أضواء عراقية على اتفاقية استعباد أمريكية – 14

الولاية القضائية وحصانة الجريمة

 

 

 أضواء عراقية على اتفاقية استعباد أمريكية

الولايـة القضائيــة هي عنوان المادة الثانيـة عشـر من الاتفاقيـة الأمنيـة (1) بنصـها الموقع مع سلطات الاحتلال الأمريكي،  وهي في الحقيقة الاسم الآخر للحصانة القضائية ضد القانون العراقي. فكل فقرات هذه المادة وبعد كل اللف والدوران فيها تخبرنا أن الجنود الأمريكيين لا يخضعون للقانون العراقي! أي محصنون ضده!!

أرادوا تبديل الاسم ليكون أقل وطأةً من كلمة "الحصانة القضائية" المنصوص عليها في الأمر 17 الصـادر عن الحاكم الأمريكي السـابق "بول بريمر" في عام 2003 والسارية المفعول حتى ساعة كتابة هذه السطور، أما المضمون فعليه أن يبقى كما هو وملخصه أن المحتلين جنود ومرتزقة محصنون ضد القضاء العراقي!

 

كتبت هذه المادة في الاتفاقية الأمنية بشكل يجعلها مثل سلة القمامة (فكل شـيء موجود فيها) وبإمكان المحتل استعمالها في الادعاء وضده في آن ومجموع ما فيها لا يفيد الطرف العراقي بشيء.

كما أن الملاحظ عند قراءة ما سرب في اللحظة الأخيرة أن الفقرتين 6 و 7 من مادة الولاية القضائية قد اختفت من النص، ولم يفـرج عنهما إلا قبل دقائق من توزيعهما في مجلس النواب في المنطقة الخضراء، وفيهما الاعتراف بحق جيش الاحتلال الطلب من الجانب العراقي التخلي عن ولايته الأولية، أي بمعنى آخر إلغاء مفاعيل أي حق عراقي ورد للاسـتهلاك الإعلامي في بنود هذه الاتفاقـية الأمـنية!! ونورد في الحاشـية نص الفقرتين المحجوبتين في البدايـة!

ونتابع هنا كيف تتساقط الولاية الأولية للقضاء العراقي مع تسلسل الفقرات في هذه المادة:

 

ولن ينتهي الأمر إلى هنا

1.     الجريمة جسيمة!! (دون تعريف)

2.     وقعت خارج القواعد الأمريكية

3.     وقعت خارج الواجب أو المهمة ( دون تعريف)

4.     وقعت بطريقة العمد.

 

وللتذكير فإن الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، لم تعترف حتى هذه اللحظة بأن قصفها لكل من مدينتي "هيروشيما"  و "ناغازاكي" اليابانيتين بالقنابل الذرية وإبادة الجنس البشري فيهما كان جريمة ويجب محاكمة مرتكبيها!! بل وصفت الجريمتين المهولتين بأنهما عمل مؤسف كان لابد منه لاستسلام اليابان!! 

 

أما المادة العاشرة فتضمن أن لا أمريكي سيحاكم في العراق حسب هذه الولاية، لأن كل شيء خاضع للمراجعة!!

 

أليست سخرية بعقول الناس القول أن المفاوض العراقي المدعى قد تعب كثيراً وهو يجبر السلطات الأمريكية وسلطات الاحتلال بالذات في مفاوضات شاقة على القبول بهذه التنازلات للعراق؟

 

لا يطلب جيش محتل الحصانة القضائية إلا عندما يريد ارتكاب جرائم، وشعور الجنود المسيرين بأوامر قادتهم بهذا التفوق يدفعهم إلى ارتكاب الجريمة حتى بغرض التسلية لأنهم في مأمن من العقاب، كما حدث كثيراً في العراق. بل إن جنود الاحتلال كثيراً ما يصورون هذه الجرائم ويطلقونها على شبكة الانترنت، وتقوم جهات أمنية خاصة في الولايات المتحدة بمتابعة هذه المواد عبر شبكة الانترنت وتقوم بحذفها. وقد حدث مئات المرات أن رأينا الكثير من الأعمال المشينة والاعتداءات على المواطنين العراقيين، تتبعها شتائم وسباب للعراق والعراقيين والدين والقرآن الكريم، ثم اختفت كي لا تبقى دليلاً على همجية الاحتلال الأمريكي.

 

إلا أن الحصانة تأخذ أبعاداً أخطر عندما يتمتع بها المرتزقة. لأن المرتزقة يختلفون عن الجنود، حتى جنود الاحتلال! فالمرتزقة يقاتلون ويقتلون بالأجرة، أي أنهم قتلة مأجورون!

وهم لا يمارسون عبث جنود الاحتلال الساديين بتصوير جرائمهم وإطلاقها على شبكة الانترنت، بل ينفذوها بكل سرية وحرفية...أليسوا مأجورين؟

 

بل إن جميع جرائمهم بقيت طي الكتمان عدا ما أمســـك باليد كحادثة البريطانيين في البصرة أو بعض الصور التي سميت بالفرقة القذرة، والعدد القليل جداً من الجرائم التي كانت فاضحة وصلفة مثل حادثة ساحة النسور في بغداد والتي هي الوحيدة التي قد تجري مسرحية محاكمات صورية باسمها. أما باقي شركات المرتزقة وجرائمها، وخصوصاً المرتبطة بالموساد الصهيوني فقد تبقى طي الكتمان إلى الأبد. ولن يتسنى للرأي العام العراقي معرفة مرتكبي التفجيرات والمفخخات وتجنيد المرتزقة من العراقيين للقيام بأعمال تثير الفتن والاضطرابات وتخلط الأوراق لســبب أساسي وهو أن عمل المرتزقة محترف وليس عبثياً، وأهدافهم مختلفة، فبعضهم هدفه المال، والبعض الآخر هدفه أجندة سياسية لكيانه وهو الأخطر، وهذا الوضع القانوني لهم والذي توفره الاتفاقية الأمنية والقاضية بحصانتهم ضد القانون العراقي يكشف أمن البلاد أكثر أمام شرورهم.

 

وللمرة الأولى في تأريخ الدول يتمتع فيها المرتزقة بوضع كالذي لهم في العراق!

 

لذلك يكون هذا السؤال هو بيت القصيد: أي رجل دولة يقبل أن يكون توقيعه تحت اتفاقية تعطي حقاً لمحتل أولاً ولمرتزقٍ ثانياً ليمارس نشاط المحتلين والمرتزقة وجرائمهما في بلاده، وليس هذا فقط بل ويعطيهما الحصانة القانونية تحت اسم "الولاية القضائية" المضلل؟

 

وهو ما يشير مرة أخرى هنا إلى مدى السخرية بعقل المواطن العراقي حين تجري محاولة الاستحمار بأن ثمة مفاوض عراقي قد خاض حرباً طاحنة مع المفاوضين الأمريكيين تطايرت فيها العقول والأفكار ولمدة تسعة أشهر من المواجهة الضروس ليسجل "الانتصار الكبير للعراق" بهذه الاتفاقية ولتنجلي غبرة المعركة إياها عن حصانة لجيش الاحتلال من جهة والمرتزقة تحت اسم العنصر المدني من جهة أخرى!!

الحصانة القضائية ستمتد أيضاً للشركات الأمريكية التي سوف يحرسها المرتزقة بشكل خاص وجنود المحتل بشكل عام، وهذا مثال تتداوله الصحافة اليوم(3). فقد قدمت في الأيام الماضية دعوى قضائية في ولاية "إنديانا" الأمريكية ضد شركة "كيلوغ براون وروتس" (Kellog Brown & Roots) وهي من الشركات المتعاقدة مع شركة "هاليبرتون" المسؤولة عن "إعمار" العــراق بمئات المليارات من الدولارات!!

نذكــــر هذه الحــــادثة كنموذج لمـا يظـهر في الإعلام الأمريكي ولا يظــــهر في الإعـــــلام العراقي ولا تكتشـــــفه مؤسســـــات الدولــــة العراقيــة، والتي يجب أن تكون المسؤولة الأولى عن هذا الأمر، ولا مؤسسات المجتمع المـــدني إن وجدت في العراق.

مســـرح هذه الحـــادثة منطقـــة "كرمــة علي" شـــمالي البصرة حيث يلتقي دجلة والفرات مشكلين شط العرب.

هذه الشركة كانت تعمل على ضخ المياه إلى آبار النفط بغرض مضاعفة الكميات المستخرجة منها لصالح شركة هاليبرتون (يرأسها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني) وقد استعملت مــواد خطرة (ديكرومات الصوديوم) بحالتها الخام والتي تسبب تسمماً شديداً.

الدعوى القضائية لم تكن من أجل العراق أو العراقيين. بل من أجل ستة عشر جندياً أمريكياً ظهرت عليهم أعراض المرض، والمادة مسببة للسرطان.

وقد ورد في الدعوى أن هذه الشركة ومن وراءها "هاليبرتون" كانت تعلم بخطورة المادة لأن ذات الأمر كان قد حدث سابقاً في تسميم سكان ببلدة "هنكلي" في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

 

الدعوى رفعت في أمريكا نيابة عن الجنود إياهم ولا شأن لها ولا تعير أهمية للعراقيين، ولكن كم سببت هذه المواد من تلوث في البيئة في منطقة " كرمة علي" شمال البصرة؟

كم عراقي سوف يصاب بالسرطان نتيجة هذا التلوث لمجرد أن السيد ديك تشيني يريد المزيد من النفط العراقي؟

 

من كذلك هنا ندرك مدى خطورة حصانة العنصر المدني إلى جانب حصانة جندي الاحتلال في هذه الاتفاقية!!

ومن يدري...فربما لهذا السبب لا تحرك الحكومة العراقية ساكناً تجاه جريمة شركة "كيلوغ براون وروتس" رغم فضح جريمة هذه الشركة على الأرض العراقية ولكن في الصحافة الأمريكية! رغم أن أي دولة تحترم مواطنيها قليلاً كانت ستتحرك في ظروف مماثلة للدفاع عن مواطنيها ولو نفاقاً!!

 

ليس القبول بالمرتزقة وحصانة جنود الاحتلال سمة مقبولة ومعقولة لوجود دولة!

بل هي سمة لمستعمرة!

وعقلية الحصانة لا تتوقف عند المحتلين ومرتزقتهم الأجانب، بل تتعداه إلى بعض التنظيمات الحزبية والميليشيات في داخل العراق، فأحزاب الشمال المسلطة على الكرد من شعبنا تملك ميليشيات لا يحق لحكومة بغداد (وإن كانت حكومة الخضراء) أن ترفع حاجباً تجاهها، أي لا يحق لمؤسسات الدولة العراقية الدفاع عن مواطن عراقي من الكرد تسحقه هذه الميليشيات!! بل وأكثر من ذلك، قادة المليشيات الشمالية يتحكمون بموانئ جوية في ظل الاحتلال في السليمانية وأربيل ولا حق للدولة العراقية أن يكون لها موظف واحد في هذه المطارات ليرى ما هي الشحنات التي تصل إلى هذه المطارات!

هذه الميليشيات تمتلك الحصانة ضد القانون والدستور الذي وقعته ومررته هي نفسها وبالمحاصصة وبأكذوبة التوافق الذي على العراق أن يدار به!!

أما في دساتير العالم المتحضر والمتخلف على حد سواء، فلا يحق لمجموعة حزبية أن تدير مطارات أو يكون لها أجهزة أمنية داخلية تفوق سلطة الدولة أو تستقبل شحنات من الأسلحة والأعتدة!

لا يتم هذا الأمر إلا بموافقة وتواطؤ قوات الاحتلال التي تملك هي الأخرى حصانة قضائية ضد القانون العراقي، بينما هذه الحكومة المسكينة التي حبست نفسها في المنطقة الخضراء تزعق كل يوم بالاستقلال والسيادة دون أن يكون لهذه السيادة دليل واحد سوى الدماء المحرمة التي أريقت في كل أنحاء البلاد بدعوى مطاردة الخارجين على القانون، بينما يسحق ويستهزأ بهذا القانون كل يوم في شمال الوطن!

لهذا فمن حق شعبنا كله ومن واجبه وواجبنا أن نعمل كل ما بوسعنا لطرد المحتل من بلادنا!

ما نريده ونعمل من أجله هو دولة حقيقية تدافع عن نفسها بسواعد مواطنيها، وقانونها واحد في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، ومواطنها سيدها في أي بقعة كان. وليس كياناً لا يتمكن من إلقام زعيم ميليشيا حجراً في فمه وهو يعارض تجهيز جيش البلاد بأي نوع من السلاح بينما يفعل هو ما يريد!

التحرير هو المهمة الأولى كي تذهب حصانة المحتل القضائية إلى سلة المهملات.

ولا معنى للعمل السياسي قبل ذلك! بل العمل الوطني بكل أشكاله لخروج المحتل هو المتاح.

 

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

محمد حسن الخالصي

12 ذي الحجة 1429

10 كانون الأول 2008

 

---------------------------------------------------------------------------------

(1) نص المادة الثانية عشر من الاتفاقية الأمنية

 

(2) يحكم القانون العسكري العراقي لعام 2007 وفي مادته 29 على كل من يقاوم قوات الاحتلال بالإعدام، ولا تريد قوات الاحتلال أو مرتزقتهم أن يطبق القانون العراقي حين ثبوت تهمة بارتكاب جريمة فاضحة كالتي حدثت في ساحة النسور على أي أجنبي، فحكم الإعدام للعراقيين فقط، حتى وإن دافعوا عن أعراضهم وأنفسهم وممتلكاتهم!!

(3) رابط الخبر الذي يتحدث عن جريمة شركة  "كيلوغ براون وروتس" (Kellog Brown & Roots) من شبكة CNN  الأمريكية.

http://arabic.cnn.com/2008/world/12/4/kbr.soldiers/index.html

نص الفقرتين 6 و7 والمحجوبتين الى دقائق قبل عرضها على برلمانالخضراء:

       6. لسلطات أي من الطرفين أن تطلب من سلطات الطرف الآخر أن يتخلى عن حقه الأوّلي في الولاية القضائية في حالة معينة. توافق حكومة العراق على ممارسة الولاية القضائية طبقا للفقرة (1) أعلاه فقط بعد إقرارها وإخطارها الولايات المتحدة تحريرياً خلال (21) يوما من اكتشاف الجريمة التي يدّعى وقوعها، بأن لممارستها تلك الولاية القضائية أهمية خاصة.

 

7.                 في الحالات التي تمارس فيها الولايات المتحدة الولاية القضائية عملاً بنص الفقرة رقم(3) من هذه المادة يكون لأفراد قوات الولايات المتحدة  وأفراد العنصر المدني الحق في أن تطبق عليهم معايير الإجراءات القانونية والحمايات المكفولة بموجب الدستور الأمريكي والقوانين الأميركية . وفي حال وقوع جريمة ما تسري عليها أحكام الفقرة رقم (3) من هذه المادة ويكون الضحية شخص ليس من أفراد قوات الولايات المتحدة ولا أفراد العنصر المدني، يضع الطرفان إجراءات من خلال اللجنة المشتركة لإحاطة الأشخاص المعنيين علماً بشكل مناسب، بوضع التحقيق في الجريمة، وتوجيه لائحة التهم إلى المتهم، وتحديد تاريخ إجراءات المحكمة ونتائج المباحثات بشأن وضع المتهم، وفرصة سماع أقوال المتهم في جلسات علنية يتم خلالها إصدار الحكم عليه، والتشاور مع محامي الادعاء لمتابعة القضية، والمساعدة في تقديم مطالبة بموجب المادة الحادية والعشرين (21) من هذا الاتفاق. على سلطات قوات الولايات المتحدة السعي، ووفقاً لما يتفق عليه الطرفان فيما بينهما، من أجل إجراء محاكمة لمثل تلك القضايا داخل العراق. وفي حال محاكمة مثل تلك القضايا في الولايات المتحدة، سوف تُـبذل الجهود من أجل تسهيل التواجد الشخصي للضحية في المحاكمة.