه مازال للزرقاوي ساعد أيسر وأقدام ورأس وهكذا. أما الهدف النهائي فهو خدمة الفصل الطائفي وترسيخ الطائفية السياسية كمرحلة مقدمة للتقسيم.

 

 

 

الطائفية السياسية ليست من علامات المجتمع المتحضر, بل هي من سمات المجتمع الذي تحكمه الهواجس والمخاوف, هذا حين لا يكون محتلاً, أما إذا كان محتلاً ويعاني من وجود جماعات تتعاون مع المحتل, فلا تصبح الطائفية السياسية سمة من سمات المسكونين بالهواجس فقط, بل سلاحاً للدمار الشامل, لأنها لا تأتي من المخاوف التي قد يكون بعضها مشروعاً, ولكنها مع الاحتلال تأتي بالاستقواء المشوب بمصالح المحتل, انظروا إلى العراق والقوى التي تتعامل مع المحتل وحجمها دونه, وفكروا في هذه الكلمات

 

 

 

على جيلنا الجديد أن ينفض عن نفسه أوهام الطائفية السياسية فهي لم تبن قبلاً ولن تبن لاحقاً وطنا يحترمه أبناءه, وبغيره لن يكون أمام العراق سوى أن يبقى ساحة لصراع الآخرين, مرة سلمياً وأخرى عسكرياً, قد رأينا الحالين. يراد للعراق أن يكون رهينة التدخلات الخارجية سواء من قبل الدول العظمى أو حتى دول الجوار بينما تكون النخبة الحاكمة غارقة في فضائح المال والفساد الذي وفرها المحتل بأبشع صورها

 

هذه هي سمة الطائفية السياسية, حيث تكون الفجوات أعمق بين أبناء الطائفة الواحدة, ويصبح الصراع محموماً داخل الطائفة من أجل تمثيلها, ما يسعر الحرب بينها, بينما تصبح الوشائج على أحسن ما يرام مع أطياف من الطوائف الأخرى.

 

نظام الطائفية السياسية الجديدة في العراق سيرهن البلاد لثلاثة أنواع من الاقطاعيات الجديدة, وهي الاقطاعيات السياسية والطائفية والمالية. وهنا تكمن أهمية افشال ترسيخ الطائفية السياسية قبل تفشيها عبر القوى التي تعمل مع المحتل ولا يمكنها الاستمرار في الحياة دون الطائفية السياسية, والتي يستحق شعبنا بعد هذه المسيرة الدامية من التضحيات نظاماً أفضل منها, يوصله للسلام والأمان وليس الى بحر الدماء الذي تقوده اليه هذه الطائفية السياسية والقوى التي تنفخ وتسعر نيرانها.

 

 

والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

محمد حسن الخالصي

 

30 أيلول 2005