أضواء عراقية على اتفاقية استعباد أمريكية – 13
هذه طائفة الاحتلال
|
أضواء عراقية على اتفاقية استعباد أمريكية |
كتب الأمير شكيب أرسلان يوماً: " لم يمنعنا من الاشتراك في الثورة العربية (بقيادة الشريف حسين) سوى اعتقادنا أن هذه البلاد العربية ستصبح نهباً مقسماً بين انجلترا وفرنسا وتكون فلسطين وطناً قومياً لليهود... وهذا التكهن كان عندنا مجزوماً" ثم أكمل متمثلاً قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): ولو ارتفع الغطاء ما ازددت يقيناً. فيكمل أرسلان: حتى أني كنت أقول قبل الحرب لو ارتفع الغطاء ما ازددت يقيناً، ثم انتهت الحرب وانتصر الحلفاء وارتفع الغطاء – فما حصل غير ما كنا نقول.
ونفس الأمر حول الاتفاقية الأمنية وتمريرها مكافئة للاحتلال الأمريكي على تدميره وطننا وتقسيم أرضنا وشعبنا كان مجزوماً به عندنا أيضاً كما عند غيرنا من أبناء شعبنا العراقي العزيز. بل مشروع الاحتلال كله منذ اليوم الأول لغزوه الوطن واستباحته البلاد.
فالذي يمنع الإنسان المؤمن أن يخوض مع الخائضين في مستنقع الاحتلال هو معرفته بالحدود الشرعية التي عليه أن لا يتخطاها. فبعد لحظة أو ساعة أو يوم أو عام أو أكثر سننام في قبورنا، ومصطحبين معنا أعمالنا، ما فعلنا وما قلنا وما دعونا. وكان مجزوماً به عندنا أن مشروع الاحتلال لن يتوقف عند إسقاط النظام السابق الذي عانينا منه الأمرين، بل سيتعداه إلى فرض النظام
|
|
الذي يريد...والبقاء من خلال هذا النظام جاثماً على صدر وطننا وشعبنا مستثمراً كل فرصة للاستفادة من حالة الاحتلال، وقلنا للمنخرطين في المشروع قبل الغزو أن الذي يبدأ بقبول الخطوة الأولى مختاراً فعليه أن يقبل بالخوض في المستنقع ويغوص فيه إلى أذنيه حتى النهاية وإن مجبوراً! وهو خزي في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم، ولو ارتفع الغطاء ما كنا ازددنا إلا يقيناً. وقد حدث الغزو، وقَبِل القوم بما قبلوا، وغاصوا في المستنقع الذي حذرناهم منه سراً وعلانية، وارتفع الغطاء، وها نحن نرى أين وصلوا. فهل حصل غير الذي قلناه؟
|
|
مع تصويت اليوم عبر أطر المحاصصة "الديمقراطية" حسب الطريقة الأمريكية في "العراق الجديد" والقبول بالاتفاقية الأمنية نكون وصلنا إلى قعر حالة التسافل عند جوقة مجلس الحكم سيء الصيت. وبعدها ستبدأ مرحلة جديدة من التصفيات الداخلية من أجل استثمار هذا التقدم الجديد عند سلطة الاحتلال السياسية، والتي ستتحول إلى سلطة شبحية، يشعر بها الناس عميقاً ولا يرونها كثيراً، إلا حين الأحداث الكبرى. لأنها سوف تتحول من عهدة دولة احتلال إلى عهدة شركات احتلال، أي من نظام الاحتلال إلى نظام المرتزقة.
|
|
لم يسبق أن ضللنا شعبنا يوماً، وحدث كل ما قلناه لأهلنا في وطننا مبكراً، ولا نملك في هذه اللحظة الحزينة سوى أن نستمر في أداء واجبنا في تنبيه شعبنا. ولكن في نهاية المطاف هو دور شعبنا ولا أحد آخر أن يختار الطريق الذي عليه أن يسلكه!
ليس دور فصيل من الفصائل، ولا حزباً من الأحزاب، ولا طائفة من الطوائف، بل هو دور شعبنا بأكمله أن يرتضي ما يفعلون به أو يرفض. وليس الطريق الحق أن يمارس هذا البعض النكاية بالبعض الآخر طائفياً أو عرقياً! فمنذ البداية أوضحنا لشعبنا أن القوى الحقيقية في العراق هي ليست شيعية وسنية، أو عربية وتركمانية وكردية، بل هي مشروع الاحتلال من جهة ومشروع العراق شعباً وأرضاً من جهة أخرى.
|
|
|
|
وها قد رأى أبناؤنا رأي العين كيف أن طائفة الاحتلال توحدت وصوتت لسيدها المحتل وثبتت رغبته بما يريد وما أمر في السابق ويأمر اليوم، بحيث لم يتحمل رئيس الاحتلال الراحل عن كرسيه لحظة واحدة صبراً على تهنئة غلمانه على الانجاز الجديد!
فهل نعي أن مشروع الشعب لا ينجح إلا حين ننفض عن أنفسنا غبار الطائفية التي تعشعش في ثنايا النفوس وتظهر في السطور والتصرفات وربما التعليقات التي يكتبها حتى من يدعي الوطنية والعراقية من بيننا.
ألا نرى كيف أن المحتل ومرتزقته الذين قبلوا به سيداً وقيماً عليهم يعملون على تمزيق البلاد وتنفيذ مشروع الاحتلال بمختلف السبل ومنها هذه الاتفاقية الأمنية؟
واحد يساهم في فرضها، والثاني في تمريرها، والآخر في تسويقها! وكلهم في حقيقة الأمر طائفة واحدة ودورهم واحد في أن ينفذوا مشروع الاحتلال!
|
|
في كل السطور التي كتبناها في هذه السلسلة وما سبقها من كتابات، إنما كنا وسنبقى نوضح لأبنائنا كيف أن هذا المشروع ومن ضمنه هذه الاتفاقية الأمنية تمس حياة ومصير ولقمة عيش كل واحد من أبناء شعبنا. وبقدر ما نعجل بالتوحد في مشروع العراق الواحد أسرع، كلما قللنا التضحيات التي نقدمها، وسوف تزداد هذه التضحيات كلما تأخرنا في مشروعنا. أما مشروع الاحتلال فهو ماض في طريقه وهدفه وطننا واستعبادنا، ووسيلته تمزيقنا وتفريقنا.
مادة الولاية القضائية ستكون موضوع مقالنا القادم عن نصوص الاتفاقية الأمنية، وهو ما سوف يمس مباشرة حياة وأرزاق آحاد أبناء شعبنا العراقي في الدماء التي سقطت وستسقط، والأنفس التي أزهقت وسوف تزهق، والأعراض التي استبيحت والدور التي هدمت وسوف تهدم بفعل الاحتلال على مدى سنيه البغيضة في السابق، والانتداب وسلطة المرتزقة فيما يأتي من الزمن، أو...يتحمل شعبنا مسؤوليته مع قواه الوطنية.
وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً
محمد حسن الخالصي
29 ذو القعدة 1429
27 تشرين الثاني 2008