مرتكبو تفجيرات أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) بين الأمس واليوم

 

ككل عام تنطلق جموع الزائرين بالقلوب الوالهة العاشقة إلى عبير كربلاء، لتستنشق عبق الذكرى ورحيق الشهادة...وتجدد البيعة مع نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المذبح الذي أريق فيه دم ريحانته وسبطه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وهو يدافع دين الإسلام، ويرسم بدمه القاني خطاً واضحاً بين الحق والباطل...بين الحقيقة الناصعة للإسلام والانحراف الخبيث الذي أراد أن يعيد المسلمين إلى زمن الجاهلية تحت ستارٍ إسلامي كاذب.

 ولعظم التضحية وأهلها فقد بقى هذا الخط الأحمر القاني على مدى الدهر وسيبقى إلى يوم القيامة يفرق بين الحق والباطل.

وإذا كانت الملايين قد وفقت لهذه المسيرة الكبرى إلى كربلاء، فإن أضعافها قد رحلت بقلوبها إلى أجواء كربلاء من أقطار الأرض تتنشق معنى التضحية في سبيل الله، لأن هذه التضحية تسمي الطغاة باسمهم وإن اختلفت لبوسهم.... بل وحتى إذا ما لبسوا ثياب المدافعين عن ثورة الحسين عليه السلام.

 

مع بداية المسيرة الكبرى لهذا العام امتدت يد الآثمين لتطال الزائرين، في بداية الأمر شهداء ومجروحين في منطقة البياع، ثم ليسقط شهداء آخرون وجرحى في كربلاء نفسها وبعدها قافلة أخرى من عشرات الشهداء والجرحى في بلدة المسيب في الطريق إلى كربلاء. وفي كل هذه الأحداث والجرائم تخرج نفس القصة حول التفجير الانتحاري الذي يستهدف الزائرين الأبرياء: رجل أو امرأة يرتدي حزاماً ناسفاً يتقدم حيث الزائرين ويفجر نفسه بين الجموع، مع اختلاف بسيط بين القصة والأخرى!! مرة الحزام تحت العباءة والأخرى تحت الجلباب... وما إلى ذلك.

 

مع أول تفجير من هذا النوع حدث في الكاظمية عام 2004 وفي ذكرى عاشوراء الشهادة أصدرت جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي رؤيتها لهذه الأحداث في بيان واضح أشار إلى اليد الحقيقية والمسبب الرئيس لهذه الجرائم والمستفيد منها.

لم تخدعنا الشعارات التي وضعت لتبرير هذه الجرائم، ولا الجهات التي كانت تصدر البيانات وأحياناً الفتاوى الصلفة في وصف هذه الجرائم بالجهاد، بل أشرنا وقتها ومنذ اليوم الأول لبدايتها إلى الاحتلال باعتباره الحاضنة الطبيعية لها والمسبب الأول لوجودها والمستفيد في نهاية المطاف منها.

بينما وفي دفاع مستميت عن الاحتلال انطلقت يومها أصوات مأجورة من مرتزقة الكلمة إضافة إلى بعض المخدوعين الذين سكتوا وصمتوا بعد أن تكشفت الأمور سكوت الأموات، انطلقت بالسباب والشتائم والتحريض ضد كل من يقول أن هذه الجرائم هي من صنع الاحتلال. لم نتعجب وقتها أن نرى منابر إعلامية جديدة تمارس السب والشتم لأنها في الأصل حين تدافع عن الاحتلال وعدم علاقته بهذه التفجيرات الإجرامية، هي إنما تدافع عن نفسها وعن ارتباطها بالمحتلين. كما لم يخدعنا في نفس الوقت أي من الذين كانوا يمارسون هذا الإجرام بالبيانات التي يصدرونها ويتبنون الجريمة ضد الزائرين الأبرياء باعتبارها جهاداً!! فأشرنا وقتها أنهم يد الاحتلال بأجندته التقسيمية كما يخدمه المرتبطون به أفراداً وأحزاباً بأجندته التشريعية.

أقول لم نتعجب من أولئك ولم نخدع بهؤلاء، ولكن العجيب عندنا كان إصرار الأحزاب والاتجاهات المرتبطة بالاحتلال على تبرئة مرتكبي هذه التفجيرات الإجرامية من الارتباط بالمحتلين بأجندة وتنظيم سريين محكمين. كانوا مستميتين في إثبات أن هذه المجاميع التي تتحدث عن قتل طائفة من المسلمين باعتباره إحياء لسنة (لعن الله من سنها وأحياها) غير مرتبطة بالاحتلال!!.

 اليوم أصبح الوضع مختلفاً....فقد توضح حتى للمخدوعين بأن المحتل هو صاحب المصلحة الأولى من هذه التفجيرات والجرائم، وأكتشف المواطن العراقي أن توقيتها يأتي مع حاجة المحتلين لتنفيذ ابتزاز سياسي أو مالي أو عسكري.

كما اكتشف الاحتلال نفسه أن لغة البيانات التي كان يصدرها باسم هذه المجاميع الطائفية في تبني الجرائم قد أكل عليها الدهر وشرب، وأنها أدت إلى يُتم أصحاب الخطاب الطائفي التحريضي على مدى العالم الإسلامي رغم الميزانيات المالية الهائلة التي رصدت لتأسيس فضائيات ومواقع الكترونية على شبكة الانترنت لا هم لها ولا مهمة إلا ممارسة هذا الخطاب التحريضي لإشعال الفتنة الطائفية، فصارت الجرائم ترتكب ولا بيانات تصدر لتبنيها، كما حدث في الجرائم الأخيرة وما سبقها لعامين متتاليين، لأن الاحتلال وإدارته قد خسرا المعركة على طول الأمة الإسلامية وعرضها بتصاعد أصوات الرفض والاستنكار لهذه الجرائم التي صارت ممجوجة ومكروهة وتثير التقزز في كل مكان.

 

اليوم ومع الوعي الذي تصاعد لحقيقة هذه الجرائم التي يديرها وينفذها الاحتلال عبر مرتزقته (مهما كان لبوسهم وخطابهم) لابد من النظر لعملية التخادم التي جرت بين أصحاب الخطاب الطائفي من الجهتين اللتين أرادهما المحتل مادة لحربه الطائفية التي أراد إشعالها.

كان كل طائفي بحاجة لجرائم الطرف الآخر ليثبت صحة مدعياته وليدفع المزيد من الناس إلى محرقته!! بينما الاحتلال يدير الأمرين معاً من وراء الكواليس.

كان الطائفي من هذه الجهة بحاجة إلى عملية تفجير بعمال فقراء في مسطر لجمعهم للعمل بالأجرة اليومية، أو في مراسم زيارة سنوية ليثبت لطائفته أن عليهم الاحتشاد خلفه ليكسر أنف الطائفة الأخرى!

وبنفس الطريقة ولنفس الأهداف كان الطائفي من الجهة الأخرى بحاجة إلى عمليات التعذيب والقتل والاغتيال باللباس الرسمي كي يثبت لطائفته أن عليها الاحتشاد خلفه لينتزع حقها من الطائفة الأخرى!

وفي كلتي الحالتين، كان على الجرائم أن تكون من البشاعة واللؤم القسوة بحيث تحرك الشارع وتثير المشاعر إلى أن وصلنا إلى جريمة تفجير قبة المرقدين المطهرين للإمامين العسكريين في سامراء والتي أريد منها أن تمزق كل آصرة بين أبناء العراق على أسس طائفية مذهبية.

 

تبارت وسائل الإعلام الجديدة في استثمار هذه الجرائم، وكل ينسب الخير كله لنفسه والشر كله للآخر، وكلهم شر بحق المواطن العراقي، والخير في وحدة العراقيين وليس فرقتهم.

صارت وسائل الإعلام الجديدة وعبر مرتزقة الكلمة والقلم تكتب علناً بأن الوحدة الوطنية هي مجرد خرافة، وأن الوحدة الإسلامية هي مجرد وهم!

 

وها نحن بعد ما يقرب من الست سنواتٍ من عمر الاحتلال نرى الكثيرين يعودون لما وضحنا ووضح الوطنيون الصالحون منذ البداية: أن المحاصصة الطائفية ليست سوى السم الذي يراد به قتل العراق وطناً وشعباً، وأن هذه المحاصصة الطائفية هي مقدمة لتثبيت الطائفية السياسية الكفيلة بشلل البلاد من كل النواحي، وأن لا سبيل لنا سوى الوحدة الوطنية ولا طريق سالك أمامنا سوى الوحدة الإسلامية، وأن شياطين الطائفية من أي جهة كانوا ليسوا سوى خدم المحتل وأيتامه. وأن كلما يصيب الشعب العراقي من مكروه هو من الاحتلال، وكل ما يصيب الاحتلال هو من الشعب العراقي.

 

ومع الجرائم الأخيرة التي ارتكبت بحق الزائرين في ذكرى الأربعين، صار واضحاً أن الشعب العراقي قد وعى الدرس وفهم أن من يوظف هذه الجرائم في مكانها وزمانها وأهدافها إنما هو الاحتلال ومن ربط مصيره به. فهو المستفيد منها جهة بقاءه في البلاد، كما بقاء مرتزقته بعد تغيير أسماءهم!!، وأن خدم المحتلين هم المستفيدون أيضاً من هذه الجرائم جهة إقناع الاحتلال البقاء والرعب الذي ينتابهم من مغادرته البلاد.

ولابد من النظر إلى معسكر الاحتلال نفسه الذي يعيش أزمة بين معسكرين في داخله: أحدهما يريد الاقتصار على قاعدة واحدة في غرب البلاد لحماية إسرائيل من جهة، ومعسكر يريد البقاء بثقله العسكري الكامل ليحمي نفوذه الذي جسدته سفارته ذات الثلاثة آلاف موظف في وسط بغداد من جهة أخرى. هذا الصراع في داخل معسكر الاحتلال ينزف دماً عراقياً على ارض البلاد، لأن تفعيل عمل المرتزقة (بمختلف لبوسهم) لارتكاب التفجيرات ومنها بالشكل الانتحاري ظاهراً هو الوسيلة لترجيح هذا الرأي على غيره بين المحتلين!!

 

على هذا فوجود الاحتلال بأي شكل كان هو شر مطلق للعراق والعراقيين، وأن من يريد تغيير شكله فقط وإبقاء مضمونه إنما يستغفل العراقيين لإدامة الاحتلال وإبقاء شر مرتزقته وجرائمه بحق البلاد وأهلها.

 

هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ

 

محمد حسن الخالصي

العشرين من صفر 1430

16 شباط 2009