حرب التضليل (1) تقسيم العراق ....خطة كيسنجر وأدواتها العراقية
لم يخف هنري كيسنجر السياسي الأمريكي الجنسية, والألماني المولد, والإسرائيلي الهوى والانتماء, أن تقسيم العراق هو أحد حلين يراهما للعراق, فيما إذا أصبح من الدول التي لا تحسبها الإدارة الأمريكية في عداد الأصدقاء.
وحينما تؤمن الإدارة الأمريكية أن ثمة دولة هي ليست في عداد الأصدقاء, ...... فإن ذلك لا يأتي من فراغ, وإنما من دراسة موضوعية ومحترفة بعيدة عن ردود الأفعال, تنظر إلى الوقائع على الأرض وليس الادعاءات الفارغة والجوفاء لعبيدها الذين يتصورون أنفسهم حلفائها, ولا يتمكنون البقاء يوماً دون مضلتها.
حصل هذا على ما يبدو في بلادنا,....... فمن سير الأحداث نفهمه, ومن لغة التحاور نقرأه, ومن غضب السياسيين الأمريكيين نستبينه.
فعند إدارة أمريكا وجيشها المحتل (متعدد الجنسيات!!) الخبر اليقين,...حول حقيقة إحصاءات الضحايا العراقيين, والأمريكيين, قتلى ومجروحين, وعندها ميزانية العراق وأمواله, المصروفة والمهربة والمنهوبة. وأمامها أسرار الأمور فيما حدث للبلاد وما فعلت بها, وهي (أي الإدارة الأمريكية) صريحة وصادقة مع نفسها على الأقل, وإن كانت مضللة لغيرها بمن فيهم شعبها, وعلى عكس سياسيينا المنافقين, الواضحين العراة أمام أمريكا, والمضللين المتكبرين المستكبرين على مواطني شعبنا.
فهمت الإدارة الأمريكية أنها باتجاه عمق مستنقع صنعته بنفسها ولا قبل لها به. فانتقلت من مرحلة البحث عن الأعوان والأصدقاء, إلى مرحلة حرق الأرض قبل تركها. وهي العالمة الخبيرة بخفايا القوى التي اتفقت معها قبل احتلال البلاد, وتلك التي سلّحتها بأسلحة الجيش العراقي, وتلك التي أدخلتها معها بحجة استدراجها في حرب الإرهاب الذي صنعته بنفسها, وتحاربه على أرض بلادنا, وبدماء مواطنينا.
لا يقول هنري كيسنجر كل شيء أمام الخلائق, ولكنه يعنون خطواته, ويرسم ما يراه, ويعطي النزر اليسير في كلامه, ومنه نفهم ما يحاول, وهو في نهاية المطاف كالإدارة التي ينصحها بم تفعل, ليس على كل شيء قدير, بل يعتمد على استسلامنا وضعفنا فالله وحده, هو على كل شيء قدير.
في الثامن من آذار (مارس) من العام الماضي, أعلن هنري كيسنجر عبر برنامج (حوار صعب- Hard Talk) والذي يشاهده الملايين من الناس على الـ( BBC) البريطانية أن العراق ربما يسير باتجاه مصير يوغوسلافيا السابقة.
http://news.bbc.co.uk/1/hi/programmes/hardtalk/3543817.stm
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها أهم راسمي السياسة الأمريكية عن تقسيم العراق. ولا هي المرة الأخيرة فيها, حيث تبع هذا القول بالذات طروحات تفتيتية إضافية في العراق, لا هدف لها سوى تنفيذ سياسة كيسنجر عبر الطروحات الدستورية, بعد أن فشلت كل الأساليب الدموية في إشعال الحرب الأهلية والطائفية على أرض الوطن على مدى السنوات الماضية من عمر الاحتلال.
في مرات عديدة بعد احتلال العراق, دعا هنري كيسنجر وبصورة صلفة لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: كردية في الشمال, وسنية وفي الوسط, وشيعية في الجنوب, وعبر نفس البرنامج لهيئة الاذاعة البريطانية, طبلت له في وقتها الأحزاب الانفصالية في البلاد, والمرتبطة مصيرياً بالمحتل. سمعنا وقتها طروحات تقول أن العراق بحدوده الحالية هو دولة كاذبة, أسسته بريطانيا في بداية القرن العشرين!. إلا أن كيسنجر ربط وقتها التقسيم بالفشل في جعل العراق دولة صديقة للإدارة الأمريكية بكل ((المعايير الأمريكية )) لهذه الصداقة!!
ولم تكن المسيرة الدموية للبلاد, سوى الدفع الواضح في أتون الحرب الأهلية والطائفية, ولم تنته ولكنها أيضاً وبحمد الله وجهود آباء هذا الشعب الصالحين, لم تنجح حتى لحظة كتابة هذه السطور. وبما أن الإدارة الأمريكية لا تملك الكثير من الوقت, فقد صار الطريق الوحيد لتقسيم البلاد هو السبيل الدستورية!!.
لهذا السبب كان سفير أمريكا, حاضراً, شاهداً, وضاغطاً, في اجتماعات الكتل المتعاونة مع الاحتلال, وهي تناقش النقاط واللمسات الأخيرة للدستور الذي سيظهر لنا خلال أيام, وما يرافق, ويتبع ذلك من إجراءات تضمن الـ(نعم) في الاستفتاء القادم, وإن على أشلاء العراقيين لهذا الدستور!!
وليس ذلك فقط, بل إن الرئيس الأمريكي نفسه, ومن مزرعته بتكساس, يراقب ويتابع, ومن يدري ربما يستمع لحظة بلحظة, للمناقشات التي تجري لسيناريو إعلان الدستور في العراق!! إلى الدرجة التي لا يجد فيها عشر دقائق يحادث فيها سيدة أمريكية, قتل ابنها في معركة النجف التي خاضها المدافعون الأبطال دفاعاً عن مقدساتنا فيها ربيع العام الماضي, أليس عجيباً
ولا أقول ذلك من فراغ, فالدستور لا يحتمل كلمة ((لا)), بل يحتمل كلمة ((نعم)) فقط. فهو الوصفة السحرية للإدارة الأمريكية لتقسيم البلاد, بعد أن فشلت كما قلنا كل الجرائم الدموية, والتفجيرات الإجرامية, والقذائف التي يبقى مصدرها مجهولاً في الإعلام, ومعروفاً عند الناس, في سبيل الحرب الطائفية. ومن أجل كلمة ((نعم)) هذه, يعلم الله وحده ما سيدفع شعبنا في الغد!!
فإدارة أمريكا تريد هذه الـ(نعم), مهما كانت فقرات الدستور, ومهما كانت التضحيات, طالما أنها في العراق!!
ولنا أن نتصور ما سيفعل المحتلون, فهم يريدون ((نعم)) على دستور قررت القوى الوطنية أن تقول له ((لا)) إذا كان يؤدي لتقسيم الوطن.
والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون
محمد حسن الخالصي
14 آب 2005