بسم الله الرحمن الرحيم

مياه العراق لا بواكي لها
أتقدم في بداية الموضوع بالشكر الجزيل للسيد قاسم سرحان المحترم الذي تفضل بالسؤال عن هذا الموضوع الهام والخطير عن الحال الذي آلت إليه الموارد المائية في وطننا وخصوصاً نهري دجلة والفرات وروافدهما المهددة بالتجفيف وما يعني ذلك من آثار خطيرة على جميع المستويات في العراق. وستكون هذه المقالة فصلاً في كتاب سيصدره السيد سرحان عن مياه العراق وواقعها الحالي والمستقبلي.
المقدمة:
لم تعد كارثة المياه في وطننا شأنَ خبراءَ موارد، بل هي شأن عام تطال آثاره البشر والزرع والدواب والبيئة وحياة جميع المواطنين على حد سواء.
فحين يجري الحديث عن
الموارد الطبيعية وطرق استثمارها وأهمها المياه التي جعل الله تعالى كل شيء حي
منها، فإن خبراء الموارد هم فرسان الميدان، فالرأي رأيهم والمشورة مشورتهم، ومن
حقهم أن يعطوا آرائهم بشأن موارد بلادهم لأنها شأنهم قبل غيرهم، بل ومن واجبهم أن
ينبهوا مواطنيهم إلى حال مواردهم التي هي جزء من المال العام والثروة الوطنية، لأنه
واجبهم قبل غيرهم.
ولكن حين نصل مرحلة الجفاف والعطش وموت المزارع والثروة الحيوانية بسبب الهدر والإهمال التاريخي داخلياً لهذا المورد الحياتي أولاً، والظلم الواقع على البلاد من قبل الجيران والأخوة ثانياً، والضعف والخور الحالي مضافاً للإهمال والتسيب التاريخي من قبل السلطة السابقة والحالية، أقول في ظل هذه الظروف فإن مسألة المياه كمورد حياتي وأساسي يمس حياة المواطن العراقي بشكل خطير يومياً لم تعد شأناً لخبراء الموارد المائية وأجهزة الدولة المسؤولة عنها فقط، بل هي شأن عام أصبح يطال الجميع كباراً وصغاراً، وأصبح يطال الزراعة المدمرة أصلاً والوضع البيئي المتدهور وبالتالي الصحي العام، ويطال الثروة الحيوانية ومصدر رزق الكثيرين في ظل تسيب السلطة وإهمالها لأجهزة الدولة بسبب الانشغال بالحفاظ على الكراسي والمواقع الحكومية والكيد بين أحزاب هذه السلطة لبعضهم البعض إلى درجة السكوت على التعديات التي تحصل كل يوم على حقوق العراق المائية، والتضحية بحقوق البلاد والمواطن من أجل كسب ود ورضا هذا الطرف الإقليمي أو ذاك، لذلك علينا جميعاً أن نعمل كل ما بوسعنا من أجل إعطاءها البعد الوطني الواقعي لها وبالتالي المساهمة ولو بكلمة وكل حسب طاقته في إيجاد الحلول لهذه القضية الخطيرة.
اتفاقيات تحكمها القوة:
لا تشفع أي اتفاقية لضعيف....ولم تنفع أي اتفاقية دولية بلداً محتلاً، حتى وإن احتلته أعظم قوة في عالم اليوم كما هو حال العراق...فكما أن شؤونه ليست بيده، فكذلك موارده تصبح مالاً سائباً يتلاقفها هذا وذاك!
تجري الأنهار في كل أرجاء المعمورة بين دول متعددة، فكما يجري نهرا دجلة والفرات بين تركيا والعراق وسوريا، وتجري روافدهما في هذه الأقطار إضافة لإيران، كذلك تجري الأنهار بين لبنان وسوريا وتركيا، وتجري بين بلدان وسط أفريقيا والسودان ومصر، وكذلك تجري بين دول اوربا كأنهار الدانوب والراين والسين، وتجري بين كندا والولايات المتحدة وتجري بين دول أمريكا الجنوبية، كما بين دول شرق آسيا. إلا أن التعدي على حقوق العراق المائية كان دائماً على مر السنوات الثلاثين الماضية في حوضي نهري دجلة والفرات أمراً متكرراً تغذيه علاقات العراق السيئة مع جيرانه.
فكما كانت حالة العداء والقطيعة وأحياناً الحروب تكتنف حال علاقات النظام مع كل من إيران وسوريا، ما جعل إيران مرتاحة لقطع الأنهر الواحدة تلو الأخرى عن العراق فلا حال أسوأ من حالة الحرب، فإن حالة التنازل لابتزاز تركيا في ظل أنظمتها العلمانية اللاهثة وراء أوربا كانت هي السمة البارزة للعلاقة مع هذه الجارة الشمالية التي ينبع كلا النهرين من أراضيها حسب التقسيم الاستعماري البريطاني الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى.
لم تلتزم تركيا بشكل ثابت بأي من اتفاقياتها المائية مع العراق إضافة إلى مخالفتها لاتفاقيات المبادئ العامة لحقوق البلدان أسفل الأنهار عند المصبات، بل كانت توقع الاتفاقية التي تتماشى مع حاجتها الآنية وتحضر لمرحلة مقبلة لقضم المزيد من الحقوق المائية العراقية حسب المشاريع المخطط له، فقد تنكرت تركيا في كل مرحلة لمختلف المعاهدات والاتفاقيات التي وقعتها في حينها وهي معاهدات لوزان 1920 ومعاهدة باريس 1920، كما خالفت تركيا معاهدة أنقرة التي عقدت في عاصمتها وبرعايتها عام 1921، وتنكرت لتعهداتها المائية في النهرين الموقعة بين العراق وتركيا ضمن معاهدة الصداقة وحسن الجوار عام 1946، وما أعقبتها من اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والفني عام 1971 وبروتوكول عام 1980 بين العراق وتركيا والذي انضمت له سوريا عام 1983 ومن بعده بروتوكول عام 1987 بين تركيا وسوريا والذي أعقبه الاتفاق العراقي السوري بشأن المياه عام 1989.
بقيت تركيا وعبر عشرات السنين تعتبر أن النهرين هما نهران وطنيان، وأن مياههما عابرة للحدود ولها الحق بالتصرف بمياههما كما تشاء، وطبقاً لذلك فأن العراق وسوريا هما مجرد "جارور" للتخلص من المياه التي لا تعرف تركيا ما تعمل بها، وإذا ما تركت شيئاً من المياه يعبر الحدود حسب أي اتفاقية فهو تضحية منها وليس واجباً عليها.
لم تقبل تركيا أياً من المفاهيم الدولية الجديدة لمياه الأنهار في الدول المتشاطئة ومنها:
· مبدأ الوحدة الإقليمية المطلق للحوض المائي والذي يقول أن مجرى النهر من منبعه إلى مصبه هو وحدة إقليمية واحدة ولابد من الحفاظ على معدل التدفق مع إنشاء المشاريع
· ثم المبدأ الآخر والذي يعرف باسم مبدأ الانتفاع المشترك القائل أن المجرى المائي من المنبع إلى المصب هو ملكية مشتركة بين البلدان المتشاطئة وبالتالي عليها الإنفاق على أي مشروع يقع على الحوض في أي قسم فيه
· ومن بعده مبدأ المنافع المتوازية لدول الحوض المائي والذي يعطي الحق لكل دولة من الحوض في طريقة الانتفاع بالمياه دون الإضرار بمصالح الدول الأخرى أو منع الجريان أو تحويل المجرى كما فعلت إيران مع نهر الكارون حين حولت مؤخراً معظم مياهه وأدت إلى ارتفاع نسبة التلوث وانخفاض مناسيب مياه شط العرب وبالتالي دخول مياه الخليج العربي المالحة إلى حدود البصرة.
مشروع شرق الأنضول وكارثة الفرات:
كل المشاريع التي طرحتها تركيا مع بعض الدول العربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، سواء التي نفذت أو لم تنفذ لحد الآن، كانت على حساب التدفق المائي لمياه نهري دجلة والفرات إلى العراق باعتباره دولة المصب وتعتمد زراعتنا على النهرين بشكل أساسي. كما أن المشروع الذي طرحته إيران على كل من الكويت وقطر تحت اسم (مياه الإيمان) لبيع المياه العذبة عبر أنبوب تحت الخليج العربي يأتي على حساب المياه المقطوعة عن العراق في الأنهر المشتركة والتي تنبع من إيران وتصب في العراق وخاصة نهر الكارون.
تعمل
تركيا على بناء 21 سداً على نهري دجلة والفرات وروافدهما الأصلية عند المنابع ضمن
مشروع يعرف باسم " مشروع جنوب شرق الأنضول - الكاب" ويحتوي المشروع على نفق ينقل
المياه بين النهرين. وسوف تكون نتيجة هذا المشروع على العراق كارثية بسبب الحبس
المتوقع للمياه من أجل الاستثمار في تركيا وتوليد الطاقة الكهربائية دون الالتفات
إلى حجم الأضرار التي تصيب الفلاحين والمزارعين العراقيين، إضافة إلى البيئة والوضع
الصحي العام.
تتناقص معدلات المياه باستمرار في نهر الفرات من عام إلى عام، فعلى سبيل المثال تعطلت هذه السنة 2009 العديد من مشاريع تصفية مياه الشرب في محافظة النجف الأشرف والقرى والبلدات على طول النهر إلى محافظة ذي قار جنوباً، هذا إضافة إلى شحة المياه اللازمة للزراعة حيث تظاهر الفلاحون في محافظة النجف للمطالبة بحل أزمتهم، كما تعطلت معظم وحدات إنتاج الطاقة الكهربائية في محطة الناصرية في محافظة ذي قار وهي من أكبر محطات إنتاج ما تبقى من الكهرباء في العراق بسبب انخفاض مستويات نهر الفرات في المحافظة.
كما أن انحسار الأراضي الزراعية وتحولها إلى مناطق جرداء يتزايد كل عام بدءً من محافظة الأنبار وإلى منطقة سوق الشيوخ في جنوبي البلاد. أما القرارات الحكومية التي تدير أجهزة الدولة فجاءت للتعايش مع الأزمة لا أكثر، مثل منع زراعة محاصيل غير المحاصيل (الإستراتيجية) كالأرز والذرة وعباد الشمس والقطن والخضراوات.
يقدم الخبراء في مجال المياه أرقاماً محددة وهي أن حصة العراق حسب آخر اتفاقية هي 44 مليار متر مكعب من مياه نهر الفرات، ولا تصل منها سوى 25 مليار متر مكعب الآن. وتخسر البلاد 26 ألف دونم من الأراضي الزراعية مع انحسار كل مليار متر مكعب من مياه الفرات وحده. كما أن خسارة نسبة 40% من الأراضي الزراعية سينسب إلى ارتفاع الملوحة في مياه الفرات والتي تتسبب بها رداءة نوعية المياه المرسلة إلى العراق.
ومع تزايد السدود في تركيا سوف تتناقص كميات المياه المتدفقة إلى العراق، ومعها ستنحسر الأراضي الزراعية أكثر فأكثر وسوف يؤثر ذلك على حياة السكان وأولى نتائجه هي الهجرة الداخلية وتبدل أنماط المعيشة، ولن تبقى دول الجوار بمنأى عن آثار هذا التبدل الطارئ والذي قد لا يعرف بأي اتجاه يسير، ناهيك عن الوضع البيئي وانتشار الأمراض بسبب الشحة في المياه الصالحة.
كارثة نهر دجلة القادمة أكبر من كارثة الفرات:
تذكر
المصادر الإعلامية أن حالة نهر دجلة في العراق معافى أكثر من نهر الفرات، والحقيقة
أن كارثة نهر دجلة القادمة هي أعظم وأكبر من نهر الفرات بسبب دولتين مجاورتين وليس
دولة واحدة.
لنهر دجلة أربعة روافد داخل العراق وهي نهر الزاب الأعلى ونهر الزاب الأسفل ونهر العظيم ونهر ديالى، والعديد من منابع هذه الروافد تقع في إيران. على أن هذه الأنهر الأربعة ليست الوحيدة التي تنبع من إيران وتتجه باتجاه العراق أو تصب في نهر دجلة أو شط العرب.
من ناحية تركيا فإن مشروعها لنهر دجلة يكمن في سد "أليسو" الضخم والذي سوف يفوق حجمه حجم سد أتاتورك وسيغرق مدينة تركية تاريخية هي مدينة "حسن كيف" وسعته 10.4 مليار متر مكعب من المياه العذبة وعرض السد نفسه 2 كيلو متر ما يعني أنه من أكبر السدود في العالم، أما بحيرته فمهولة الحجم وستحبس المياه بنسبة هائلة عن العراق فقط، وتهدف تركيا إلى توليد الطاقة الكهربائية التي ستبيعها إلى العراق ودول أخرى، وكذلك تطوير الزراعة والبزل ورفع حياة السكان في تلك المنطقة من تركيا عبر صناعات مختلفة في منطقة السد، وبالمقابل تقوم بضخ مياه البزل المالحة لما بعد السد لتكون جزءً من المياه المتدفقة إلى العراق كما يقول الخبراء في المياه.
سيكتمل السد في عام 2013 ومن أجل ملأه سيقضى على ثلث الأراضي الزراعية في العراق البالغة أربعة ملايين دونم كما يقول تقرير مجلة المعرفة الذي أعده خبراء في المياه، وسيحرم الملايين من الفلاحين من مصادر رزقهم وسيدفعهم في أحسن الأحوال إلى الهجرة وترك مهنة الزراعة المنتجة إلى مهن الوظائف في المدن في كل أنحاء العراق، شمالاً ووسطاً وجنوباً.
تتحدث تقارير أخرى عن آثار
سدود تركيا الـ(21) وسد أليسو على وجه الخصوص على سكان حوض دجلة في العراق بأن خمسة
محافظات بمراكزها أقضيتها ونواحيها ستتأثر بشكل مباشر وسوف تسبب نزوحاً عشوائياً من
المناطق المتضررة، كما ستغير من أساليب المعيشة وتسبب انخفاض الإنتاج الزراعي
وتتطلب الاستيراد أكثر فأكثر وتزيد من رقعة الجفاف.
أما تأثيره على الوضع البيئي فهو كارثة بحد ذاته لأن خزن المياه في السد ستقلل من كميات مياه الشرب الصالحة، أما معدلات التلوث فسترتفع إلى أعلى من قدرات البلاد على منعها، وستكون أبرز أسبابه هو ضخ مياه البزل لإكمال حصة العراق من المياه وكذلك احتوائها على نسب عالية من المواد الكيميائية والأسمدة التي سوف يستعملها المزارعون في تركيا. ويقدر أن هذا التلوث سوف يؤدي إلى ظهور العديد من الأمراض الوبائية الخطرة وخصوصاً المعدية منها مثل الطاعون والكوليرا والتيفوئيد والملاريا.
لابد من القول أن حالة التلوث سوف تتعدى قدرة البلاد على مواجهتها مع حالة الفيتو الذي فرضته سلطات الاحتلال الأمريكي المتنفذة في العراق بشأن منع مراكز الأبحاث العلمية العراقية من إقامة البحوث الكيميائية ومنها كيفية مقاومة التلوث، باعتبارها علوم خطرة على المجتمع الدولي إذا ما أجريت في العراق نتيجة بقاء العراق تحت الوصاية الدولية والتي لا تعني سوى الوصاية الأمريكية. ومن الخطوات التي تستعملها سلطة الاحتلال الأمريكي في منع البلاد من البحث العلمي لمكافحة التلوث إفراغه من كفاءاته العلمية عبر برنامج الحفاظ على علماء العراق المرتبط بسلطة الاحتلال حيث تقوم هذه السلطة بتشجيع الكفاءات العراقية على الهجرة وتوفير فرص العمل الآمنة لهم خارج البلاد بعد أن جرت عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية للكثير من هذه الكفاءات على يد المرتزقة أو الميليشيات التي ترتبط بأحزاب السلطة أو التي جاءت إلى البلاد تحت مختلف المسميات تعيث به إرهاباً إكمالاً لأجندة الاحتلال، وفي هذا الصدد يمكن مراجعة الموقع الرسمي لقوات الاحتلال تحت اسم شركاء العراق ( شركاء ويا للسخرية!!) ليرى القارئ الكريم بأم عينه برنامج إفراغ العراق من كفاءاته بعد إرعابها وإرهابها.
ويجدر بالذكر أن الإدارة الأمريكية المتعاقبة ترى أن التلوث البيئي وما ينتج عنه من آثار صحية مدمرة على حياة السكان من وفيات في سن مبكرة وتشوهات المواليد يعتبر ثمناً مقبولاً في مقابل شعور هذه الإدارات بالراحة الأمنية نتيجة ذلك.
بقي
أمر قبل الأخير ولابد من ذكره حول المشاريع التركية وهو أنها تقع ضمن منطقة زلزالية
نشطة جداً وإن انهيار أحد هذه السدود مع كميات المياه الهائلة التي تخزنها ستكتسح
المدن العراقية التي تقع على مسيرها، وكل هذا يمكن أن يحدث مع افتقاد العراق إلى
الآلية التي يجبر فيها جارتنا تركياً على تحمل مسؤوليتها في حال حدوث الكارثة
ونتيجة الضعف الواضح للإدارات العراقية بخوض الحروب العبثية قبل الاحتلال الأمريكي
والخضوع المطلق للاحتلال الأمريكي وفقدان الاحترام للسلطة العراقية إقليميا بعد
الاحتلال باعتبارها سلطة لا تملك مقدراتها ولا تدير البلاد حقاً.
الأمر الأخير حول دور تركيا في كارثة دجلة القادمة يكمن في أن سد أليسو ليس الوحيد الذي تعمل جارتنا تركيا على إقامته...بل هنالك سد أكبر منه هو سد " أليسو- جزرة" والذي في حالة إنشائه فإن معدلات الجفاف وفقدان الأراضي الزراعية والبطالة والهجرة والتلوث سوف تزداد وتيرتها بأسرع من المعدلات التي تحدثنا عنها....فلينظر أولو الألباب.
أما دور جارتنا إيران في كارثة دجلة فلا يعد قليلاً أيضاً وقد بدأت منذ أيام نظام الشاه السابق الذي كانت علاقته مع مختلف الأنظمة في العراق حالة متوترة بدرجة أو بأخرى. كانت عملية الاستفادة من بعض الأحزاب الكردية وخصوصاً الانفصالية منها والتي تحضا حتى اليوم بالدعم الأمريكي والإسرائيلي، كانت هي الأداة التي استعملها شاه إيران السابق في إركاع النظام العراقي يومها أيام حكومة حزب البعث في العراق، وتتوجت حرب هذه الأحزاب بدعم شاه إيران السابق إلى اتفاقية عام 1975 التي وقعها نائب الرئيس العراقي يومها صدام حسين مع الشاه الإيراني السابق في الجزائر والتي أعيد عبرها رسم الحدود لتصب في مصلحة إيران وتم تعيين خط العمق معياراً للحدود في شط العرب.
ونتيجة لهذا الاتفاق فقد تم قطع الإمدادات على هذه الأحزاب الانفصالية بعد أن استنفذت فائدتها لنظام الشاه السابق، وليستسلم مقاتلوها إلى الجيش العراقي يومها ويلجأ قادة هذه الأحزاب إلى إيران في صفقة بين النظامين يومها. ومن جهته كانت خطوة نظام صدام حسين السابق واضحة في التلاعب بمقدرات البلاد حفاظاً على وجوده واستعداده للتنازل عن أي شيء مقابل الحفاظ على كرسيه وهيمنته. أما الأحزاب الانفصالية في شمالي البلاد فإن حربها بينت سهولة استدراجها واستخدامها من قبل أي طرف إقليمي أو دولي لتعيره خدماتها ودماء وأرزاق المواطنين من الفلاحين والمزارعين في شمال الوطن خدمة لمصلحتها الحزبية وتفضيلها لهذه المصلحة على مصلحة البلاد والشعب بما فيها أبنائنا الكرد في شمال الوطن.
عمدت
إيران منذ أيام الشاه السابق ومنذ العام 1953 إلى تحويل مجاري الأنهار التي تتجه
إلى الأراضي العراقية، ويذكر الخبراء 18 نهراً صغيراً وكبيراً قامت إيران ومنذ عام
1953 بتحويل مياهها كلياً أو جزئياً عن الدخول إلى الأراضي العراقية. وتقدر كمية
المياه التي قامت إيران بحرمان العراق منها بـ 7 مليارات متر مكعب في العام أدت إلى
هلاك الكثير من البساتين والحقول خصوصا في مناطق شرق محافظات ديالى و واسط و ميسان،
إضافة إلى الهجرة القسرية للسكان من أراضيهم نتيجة لذلك.
أما المشاريع الإيرانية المقامة على نهري كرخة والكارون فقد أدت إلى التأثير على مستويات ونوعية المياه القادمة إلى هور الحويزة وشط العرب. إلا أن المشاريع التي أنشأتها إيران مؤخراً وقامت بتحويل مسار نهر الكارون بشكل شبه كلي من شط العرب قد أدت إلى أضرار كبيرة من ناحية حجم المياه المتدفقة ونوعيتها وستنجم عنها نتائج خطيرة على المستوى الزراعي والبيئي في محافظة البصرة.
تعتمد مزارع البصرة على ضفتي النهر على نظام إروائي قديم يعتمد اختلاف مناسيب المياه بين المد والجزر في الخليج العربي، ففي حالة المد تدخل المياه المالحة من الخليج العربي إلى مصب نهر شط العرب وتشكل حاجراً طبيعياً أمام تدفق المياه العذبة ويعرف باسم البرزخ البحري، فترتفع في عموم النهر إلى أعاليه وتصبح ضمن ارتفاع الجداول الفرعية التي تروي البساتين والحقول وخصوصاً بساتين النخيل في المحافظة دون الحاجة إلى مضخات. أما المدى الذي تدخله المياه المالحة فيتوقف على مستوى المياه العذبة في النهر لأن مستوى مياه الخليج العربي ثابت على مستوييه في حالتي المد والجزر. فعند بقاء مناسيب مياه شط العرب على مستوياتها القديمة فإن دخول المياه المالحة سيقتصر على المصب وبضعة كيلومترات في داخله وهي منطقة تكثر فيها أسماك خاصة تعيش بين هذين النوعين من المياه، ولكن حين تنخفض مناسيب مياه شط العرب بسبب القطع مثلاً في الفرات من ناحية تركيا والكارون من ناحية إيران فإن المياه المالحة ستدخل إلى مسافات أبعد لتحصل حالة التوازن في ارتفاع المياه، وتعتبر المنطقة التي تدخل إليها المياه المالحة منطقة محروقة زراعياً إذ لا يمكن إرواء البساتين والمزارع بالمياه المالحة.
لقد عمدت إيران إلى تحويل المياه من شط العرب إلى (نهر بهمنشير) والأنهر الفرعية الأخرى وشق القنوات الإروائية التي تعمل بنفس طريقة شط العرب، وبذلك حرمت إيران سكان العراق في البصرة من المياه وطرقهم الإروائية والذين لا يختلفون عن إخوانهم على الضفة الأخرى للنهر في أي شيء.
تخالف هذه الخطوة مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكام المياه في منع الفائض منها وحُرمة حرمان الناس من نعمتها وتدفق أنهارها، وكان الفقه الإسلامي واضحاً في تعيين مقدار الحبس المسموح به وعدم الإضرار بالمسلمين وأحكام تغير المجرى الذي يبدأ بالحرمة ويتفرع منها.

يسوق البعض إلى أن الإيرانيين أنفسهم بحاجة إلى المياه التي يحتاجها العراقيون كذلك، إلا أن المقترح بإقامة المشروع المشترك بين إيران والكويت وقطر بنقل المياه العذبة عبر أنابيب ضخمة تحت الخليج العربي، كما ذكر خبير المياه صاحب الربيعي، ضمن مشروع "مياه الإيمان" ينفي السبب المسوق لحرمان العراقيين من المياه لحاجة الإيرانيين، وإنما يطرح مسألة الربح والكسب الاقتصادي وهي مسألة لا أخلاقية من الناحيتين الشرعية والقانونية. ويقول الخبراء أن كلفة المشروع على الجانب الكويتي هي 1.5 مليار دولار، وكلفته على الجانب القطري 15 مليار دولار.
أما فيما يخص أنهار المنطقة الشمالية والتي تغذي روافد دجلة التي تتواجد بعضها في الأراضي الإيرانية، فإن جارتنا الشرقية حذت حذو جارتنا الشمالية منذ أيام نظام الشاه السابق واستمرت هذه الممارسات في العهد الإسلامي الحالي مع شديد الأسف في حبس المياه من خلال السدود والسماح بتدفق المياه ذات النوعية المتدنية واستعمال مجرى الأنهار كجارور لتصريف المياه الملوثة التي تضاف إلى المياه المتدفقة إلى العراق.
قامت إيران في السنوات الأخيرة ومع بروز ظاهرة سيطرة الميليشيات الانفصالية على مقدرات المنطقة الشمالية و تنامي النفوذ الإسرائيلي وظهور إمكانية تجزئة الوطن العراقي وتقسيمه إلى إجراءات وقائية من جانبها في تحويل مجاري الأنهار بشكل كلي عن المنطقة الحدودية لتصاب القرى في منطقة الحدود بالجفاف وهو ما أدى بشكل طبيعي إلى الهجرة عن هذه المناطق إلى داخل الأراضي الإيرانية ولتصبح مناطق عازلة تحول دون وصول الإمدادات إلى الجماعات الانفصالية في إيران بعد الدرس العراقي القاسي.
ومن الأنهر التي قطعت إيران مياهها بشكل كامل عن العراق هو نهر ألوند الذي يغذي قرى قضاء خانقين في محافظة ديالى، ولا يملك الأهالي سوى التظاهر عند المعبر الحدودي للطلب من السلطات الإيرانية فتح الماء!
ومن أجل إعطاء الذريعة أكثر للجانب الإيراني بالمضي قدماً في قطع المياه تقوم سلطات الأحزاب العنصرية في شمالي العراق بالحملات الدعائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع في أحقية أحزابهم العنصرية بمياه نهر ألوند من المنبع إلى النهاية مشيرين إلى نياتهم بتقسيم إيران نفسها وأخذ حصة منها لهم! في موقف لا مسؤول ويستغل أبشع استغلال عطش المزارع في قضاء خانقين في محافظة ديالى العراقية ويعطي كامل الذريعة للجانب الإيراني كي يجفف قرى الحدود على الجانبين طالما أن حكومة بغداد عاجزة عن الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية من جهة وطمأنة الإيرانيين إلى عدم السماح باستخدام أراضي العراق للإضرار بوحدة التراب الوطني لدول الجوار من جهة أخرى. ويكفي النظر إلى ما كتب في موسوعة ويكيبيديا عن نهر ألوند بقلم من هذه الأحزاب العنصرية الانفصالية في شمال العراق للإطلاع على فقدانها روح المسؤولية وتفضيل الردح الإعلامي على مصائر الفلاحين وأرزاقهم في شرقي محافظة ديالى ( من أجل ذلك راجع موسوعة ويكيبيديا – نهر ألوند).
على العموم تشكل المواقف غير المسؤولة والمرتبطة بالمصالح الحزبية الضيقة والغارقة في الجهل من قبل الإدارة المرتبطة بالميليشيات الشمالية وكذلك بالنفوذ الإسرائيلي الذي هو المحرك الأساسي إلى تعطيل الكثير من المشاريع المائية في الشمال العراقي ( وهو درس قاس آخر لدول الجوار من النموذج العراقي اليوم) والتي يمكن أن تخفف من وطأة الحبس المائي التركي كما هو الحال في قضية (سد بخمة) قرب بلدة شقلاوة العراقية وعلى مجرى رافد " الزاب الأعلى" الذي تأجل لعقود طويلة ومعظم الوقت كان بسبب الميليشيات الانفصالية. وعلى سبيل المثال نذكر أحد الأسباب التي تذكرها الميليشيات الانفصالية حول منع بناء سد بخمة وهو: أن السد سيغرق القرى البارزانية التي ناضلت ضد النظام البائد فتختفي المواقف النضالية لهذه القرى وأن التعويضات التي صرفها النظام البائد لأهل هذه القرى لم تكن كافية ومجزية بما فيه الكفاية!!، بل أن أشخاصاً في قمة الجهل والتخلف يتحكمون بحجم السد وارتفاع عمود الماء والقدرة التخزينية له اعتماداً على توازنات حزبية وفئوية وسياسية!!.
لذلك فعلى العراق وحسب هذه الميليشيات أن يخسر خزان مياه عذبة بحجم 14 مليار متر مكعب سنوياً ولسنوات طويلة بسبب مسألة حزبية وفئوية والضعف المستشري في بغداد وسوء معاملتها لأبناء شعبنا في الشمال العراقي أيام النظام البائد والضعف و الخوار الذي يصيب بغداد بعد الاحتلال نتيجة تسليم ملف العلاقة بين الدولة العراقية وسلطة الأحزاب الانفصالية إلى الدولة المحتلة وهي الولايات المتحدة التي تسلمت كل الملفات بهذا الشأن بما فيها ملف كركوك!
ستتناقض إمدادات المياه إلى الزاب الأعلى بشكل كبير بعد انجاز تركيا لسد (أليسو) عام 2013 وربما ستنقطع بشكل كامل بعد انجاز سد (أليسو- جزرة)، وعندها ستبقى القرى المناضلة جافة متصحرة دون حتى أهلها لا سامح الله، وقد ينطبق عليها قوله تعالى في سورة الحج: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
الهدر والإهمال التاريخي للمياه في الدولة الحديثة:
الهدر الأكبر والظلم
الأعظم بحق المياه العراقية وبالتالي بحق البيئة والناس حصل في العراق ومن قبل
الحكومات العراقية المتعاقبة التي أساءت إدارة أجهزة الدولة العراقية وبالتالي
إدارة حلول أزمة المياه قبل أن يكون ظلماً واقعاً من قبل الجيران. فالذي لا يحترم
شعبه ويخضع المسائل الحيوية بعيدة المدى للبلاد لمصالحه الحزبية الضيقة، وربما
العائلية حتى، يكون قد أجرم بحق وطنه وشعبه وعرض مصالح البلاد والمال العام للإهدار
والتلف وما يجر ذلك من تخلف يصيب دورة الإعمار والتطور حيث العالم المتحرك بسرعة
وعجلة الزمن التي لا ترحم.
بقيت المشاريع الأساسية على صعيد المياه في العراق تتراوح بين المبازل والقنوات والمشاريع الصغيرة التي تعتمد بشكل أساسي على وجود النهرين ومستوى تدفق المياه فيهما وكأن دول الجوار هي من ملائكة الله الصالحين وأنها تراعي الأخوة الإسلامية في كل خطواتها وبالتالي تعفي السلطة في بغداد نفسها من العمل الجاد على دراسة الموارد وترشيدها وصب جام غضب الكلمات والتصريحات العنترية وتسطيرها في ديباجة الاستنكارات والشجوب والرفض الكلامي التافه للمشاريع الحقيقة على الأرض والتي تقوم بها دول الجوار. وافتقرت البلاد للتخطيط بعيد المدى وبناء السدود وإيجاد البدائل وتطوير أساليب الري والتربية الحيوانية بحيث تتماشى مع الظروف الجديدة.
كانت المحافظة على ثروات البلاد ومواردها هي آخر ما يشغل الفئات الحاكمة خصوصاً وأن العراق ليس دولة المنبع بالنسبة للنهرين الأساسيين في البلاد، وإنما دولة المصب وتتعرض المشاريع الإروائية فيه للتغيير الدائم طبقاً لحال ومستوى المياه المتدفقة من دول المنبع.
كانت من أبسط الممارسات التي تتبعها الفئات الحاكمة أيام النظام البائد أن تهاجم القرى في شمالي البلاد وتصب الاسمنت سريع التصلب في العيون من أجل قتل البساتين وإجبار السكان على الرحيل عن قراهم لتكوين حالة الحزام الأمني المحروق منعاً لتنقل المجموعات المسلحة بين مناطق الحدود.
كما أن الجريمة التي أقدمت عليها سلطات النظام البائد بتجفيف الأهوار تعتبر القمة في تسخير موارد البلاد المالية لتدمير البيئة وهدر الموارد المائية واستعمال أجهزة الدولة بما فيها فرق الهندسة العسكرية للإضرار بالبلاد وبحيرات المسطحات المائية النادرة الوجود في هذا العالم. إن الخبرات التي استخدمت، والجهود التي بذلت من أجل تجفيف الأهوار هي من أبرز الأمثلة على تغليب الفئة الحاكمة يومها لمصالحها الفئوية والحزبية على مصلحة البلاد.
لقد
مرت البلاد بفترة بحبوحة اقتصادية ومالية وأمنية في منتصف سبعينيات القرن الماضي
واستعملتها الفئة الحاكمة في عسكرة المجتمع باتجاه تأليه الشخص وأسرته والدائرة
الضيقة المحيطة به وحزبه في أوسع الأحوال، واختفت لثلاثة عقود متتالية ميزانية
العراق إلى الحالة السرية التي لا يعرف بها سوى دائرة صغيرة محيطة برئيس النظام،
ولم تستخدم تلك الموارد المالية الهائلة والتي كانت تنزل جميعها في حسابات العراق
وليس حساب الاحتياط الفدرالي الأمريكي كما يحصل اليوم بعد الاحتلال، لم تستخدم في
تنمية من ضمنها التنمية المائية، وكانت المشاكل المائية مع تركيا وإيران واضحة
المعالم والنيات لدى الجارتين، ومعروفة لأجهزة الدولة والفئات الحاكمة بشأن نهري
دجلة والفرات وبقية الأنهر التي تصب في العراق.
أما فيما يخص سلطة الأحزاب الانفصالية والعنصرية في شمال الوطن والتي أخذت شكلها بعد عام 1991 وحرب الكويت وإنشاء منطقة الحظر والإدارة الانفصالية شمال الوطن ومن ثم تقنينها بعد الاحتلال بمباركة بقية الأحزاب المرتبطة بالفلك الأمريكي في المنطقة الخضراء، فإن الاستهتار بالمشاريع الحيوية وأهمها سد بخمة تمثل النموذج للتخلف والتعصب الأعمى إلى حد التضحية بمصلحة أبناءنا الكرد أنفسهم في سبيل الحفاظ على المصلحة الشخصية أولاً والأسرية ثانيا والحزبية أخيراً.
لقد أعطت الأحزاب الانفصالية في شمال الوطن ذريعة إضافية لكل من تركيا وإيران لتقدم على الإضرار بالعراق وزراعته وثرواته المائية من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه بحجة الأحلام التقسيمية التي تعشش في رؤوس قيادات هذه الأحزاب، واستعمال الأراضي العراقية للإضرار بوحدة أراضي هاتين الدولتين والضعف المستشري في سلطة بغداد نتيجة الاحتلال أولاً والتناقض فيما بينها ثانياً بما يجعلها عاجزة عن إيقاف هذه الأحزاب وميليشياتها وأجهزتها الأمنية المنفصلة كلياً عن بغداد عند حدها، وإجبارها على رفع يدها عن المشاريع المائية الكبرى والحيوية والتي ترتبط ( حتى في الدول الاتحادية) بالسلطة المركزية.
كتب الباحث وخبير المياه المهندس صاحب الربيعي وغيره من الخبراء والباحثين الكرام في مجال المياه الكثير في هذا الشأن ويمكن الرجوع إلى موقعه الشخصي للإطلاع على رأيه باعتباره خبيراً ومهتماً بشؤون المياه وصرف من وقته وجهده الكثير كي يضع المعلومات التي توصل لها تحت تصرف القراء.
كيف تتعامل الديمقراطيات العريقات مع الموارد:
قد لا يكون لهذا القسم من موضوعنا أي علاقة مباشرة بمياه العراق ونهريه الآيلين إلى التجفيف، ولكنه قسم يتعلق بالكيفية التي تبدأ ديمقراطيات العالم العريقة نقاشها وحديثها مع بعضها (وليس معنا) حول مورد من الموارد. في هذا درس وعبرة لمن يريد أن يبصر ويرى ويعي ويسمع (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ).
اهتمت الصحافة الغربية
مؤخراً بمسألة ذوبان ثلوج القطب الشمالي...هذا الذوبان فتح أبواباً من النقاش
والفعاليات على صعيد الدول المتشاطئة على المحيط المتجمد الشمالي. ولست أتحدث هنا
عن البيئة وخرابها على يد الإنسان المتحضر الذي ينفث غاز ثاني أوكسيد الكربون في
الجود بملايين الأطنان كل ساعة، ولكني أتحدث هنا عن الموارد التي يمكن استغلالها
عند بدء ذوبان الثلوج في بعض مناطق المحيط المتجمد الشمالي وهذا هو أول ما انتبهت
إليه كبرى الدول المطلة على المحيط المتجمد الشمالي قبل أن تعير اهتمام حقيقي
للبيئة وكوارثها.

يقول الخبراء في العالم الغربي أن ذوبان الثلوج من بعض مناطق المحيط المتجمد الشمالي سيكشف عن إمكانيات استثمار المخزون الهائل للغاز الطبيعي في بعض مناطقه والقابعة في قاع البحر من جهة، كما أنه سيوفر طريقاً سهلة وسريعة للملاحة البحرية بين قارتي أمريكا الشمالية وآسيا ( والمقصود هنا شرق آسيا هنا وليس نحن)، وما يجر ذلك من تقليل تكاليف الشحن وما يترتب على ذلك من أرباح.
لننظر كيف تعاملت الديمقراطيات العريقة ذات الشأن بهاذ الموضوع وهي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والدانمرك والنرويج إضافة إلى روسيا الملتحقة بالديمقراطيات الكبرى مؤخراً.
أرسلت الولايات المتحدة غواصاتها النووية إلى قاع المحيط وثبتت علماً أمريكياً لإظهار سطوتها وكثفت أسطولها البحري والجوي في المحيط المتجمد. كندا من جهتها بدأت ببناء القواعد العسكرية وإرسال الدوريات الجوية في منطقة المحيط شمالها موسعة المياه الإقليمية ومنطقة نفوذها وكادت تصطدم الشهر الماضي بالمقاتلات الروسية التي اقتربت من منطقة نفوذها، ولا يفوتنا الذكر أن روسيا دخلت ديمقراطياً بكل قوتها العسكرية في المحيط المتجمد الشمالي بطيران حربي وأساطيل وغواصات تعمل بالطاقة النووية والتي ثبتت بدورها علماً روسياً في قاع المحيط المتجمد. النرويج وهي دولة حقوق الإنسان ذات الصوت العالي في القضايا الإنسانية والحوار المتحضر بدأت بتحديث سلاحها البحري والجوي بما يتناسب وحاجتها في منطقة المحيط الشمالي والمشاركة في موارده المستقبلية. الدانمرك هي الأخرى حذت حذو جارتها شقيقتها النرويج الاسكندينافية في تحديث وتقوية أسطولها العسكري البحري والجوي وما كسبته من خبرة قتالية في جريمة احتلال العراق.
لا توحي أي من الخطوات السابقة بأن ثمة حواراً متحضراً يجري منذ البداية بشأن الموارد، بل تشحذ كل ديمقراطية سكاكينها وتقوي سلاحها وتثبت حضورها، وعندها فقط يمكن أن يسمع صوتها.
لهذا قلنا في بداية موضوعنا أن ما من اتفاقية تشفع لضعيف، وقد حرص الاحتلال وسلطته وتواطأت معه أحزاب المنطقة الخضراء على حل الجيش العراقي ونهب مؤسساته وإنهاء قدرة العراق البحثية والتصنيع العسكري من أجل أن تصبح موارده نهباً بين هذا وذاك.
خلاصة الموضوع:
لن تتوقف تركيا عن أي من خططها في حبس مياه النهرين رغم انسحاب الكثير من الشركات الأوربية من تنفيذ بناء السدود نتيجة لقرارات سياسية تعتبر أن أثاره غير أخلاقية على العراق أولاً وسوريا ثانياً. إلا أن إسرائيل على سبيل المثال كانت من أكبر المستثمرين في مشروع "الكاب" التركي العملاق منذ الحكومات الماضية والتي وصلت فيها العلاقات التركية الإسرائيلية إلى أوجها مع طرح مشروع تزويد إسرائيل بمياه دجلة والفرات العذبة بعد حرمان العراق منها، ثم من بعدها مقترح مشروع تزويد السعودية بمياه النهرين بعد قطعها عن العراق، ولا يعرف إن كانت هذه المشاريع ستطبق أم لا، ولكن الواضح أن إسرائيل قد استثمرت الكثير من المال في أصل بحيرات مشاريع السدود والأراضي المحيطة بها والمشاريع المزمع اجرائها عليها. لأجل هذا كله فليس من المتوقع أن تتوقف تركيا عن تنفيذ البعض من هذه المشاريع إلا بموقف دولة قوية في بغداد تملك شيئين أساسيين (و يؤسفني القول أنها لا تمتلكهما اليوم) وهما حرية القرار وتملك الموارد.
فليس حكومة بغداد بوضعها الحالي بقادرة على اتخاذ القرار وبسط نفوذها حتى على كامل أرضها وبالتالي مواردها، ولا هي تملك حق التصرف بالموارد رغم الادعاءات العريضة التي لا تخرج عن كونها كلام إعلامي وطبل أجوف قد يصلح أو حتى لا يصلح للتطبيل الإعلامي وليس لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن المياه على الأقل لأن سلطة الاحتلال ستمنع من تنفيذها وربما حتى اتخاذ قرارها.
ومن جهة أخرى فليس العراق ورغم هذه الظروف بالبلد الضعيف الذي لا حول له ولا قوة بشأن الموارد المائية من الناحية الواقعية، فلو كان بلداً مستقلاً بشكل حقيقي، والسلطة الموجودة في المنطقة الخضراء تتمتع بشيء من القدرة على اتخاذ القرار لتمكنت من فرض ولو شيء بسيط من إرادتها لحفظ ماء الوجه أمام شعبها خصوصاً مع وجود خطوط نقل النفط التي تمر عبر تركيا. كما لم تقدم الحكومات العراقية بما فيها هذه الحكومة الضعيفة في بغداد على أمور بسيطة قد تقدم عليها حتى الحكومات المرتبطة بسلطة غيرها ومنها مسح حقيقي للبحيرات المائية للمياه الجوفية العميقة والتي تقدر بمخزون هائل عند الحدود العراقية التركية السورية والتي يمكن أن تستغل وتعوض بعضاً من خسائر البلاد المائية وكذلك المياه الجوفية التي يشترك فيها العراق مع إيران من المنابع المتصلة ببحيرات المياه الجوفية العميقة والتي قد لا تكون بجودة المياه السطحية ولكنها جيدة للزراعة.
في حديث مع بعض خبراء الموارد عن كوارث العراق المائية القادمة، يجمع هؤلاء الخبراء على أن البلاد بحاجة إلى سلطة واعية أولاً.... ومخلصة ثانياً..... وقوية ثالثاً.... وملتزمة رابعاً.... من أجل التخفيف وليس حل مشاكل العراق المائية الخطيرة. فقد تكلم بعضهم عن المسح المائي الكامل للبلاد، وتحدث آخرون عن آبار عميقة تصل للبحيرات المائية العظيمة في منطقة الجزيرة إلى أعالي محافظة نينوى وتحدث البعض الآخر عن نهر يتم شقه إلى جانب شط العرب بعرض أقل بحيث يعوض النقص الحاصل في مناسيب مياهه جراء حبس إيران لمعظم مياه نهر الكارون ويصل الخليج العربي ويتصل بالقنوات الإروائية على طول شط العرب جنوباً لإنقاذ بساتين النخيل والزراعة على الضفة الغربية لشط العرب وغلقها من النهر القديم وهو مشروع هائل الحجم كما يقولون قد يغير وجه محافظة البصرة. كما تحدث آخرون عن ضرورة مراجعة الطرق الإروائية والمباشرة ببناء البحيرات الصغيرة في كل منطقة ممكنة من أجل الاستفادة من كل قطرة ماء طالما أن الجيران مصرون على الإضرار بالعراق وبيع المياه إلى دول الجوار الأخرى بعد قطعه عن العراق، وأجمعوا كلهم على أن أي مشروع مائي سيرتبط بالوقت الذي ينفذ فيه إذ لا يمكن أن ترتجى نفس الفائدة منه إذا ما استمر النقاش حوله لخمسة عقود كما حصل مع حالة سد بخمة في شمال العراق.
وأختم بما كتبته في بداية الموضوع، أن المياه في العراق هي شأن عام يمس حياة أحاد الناس دون استثناء ويجب التعامل معه بروح عالية من المسؤولية والتي لا نجدها عند المتخاصمين على الكراسي أو الأحزاب الموغلة في الجهل والتخلف والعنصرية والانفصالية.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
محمد حسن الخالصي
13 أيلول 2009