| |
بسم
الله الرحمن الرحيم

حطام الأوطان وبقايا الدول في الشرق الأوسط الجديد
كتبت هذا البحث المختصر في آذار الماضي 2006,
وأنهيته في الرابع من نيسان 2006, وقد نشر في الأول من تموز في مجلة حوار
العرب الصادرة عن دار الفكر العربي ببيروت.
أضع مواد هذا البحث المتواضع منقحاً بين يدي القارئ الكريم وفيه إشارة لعدد
من الخطوات العملية التي قامت بها الإدارة السياسية للاحتلال الأمريكي
للعراق والتي تهدف تفتيت البلاد وإشعال الفتنة الطائفية في العراق المحتل
تمهيداً لمشروع الشرق الأوسط الجديد
محمد حسن الخالصي
حطام الأوطان وبقايا الدول في الشرق الأوسط الجديد
مقدمة:
لم يكن سؤالاً بسيطاً منذ البداية, ومنذ اليوم الأول الذي بدأت فيه حكومة
الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) مسلسل إضعاف النظام العراقي السابق
بعد سنوات طويلة من الدعم
الاستخباري والعلمي والتكنولوجي,... سنواتٌ
من الدعم المباشر وغير المباشر لذلك النظام رسمت
تاريخاً مدوناً بآلاف الوثائق, اضطرت معه الإدارة الأمريكية الحالية حجب ما يقرب من
أربعة آلاف وثيقةٍ من أصل اثنتي عشر ألفاً, بعث بها نظام بغداد السابق إلى
مجلس الأمن الدولي قبل فترة قصيرة من الغزو الأمريكي للعراق كان مجلس الأمن
قد طلبها ليرى!!! مدى التزام العراق بقرارات مجلس الأمن وخضوع العراق للفصل
السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
السؤال هو:
لماذا تريد هذه الإدارة تغيير ذلك النظام؟
فلو أردنا التحدث بالمنطق الأميركي البحت, والذي ينظر هذه الأيام من خلال
القدرات الأمنية للأنظمة فقط, فإن في اليد معطيات تبين بوضوح أن بقاء نظام
صدام حسين المنهار كان هو الخيار الأفضل للسياسة الأمريكية التقليدية, وهي
التي تدعم أنظمة مشابهة للنظام العراقي السابق في المضمون حتى هذه اللحظة.
لا تخفي القوة العظمى المتفردة في عالم اليوم, وبعد انتهاء الحرب
الباردة ونهاية حقبة القطبين بانهيار الاتحاد السوفيتي السابق, أنها ترى
استحقاقاً لتفردها في منطقة الشرق الأوسط, الغنية بالنفط والغاز بفضل الله
تعالى, والزاخرة بالفتن والاضطرابات والحروب بفضل السياسات الاستعمارية وجهلنا نحن
أهلها,... ففي منطقتنا التي تكتنز مصدر الطاقة الرئيس في العالم, ترى القوة
الكبرى استحقاقاً مستقبلياً لها, لم بعد ينفع معه نظام صدام حسين, بل ولا ينفع
مع هذا الاستحقاق الذي تراه لنفسها أي نظام آخر يشابهه عوضاً عنه في العراق,
وهنا مربط
الفرس وبيت القصيد في تغيير ذلك النظام بجحافل الجيوش. فلو أرادت القوة الكبرى المتفردة أن تستمر
على الخريطة الجيو-سياسية في هذه المنطقة المضطربة من العالم, فلا أحد على
الإطلاق أقدر من نظام صدام حسين السابق على لعب دور الضابط لإيقاع الحركات
الإسلامية ذات التوجه السياسي في العراق, وما يستتبع ذلك من ضبط لمثيلاتها
في المنطقة كلها.
لقد أثبت نظام صدام حسين, في الجانب الأمني, والذي لا تعبأ لغيره الحكومات
المتتالية في البيت الأبيض الأمريكي سواء في السابق أو في أيامنا الدامية
هذه,, أن بإمكانه ممارسة أقسى أنواع العقاب الجماعي لمن يعرض وجوده للخطر,
وأثبت أن بإمكانه المساس بأقدس ما يعتقد به الشعب العراقي من مقدسات, وإن
تطلب ذلك إعدام أكثر المفكرين احتراماً بين صفوف شعبه ومهاجمة أقدس البقاع
منزلة بين الناس, بل وبعمليات قتل جماعية وإعدامات كيفية دون أن يرف له جفن
لهولها وحجمها, وأثبت بالفعل وليس بالقول أن بإمكانه اكتساح الشمال عسكرياً
متى سمح الظرف الدولي بذلك, وأثبت بالفعل قبل القول أن بإمكانه الدخول في
أي حماقة ممكنة أو غير ممكنة وتلقي أي هزيمة واعتبارها نصراً عظيماً, بل
وأم الانتصارات, بل وأثبت أن بإمكانه تقديم تنازلات للقوى العظمى لا يتمكن
أي نظام في العالم من تقديمها ويبقى بعدها يمارس نفس التضليل الصلف بحق
شعبه, وأخيراً أثبت أنه يتمكن من الاستمرار والبقاء بعد كل هذا!!!!
لماذا التغيير؟
إذاً, لماذا التغيير؟
ليأتي الجواب سريعاً, إنه
استحقاق القرن الأمريكي الجديد(1), وتطبيقات
نهاية التاريخ (2), ونظرية نهاية الشر(3)
مع هذا الاستحقاق الذي تراه لنفسها قوة العالم الكبرى كما قلنا, لا ينفع
معه نظام صدام حسين, بل و لا ينفع معه أي نظام آخر يشابهه في مكانه في هذه
المرحلة، ثم في المراحل اللاحقة لهذا الاستحقاق لا ينفع بقاء دول المنطقة
كلها على أحجامها وبالشكل الذي هي عليه اليوم.
فحين نرى بأم العين دعوات (القرن الأمريكي الجديد) تشير بأصابعها ومن ثم
سهامها إلينا والى بلداننا, وحين نقرأ أن نظرية (نهاية التاريخ) قائمة على
أنقاض أوطاننا قبل أي مكان آخر, ونظرية (نهاية الشر) التي كتب سطورها
"ريتشارد بيرل" و "ديفيد فوروم" قائمة على حطام دولنا, لا نملك إلا أن نقتحم هذه
النظريات على الأقل بعقولنا, ونناقشها وأهدافها على منابرنا, ولأنها
قضايانا, فهي حوارنا قبل أي أحد آخر غيرنا, حوار العرب, وحوار المسلمين,
لأننا نحن المقصودين بصفة الشر, ونحن المستهدفون والمتهمون قبل أي أحد آخر
بحربِ الإرهابٍ الذي لا نعرف تحديداً أو تعريفاً له, فلا يجب أن نسمح لأنفسنا على
الإطلاق بأن ننتظر ثلاثين عاماً أو يزيد كي نرى وثيقة تسمح هذه الحكومة أو
تلك بقراءتها, ثم لنكتشف وبعد فوات الأوان بسنين طوال, أن نهب ثروات أوطاننا
وتحطيم وحدة شعوبنا بل ووجود أممنا والهيمنة عليها كانت الهدف من هذه الحرب
الإجرامية، والذي هو الهدف الذي عمينا عن رؤيته وهو واضح وضوح
الشمس في رابعة النهار أمامنا.
لأجل هذا, لا نريد أن نكون الضحية التي تتفرج على مشهد قتلها, وقد همشت
نفسها لسنين طوال, لنكتشف بعد فوات الأوان "وندعي أننا فوجئنا”, أن
الأضاليل والنيات السيئة كانت الوسائل, والحروب الخارجية والأهلية
والمذهبية والطائفية والعرقية كانت الأسلوب, الذي أوصلنا إلى حيث نرى شرقاً
أوسط كبيراً, مؤلفاً من كيانات صغيرة هزيلة
متناحرة فيما بينها,
تؤلف
دويلات الثواب
والعقاب(4)
التي يتشكل منها هذا الشرق الأوسط الكبير.
كما يجب ألا نسمح للخوف من الاتهام بنظرية المؤامرة وعقليتها, أن يثنينا عن
تسمية الأمور بمسمياتها, ولا للخوف من الاتهام بالرجعية وعقلية العصور
الوسطى, أن يمنعنا من تعيين الحلول التي تنبع من واقعنا وفهمنا لحياتنا في
أوطاننا.
لابد لنا ونحن في عين العاصفة, أن نقرأ أوراق الاحتلال وغزو العراق مرة
ثانية, أن نراجع كل تصريح وكل تعليق قاله وكتبه سادة البيت الأبيض, وأن
نراجع كل خطوة قاموا بها عملياُ وعلى أرض الواقع, دون أن نضلل أنفسنا بم
ادعوه هم عنها, بل بما نراه نحن على أنه حدث فعلاً على ربى بلادنا, ولأن التضليل على
جميع الأصعدة, كان السلاح الأمضى والأقوى والأشد فتكاُ في هذا الغزو, فعلينا أن نجيب أنفسنا ونكون صادقين معها: هل تنفع أدوات النفي اللغوية
التي يكثر رجال الإدارة الأمريكية استخدامها في تكذيب الحقائق التي تصفع
الوجوه, وتصرخ ليل نهار في وجوهنا عن حقيقة ما يحدث في أوطاننا؟ أم أن
الممارسات والأفعال هي ما ننظر إليه ونفهم على أساسه،
فالحكم على الأفعال أصدق
أنباءً من الإصغاء للأضاليل والأقوال,
فلنكن صادقين مع أنفسنا!
ألا تنبؤنا خطوات القرن الأمريكي الجديد أن قيم أمريكا بكل غربتها عن قيمنا
وحضارتنا, عليها أن تسود العالم شاء هذا العالم أم أبى، وسوف تفرض علينا
فرضاً ولو بالقوة المسلحة والجيوش الجرارة؟
ألا تخبرنا صفحات (نهاية التاريخ) وتطبيق الإدارة الأمريكية الحرفي الأعمى
لها, أن أمريكا ترى مهمتها المقدسة في الجانب المعلن والمضلل في فرض الحلول
علينا ولو بقوة السلاح، وإنشاء ديمقراطية في الشكل، ومستعمرة تابعة في
المضمون لتستمر السرقة المسلحة التي سميت بتحرير العراق؟
أما ترينا نظرية (نهاية الشر) وتبني الإدارة الأمريكية لها أن أوطاننا هي
الهدف المباشر لهجوم الجيوش الأمريكية بعد أن سميت ودمغت باسم محور الشر بعد أن وضع
أعضاء الأيباك الإسرائيلي-الأمريكي الكلمات في فم الرئيس الأمريكي بحروفها
وصيغتها ليعلن التزامه بها في خطاب بالصوت والصورة وأمام البشرية كلها؟
أما ترينا أن مصير أوطاننا بعد تقسيمها هو دويلات الثواب والعقاب, أمريكية
الهوى, ضعيفة الوجود, هينة المعاقبة، حسب نظرية الصهيوني "غي باخور" والتي
يؤيدها هنري كيسنجر بكل ما يملك من ثقل في إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش
الصغير؟
الخطوة الكبرى:
كانت النية لغزو العراق مبيتة لدى اليمين الديني المتطرف والذي صار يحكم
الولايات المتحدة الأمريكية بعد فوز جورج بوش الابن بالرئاسة الأمريكية
نهاية العام 1999، ولم يكن ردة فعل على هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام
2001م كما حاول هذا اليمين إشاعته وقام بربط نظام صدام حسين بالإرهاب
المزعوم وبأسلحة الدمار الشامل والتي جلس الجنرال الأمريكي السابق ووزير
خارجية بوش الابن "كولن باول" في مجلس الأمن يسطر أكاذيبه على شاشة كبيرة
وجلس خلفه كل من جورج تينت رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
ووكيل الخارجية الأمريكية جون نيغروبوينتي صاحب خيار السلفادور المريع
والشهير وهما يهزان رأسيهما تأييداً لما يقوله كولن باول،... هذا القول
الذي كلفه كرامته ومنصبه بعد أن اكتشف مدى الخديعة التي انطوت عليها تلك
الأكاذيب التي سطرها بصلف أمام العالم وثبت فيما بعد كذبها. وإنه من
السخرية حقاً القول بأن قرار غزو بلد كالعراق بكل ما يحمل من تحضيرات
وتداعيات كان وليد ساعته بعد تلك الهجمات في نيويورك بالولايات المتحدة
الأمريكية.
لقد صرفت مجموعة
اليمين الديني المتطرف في الولايات المتحدة والتي دخل فيها أشخاص مهمون من
المؤسسة العسكرية الأمريكية كل فترة رئاسة بيل كلينتون بعد السقوط غير
المتوقع لجورج بوش الأب أمامه، صرفته في التخطيط لوضع الخطوط الأساسية
للتدخل العسكري في الشرق الأوسط بما فيها استغلال نظرية القرن الأمريكي
الجديد ونظرية نهاية العالم الجنونية التي كتبها فرانسيس فوكوياما.
الدليل الأهم على النية المبيتة لغزو العراق, تمهيدا لتغيير الشرق الأوسط
برمته, وعدم ارتباط ذلك بأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001, هو إعلان
"من أجل قرن أمريكي جديد" الذي أرسلته مجموعة المحافظين الجدد في 26 كانون
الأول 1998 إلى الرئيس الأسبق
"بيل كلينتون" ويتضمن ترك سياسة الاحتواء ومهاجمة العراق عسكريا.
إلا أن المشروع يتعدى العراق إلى الشرق الأوسط كله, ومن ثم العالم الذي
تبشره هذه المجموعة بقرنها الجديد!!
كان تغيير نظام الحكم السابق في بغداد هو الخطوة الكبرى, في طريق هذا
المشروع الكبير للشرق الأوسط الجديد, وبعد أن هيأت أيام الحصار أرض العراق
وشعبه ليكون لقمة سائغة بسيطة للغزاة حين الاحتلال, وتخدمهم حملة إعلامية
كبيرة, ضللت ولا شك الكثير من الناس, ولشدة تضليلها, صار سادة البيت الأبيض
وراسمو سياسته يدعون أنهم ضُللوا أيضا! إثر رؤية الفوضى التي تضرب أوصال العراق
شعباً وأرضاً ودولة ومؤسسات, أو ما بقي منها بعد الغزو الإجرامي
الأنجلو-أمريكي له.
فالنصر السريع في العراق, والهروب الجماعي المريع والذليل للنظام السابق
برمته يوم التاسع من نيسان 2003, وإعلان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش
نهاية العمليات العسكرية (وإنجاز المهمة!) من على ظهر حاملة الطائرات إبراهام لينكولن في الأول من أيار 2003 قد أغراه بالإعلان المبكر عن
المشروع الأمريكي الكبير, مشروعاً للعالم كله, يبدأ من الشرق الأوسط, ومن
العراق المدمر بالاحتلال, ليمتد بعيدا في أعماق مخيلات اليمين الديني
المتطرف, ومستفيد أساساً كما قلنا سابقاً إلى نظرية "نهاية التاريخ"
الجنونية التي وضعها في أواخر
الثمانينات المفكر الأميركي والياباني الأصل فرانسيس فوكوياما
فأمام الخلائق, وأمام شاشات التلفزيون أعلن الرئيس بوش في خطابه أمام
"المؤسسة الوطنية الديمقراطية" بتاريخ 6/11/2003 عن تغيير جذري في السياسة
الخارجية الأميركية وطريقة تعاطي الولايات المتحدة الأميركية مع الأنظمة
القائمة في العالم. واعتبر بوش في هذا الخطاب أنه يصحح سياسة خارجية
"خاطئة" استمرت لأكثر من 60 عاماً ولكنها فشلت في تأمين وحماية المصالح
الأميركية حول العالم.
يقول فوكوياما في نظريته التي أغرم بها بوش باعتبارها مطية جيدة يمكن
ركوبها لتبرير السرقة المسلحة التي سميت بـ(تحرير العراق), أن للتاريخ حتمية واحدة, وهذه
الحتمية هي: إقامة أنظمة ديمقراطية في كل المجتمعات والأمم. وأعطى دليلاً
على ذلك سقوط معظم الأنظمة الملكية والشيوعية والفاشية والديكتاتورية
العسكرية خلال القرن المنصرم وقيام أنظمة ديمقراطية مكانها.
ويؤيد فوكوياما في الشق الثاني من نظريته "مبدأ مايكل دويل" والقاضي بأن
الديمقراطيات لا تقاتل بعضها!
واعتبر الرئيس جورج بوش نفسه الحارس الأمين لهذه المسيرة, بل ويرى نفسه
مرسلاً من قبل الرب لتنفيذها, وقال يوماً أنه سمع صوتاً يأمره بذلك!! (أنظر:
ستيفن مانسفيلد السيرة الذاتية للرئيس الأميركي/ عقيدة جورج دبليو بوش)
كان ذلك نظرياً, أما عملياً, فلا مايكل دويل ولا فرانسس فوكوياما يصنع
خطوات الرئيس بوش أو يرسم سياسته, وإنما هو مجلس صياغة السياسات في البيت
الأبيض الذي ضم "ويا للمصادفة!!!" كل الذين وقعوا على إعلان "من أجل قرن
أمريكي جديد", وأرسلوه للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في 26 كانون
الأول 1998, ودعوه إلى عمل عسكري ضد العراق عوضاً عن سياسة الاحتواء.
كان من بين التواقيع التي تذيل مشروع القرن الأمريكي الجديد: إليون أبرامز
وريتشارد أرميتادج وجون بولتون وفرانسيس فوكوياما وروبرت كاجان وزلماي خليل
زاد وويليام بريستول وريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وجيمس
وولسي, ثم ما لبثوا أن أصبح معظمهم راسم سياسة أمريكا في قرنها الجديد!
الحكم على الأفعال أصدق أنباءً من الإصغاء للأضاليل والأقوال:
يدعي المسؤولون الأمريكيون أنهم ظللوا شأنهم شأن غيرهم عن الوضع العراقي, وفي ذلك
سخرية ما بعدها سخرية, فالقادة الميدانيون يقولون فوجئنا بالواقع العراقي,
والخبراء الأمريكيون في مجال الشرق الأوسط يقولون الأمر نفسه, لتُكرر
المقولة على لسان الوزراء في الإدارة الحالية وأخيرا يدعيها الرئيس
الأمريكي نفسه, وهو الذي وقع قرار الحرب وأعطى الأمر ببدئها, ثم أعلن
انتصاره وإتمام المهمة
من على ظهر حاملة الطائرات إبراهام لينكولن في الأول من أيار
2003.
كرر هذا الرئيس أضاليل وزراءه بأنه فوجئ بالوضع في
العراق!! المرة بعد المرة, وطلب من شعبه الصبر على المكاره!, أما وزير
الدفاع رامسفيلد فلم يتوان عن تقريع المسؤولين العراقيين الجدد, ويطالبهم
بالحس الوطني!!! وتغليب المسؤولية على المصلحة الحزبية والفئوية في ظل وضع
صنعه الأمريكيون أنفسهم وبالصورة البشعة التي نراها (أنظر خطاب دونالد
رامسفيلد يوم 12 نيسان 2006 والذي وبخ فيه القادة العراقيين).
ولننظر إن كان سادة البيت الأبيض فوجئوا حقا بما يحدث في العراق.
قامت الإدارة السياسية للاحتلال في العراق بخطوات محددة ومخطط لها بدقة, لم
تحدث كلها دفعة واحدة, بل جاءت حيث يجب أن تكون, ولا يمكن القول أن بعضاً
منها لم يتعثر حسب الظرف الميداني, ولكن الذي ينظر إليها متسلسلة, يراها
برنامجاً معداً بخطوات متتالية كي تصل إلى هدف مطلوب وهو: تجزئة المجتمع
العراقي والتحكم به عن هذا الطريق.
إنه من الواضح لكل ذي عقل سليم وبصيرة أن الخطوات التي
سنذكرها تتماشى مع تطبيق نظرية فرانسيس فوكوياما في تفكيك المجتمعات
وتركيبها المزعوم ديمقراطياً بعد ذلك.
ولن تعدم إدارة الاحتلال, وكما يعرف
الجميع, أسباباً كافية لتبرير الخطوات التي أقدمت عليها لمحاولة تجزئة الشعب العراقي
وتمزيق الأواصر التي تربطه, وأهمها التعلق بممارسات نظام صدام حسين في حكم
العراق.
استعملت إدارة
الاحتلال السياسية شماعة الممارسات البشعة أيام النظام السابق في الاحتكار العائلي للسلطة والثروة والتحكم بالموارد والاستئثار
العشائري المشوب بالطائفية, والهيمنة الحزبية ذات الشعارات القومية العربية
في نهاية الأمر, على مدى خمسة وثلاثين عاما من سلطة صدام
حسين وعائلته وأقاربه وحزبه في العراق. والطريق إلى جهنم معبدة بالنوايا
الحسنة كما يقولون, فكانت "نية إدارة الاحتلال الحسنة " تتبني كل ما يمزق
وحدة المجتمع العراقي وينهي هيكل الدولة بدعوى
عدم السماح بتكرار تجربة صدام حسين وحزبه في السيطرة المركزية
على كل شيء مرة أخرى.
كانت أهم هذه الخطوات هي:
أولا: حل الجيش العراقي والشرطة العراقية بعد عملية الغزو، فلم تكن هذه
غلطة، أو زلة، أو رغبة في خدمة إسرائيل فقط، بل كانت إلى جانب تلك الخدمة،
فعلاً مدروساً بدقة وعناية، سببت فراغاً أمنياً مطلوباً أمريكياً, فتح
الطريق أمام اختراقات طائفية وعرقية كبيرة في الجسم العراقي.
ثانيا: وهي الخطوة التي تلي الخطوة الأولى بشكل طبيعي لاستثمار مكتسباتها
للاحتلال, وهي إعادة صياغة الجيش العراقي وقوات الأمن الداخلي. وأقول
"إعادة صياغة" لأن الاحتلال عمد إلى تغيير كل شيء في هذه المؤسسة الهامة,
والتي تعد من ركائز هوية النظام (أي نظام), لذلك نجد أن سلطات الاحتلال عمدت إلى
التحكم بكل ما تعلق بهذه المؤسسة, ابتداءً من حجمها, عقيدتها القتالية, نوع
التسليح المسموح به, إدارتها السياسية, ومنظومتها الاستخبارية, وكل شيء
يتعلق بها.
ثالثا: لم يكتف الاحتلال بالسيطرة الإدارية والعملياتية على الوزارتين
الأمنيتين، بل ربط الوزيرين مباشرة بإدارة الاحتلال، في خطوة مباشرة
للسيطرة السياسية داخل الوزارتين في ظل سيادة مدعاة, وهو ما افتخر به بوش
نفسه، وقال بالحرف الواحد: أن علاقتنا بالوزيرين (سعدون الدليمي وباقر
صولاغ) مباشرة!!
بل إن السفير الأمريكي زلماي خليل زاد نفسه يحظر حفلات تخرج دورات ضباط
الشرطة في كليتهم بمنطقة الرستمية ببغداد, وكان السفير موجدا بمعية وزيري
الداخلية والدفاع (الدليمي وصولاغ) يوم احتفلت الداخلية بعيد تأسيس الشرطة بمبنى الوزارة في
بغداد, في عملية تأكيد علنية لمتابعة السفير الأمريكي لكل نشاطات الوزيرين,
(أنظر خبر وكالة الصحافة الفرنسية أ. ف.ب يوم 9 كانون الثاني 2006), وهو
نشاط لا يحصل بشكل عادي وطبيعي بالنسبة لسفير دولة أجنبية.
رابعا: عمدت سلطات الاحتلال إلى صياغة الوزارتين الأمنيتين في العراق بشكل
طائفي بخطوة مباشرة في تقسيم الوحدات على الأسس المذهبية, ومن النفاق
السياسي ما يصرح به أعضاء سلطة الاحتلال السياسية في طائفية وعرقية هذه الوزارة أو
تلك، فهم الذين أرادوها كما هي، وهم من صممها لتكون بالشكل الذي نراه
اليوم.
بلغ الانقسام العرقي والطائفي داخل المؤسسة العسكرية نفسها حداً بحيث أن
المناطق ذات الغالبية الشيعية حسب التقسيم الطائفي تخضع لوزارة
"الداخلية", بينما المناطق ذات الغالبية السنية حسب نفس التقسيم تقع ضمن
نفوذ وزارة "الدفاع", والوزارتان هما اللتان صاغتهما سلطة الاحتلال مباشرة.
ومن الجدير بالذكر أن إدارة الاحتلال عمدت إلى تشكيل بعض الوحدات النموذجية
المختلطة لتستعملها لرد من يتهم الاحتلال بصياغة الجيش والشرطة على أسس
طائفية وعرقية, فهي لذر الرماد في العيون
خامساً: حرصت إدارة
الاحتلال السياسية على صياغة النظام الجديد ليكون طائفياً في جانب وعرقياً
في جانب آخر من شكله ومضمونه. لم يتعامل الأمريكيون مع العراقيين
كعراقيين، بل شيعة وسنة وأكراد، فعند التعامل مع الأكراد يطرح الانتماء
العرقي ليكون عربياً وكردياً ولا علاقة للأكراد بالإسلام سنياً كان أم
شيعياً، وعندما يصل إلى العرب يتحول طائفياً ليكون شيعة وسنة هذه المرة، أي
أن الأمريكيون يختارون كل ما يفرق ويقسم المجتمع العراقي. وكل الخطوات
العملية والخطاب الإعلامي والتعبوي للكتل التي تبناها الأمريكيون تؤدي بشكل
مباشر إلى الطائفية السياسية التي فرضها الفرنسيون على لبنان منذ أكثر من
ستين سنة ويعاني بسببها من الشلل السياسي منذ تأسيسه وحتى اليوم. لقد كان
الشلل السياسي هو واحدُ من الأهداف التي توخاها الأمريكيون من فرض هذا
الشكل من النظام السياسي في العراق. ومما يثير الشفقة حقاً على حال أعضاء
النظام الجديد هو إسباغ ألقابٍ عافها لبنان نفسه بقرار رسمي أيام رئيس
الوزراء الراحل رفيق الحريري، مثل فخامة الرئيس ودولة رئيس الحكومة ورئيس
المجلس ومعالي الوزير وسعادة السفير والنائب في محاكات لنظام الطائفية
السياسية اللبناني المشلول.
سادساً: شجعت إدارة الاحتلال على إحداث الشقاق بين الجنود والشرطة العاملين
في القوى الأمنية بعد أن شكلتها طائفيا, فتأخذ وحدة للجيش وتختار جنودها
شيعة فقط, وترسلها إلى مدينة أهلها من السنة في معظمهم. وكما هو المعتاد
ترتكب جريمة بأسلوب دعائي وعلني يخدم إشعال الفتنة الطائفية, وليكمل
الإعلام الموجه بقية المسرحية الدموية.
على سبيل المثال لا الحصر أنظر تقرير وكالة رويترز بتاريخ الرابع من
آذار/مارس 2006 تحت عنوان "شقاق في صفوف القوات العراقية في الفلوجة بسبب
الطائفية"
صياغة الوحدات يتم بتوجيه أمريكي, وأماكن انتشارها يخضع للأمر الأمريكي,
وعملياتها اليومية تحت الإشراف الأمريكي. لذلك فالعملية برمتها وإخراجها,
فعل أمريكي مباشر يخدم هدفه المطلوب.
سابعاً: رغم أن مصطلح الميليشيات الشرعية قد أطلق لأول مرة على لسان وزير
الحرب الأميركي دونالد رامسفيلد, ليشرعن وجود ميليشيات بعينها بحيث يعتبر التي
تحالفت مع إدارته ميليشيا شرعية ومن حارب الاحتلال ميليشيا غير شرعية!. بيد
أن الرئيس بوش نفسه شارك وزير حربه في التأكيد على ذات المفهوم, إذ حدد ما
أسماه بالميليشيات غير الشرعية
واحدا من ثلاثة أعداء عليه مواجهتهم, (راجع
خطاب الرئيس بوش أمام طلاب الأكاديمية الحربية في بنسلفانيا في 24 نيسان
2004).
أما دونالد رامسفيلد نفسه, فقد قالها في أول زيارة له إلى العراق بعد
الاحتلال, وأعادها أثناء مواجهات النجف الأشرف في نيسان 2004, وعاد وكررها
بعد تفجير قبة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في سامراء, حيث قال ما
نصه: "في الأشهر المقبلة، سيواجه العراقيون عراقيل للسيطرة على الميليشيات
غير الشرعية". (راجع تصريح رامسفيلد الى وكالات الأنباء يوم 13 نيسان 2006
في بغداد) وتكرار التصريحات يشير إلى أن شرعنة الميليشيات المتعاونة مع
الاحتلال هي سياسة أمريكية ثابتة يكررها المسؤولون الأمريكيون على أعلى
المستويات, وليست واحدة من مئات الأخطاء التي ارتكبتها إدارة لاحتلال عن
"حسن نية" منذ الغزو وحتى اليوم.
ثامناً: عمدت سلطة الاحتلال السياسية إلى استخدام الشركات الأمنية الخاصة,
وهو اسم محسن للمرتزقة الذين يقاتلون بالأجرة في البلاد, والاشتراك في
العمليات العسكرية, أو المهمات ذات الخصوصية العالية, وصرف نفقاتهم من
ميزانية الإعمار المدعاة!!، وقد أحصت "الصنداي تايمز" البريطانية ما يزيد على
الخمسين شركة أجنبية لتجنيد المرتزقة لها عقود في العراق، ومرتزقتها يزيد
عددهم على الخمسة وعشرين ألفا من الجنود السابقين، صلاحياتهم غير معروفة،
وأهدافهم غير معلنة إلا لسلطات الاحتلال السياسية، وأشهرها شركة بلاك ووتر
الأمريكية والتي كانت تحرس الجكم الأمريكي للعراق بول بريمر وتتمتع حتى هذا
اليوم ولسنوات طويلة قادمة بحصانة قضائية ضد القانون العراقي وصلاحيات
واسعة وترتبط بنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حيث تعتبر مع شركات مرتزقة
أخرى جيشاً خصوصياً لصالح رئيس إمبراطورية النفط العالمية. ويتوقع أن يتزايد دور
شركات المرتزقة هذه كلما أراد الاحتلال أن يتراجع عن الصورة المعلنة ويبقي
قبضته على جميع المرافق في العراق من وراء الستار.
تاسعاً: قام الاحتلال بتشكيل وحدات عراقية تعمل تحت إمرة ضباطه مباشرة, ولا
علاقة لها بقيادة الجيش العراقي" الجديد" رغم خضوع هذه القيادة
بشكل كامل للاحتلال بعد تعيين أحد قادة الميليشيات العرقية العنصرية على
رأس الأركان العامة للمؤسسة العسكرية, فهذه الوحدات الخاصة عراقية الشكل ولكنها أمريكية
التوجيه, شأنها شأن شركات المرتزقة الأمنية التي تُكلف بمهمات خاصة (راجع تفاصيل
الوحدة التي هاجمت مسجد المصطفى في حي أور ببغداد عام 2006).
عاشراً:
أقدمت سلطات الاحتلال على
فتح الحدود بشكل كامل بعد الغزو مباشرة وأعلنت أن باب الدخول والخروج من
والى العراق سواء للأفراد والبضائع مفتوح على مصراعيه. وللإنسان السوي
والقادر على التفكير أن بتصور ما يمكن أن يدخل في تلك الفترة الى بلادنا.
وفي هذه الحالة يتصرف كل حسب مستوى تفكيره وتخطيطه،...فالذي فوجيء بالأمر
ويفكر بالربح المادي السريع ركض الى أسواق الجوار ليشتري كل ما منع منه
سابقاً، أما الذي خطط وجهز نفسه ليوم كهذا فالأمر يختلف تماماً، ولنا أن
نتصور الطيف الذي استفاد من هذه الحالة من دول وأجهزة مخابرات وعصابات
ومنظمات، فكيف بالذي خطط وجهز نفسه لهذه الحالة وقررها بنفسه.
لابد أن الأخرق وحده
هو من يتصور أن هذا القرار الذي اتخذه الحاكم الأمريكي بول بريمر وأبقاه
لمدة ستة أشهر كان نابعاً رغبته في أن يمارس الشعب العراقي حريته
المفقودة!!
هذه بعض من الخطوات التي قامت بها الإدارة السياسية للاحتلال على الصعيد
الأمني, ولا نجد أي خطوة بينها تؤسس لبناء دولة مسؤولة أو لعراق موحد كما يدعي المسؤولون
الأمريكيون. فهم يشرفون على الصغيرة والكبيرة في الشأن الأمني العراقي, وكل
الخطوات التي ذكرناها هي فعل أمريكي مباشر يخدم ما تريده الإدارة الأمريكية
للعراق, وهو تفتيت البلاد اجتماعيا, ليكون التقسيم تحت اسم الفدرالية
الكاذب مطلباً شعبياً أو مسكوتاً عنه على الأقل من أجل
إيقاف مسلسل الدم الذي لا يتوقف.
ولا تختلف الصعد الأخرى عن الصعيد الأمني في شأن السيطرة الأمريكية
المباشرة على هذه الشؤون, فعند مراجعة تدخلات السفير الأمريكي السابق جون
نيغربوينتي, واللاحق زلماي خليل زاد بشؤون المناهج في وزارة التربية, وما
تبع ذلك من امتعاض في الاسرة التعليمية, يظهر لنا جليا العمق الذي يذهب
إليه المشروع الأمريكي في العراق.
أما الشأن الاقتصادي, فحدث ولا حرج, فقنصل الشؤون الاقتصادية الأمريكي في
بغداد أصدر تقريراً كان الأولى أن يصدره وزير الاقتصاد أو التخطيط العراقي
وليس القنصل الأمريكي!, لأن التقرير كان يتحدث عن الدعم الحكومي للوقود,
وطول الطرق الزراعية, وبناء الجسور, والتجارة البينية والخارجية, وحصة
الفرد العراقي من الدخل القومي, والميزان التجاري العراقي!! (راجع تقرير
قنصل الشؤون الاقتصادية الامريكي في بغداد ثوماس ديلير تحت عنوان: عام 2006
منعطفا اقتصاديا للعراق والتحسن في محيط العمل)
وكي لا أطيل على القاريء أكثر, فإن سفارة مؤلفة من ثلاثة آلاف "دبلوماسي" ,
لم تحتج الولايات المتحدة لمثلها حتى في الصين حيث يربو عدد السكان على
المليار نسمة, لا تعطي سوى الانطباع أن العراق صار جزءً من الأمن القومي
الامريكي, وأن كل شيء في عراق مابعد "التحرير" الامريكي سينظر إليه في
المستقبل القريب والبعيد من خلال المنظومة الاميركية الأمنية, ابتدأ من شكل
النظام السياسي, والتسليح المسموح به للجيش, والهيكلية الاقتصادية,
والسياسة النفطية, والبنية الصناعية والزراعية, والعلاقات التجارية, بل
وحتى البنية التعليمية وبرامجها. فكل شيء وكل زاوية من هذه الشؤون, صار
ينظر إليها من خلال المنظومة الأمنية الجديدة.
العراق نموذجاً لمنطقة الشرق الأوسط:
يقال أن ذئب البراري حين يدخل المزرعة, يأكل صيداً ويمزقه بأسنانه, ويضع
يده على آخر كي لا يهرب, وينظر الى ثالث شرراً متوعداً أن دورك قادم. ولا
تختلف الحال في الشرق الأوسط اليوم عن هذا, فالرئيس الأمريكي كان بصدد
صياغة السياسة الأمريكية من جديد غداة الغزو, هذا ما قاله وهو في العراق,
ويده كما يعتقد في سوريا ولبنان, وعينه على إيران, ويحظِّر السودان في
دارفور, ويتطلع لكوريا الشمالية في جزء برنامجه المعلن.
إن الدخول الى الشرق الأوسط بهذه الجيوش والقوة التدميرية الهائلة, إنما
يستهدف المنطقة برمتها, وإن كانت الضحية الأولى هي العراق وشعبه ووحدة
أرضه, فحيثما ذكرت كلمة الشرق الأوسط , ستكون هذه المفردات هي الحاضرة
بقوة, الاسلام والعرب و اسرائيل والنفط. لذلك فإن الاعتقاد بأن ما يحدث في
العراق هو شأن داخلي بحت, إنما هو تضليل كبير للنفس وهروب من الواقع الذي
سببّه الاحتلال, ليس للعراق فحسب بل للمنطقة كلها.
لذلك فمن مصلحة الأطراف الاقليمية جميعاً دعم تحرير العراق عبر جهد عراقي
خالص, وفعل شعبي لتثبيت النهج الوطني الذي لا يخضع للمحاصصة الطائفية
والعرقية.
أما الجهات الإقليمية التي تعمل على جعل العراق مستنقعاً يغرق الأمريكيون
فيه, في حرب بالنيابة عنهم, وتحاول إنهاك القوة الكبرى مستخدمة دماء
العراقيين وآلامهم ودمار البلاد لتنفيذ مآربها, لهو تفكير إجرامي لن يلبث
أن ينقلب على أصحابه لسبب واضح, وهو أن هذا المنهج الإجرامي لن يؤدي سوى
الى شرذمة وتقسيم المجتمع العراقي, وصولا الى تقسيم العراق نفسه, ونتيجة
لذلك فإن ملوك الحرب والطوائف سيكونون هم من يملأ الساحة السياسية, وهذه
الفئة من الناس هي طوع بنان المحتل وتحت وصايته وحمايته المباشرة, كما
أثبتت ذلك قبل الغزو وبعده, ولن يكون أي طرف إقليمي استخدم العراق في تنفيذ
مآربه, بعيداً عن شرب ذات الكأس التي يشرب منها الشعب العراقي اليوم.
فالتقسيم العرقي والفصل الطائفي والطرح الفدرالي العرقي والطائفي سيكون
النموذج الذي يُفتت جميع بلدان المنطقة الى ما يشبه ما يحدث في العراق
اليوم, عاجلاً أو آجلاً. ففي الغد القريب سيطرح هذا السؤال, ليس على شعوب
الأمم التي ساهمت دولها في تفتيت العراق, وإنما على المعارضات التي تشبه
ساكني المنطقة الخضراء في بغداد اليوم, وسيكونون طوع بنان الإدارة
الأمريكية, كاستحقاق قادم ولا شك: هل الفدرالية العرقية والطائفية التي
تشجعتها الأطراف الإقليمية, بعضها علناً والآخر سراً, هي الأسلوب الأمثل
لحكم الشعب نفسه؟
فإذا كان الجواب بالإيجاب (وأعتقد أنه سيكون كذلك عند المعارضات المرتبطة
بأمريكا, وسيكون" لا " عند الشعوب كما الشعب العراقي), ستكون الخطوة
القادمة هي تقسيم كل أرض الجزيرة العربية الى فيدراليات طائفية وعشائرية
مثلاً؟, أو ستكون الخطوة القادمة هي تقسيم إيران إلى فيدراليات عرقية
ومذهبية؟ وكذلك تركيا وسوريا, وهكذا.
والأمر نفسه سيكرر حول الفصل الطائفي والمذهبي, بما يزيد حالة التشرذم
تشرذماَ والانقسام والتفتيت انقساماً وتفتيتاً, لتظهر من بين حطام الأوطان وبقايا الدول, صورة الشرق
الأوسط الجديد.
أما حماية هذه الفدراليات العرقية والطائفية, فستكون هي المهمة الأمريكية
والبريطانية عبر شبكة قواعد عسكرية, كان الكثير منها موجوداً قبل الغزو,
ويجري بناء المزيد الآن. وما نقلته صحيفة "Independent On
Sunday"
البريطانية في تقريرها من البنتاغون بتاريخ 2 نيسان 2006 عبر مراسلها
Andrew
Buncombe حول القواعد العسكرية الضخمة الست التي تنفق مئات الملايين من
الدولارات لبنائها, يصب في هذا الطريق, وستكون واحدةً منها بإدارة
بريطانية, وكان مما أخبر أحد المراسلين أن القاعدة التي زار موقع بناءها هي
من السعة بمكان بحيث تحتاج الى خطي باص لقطعها من جهة لأخرى (خط الباص في
الدول الغربية بين 30 الى 40 كيلومترا, فيكون طول القاعدة وعرضها 60 الى 80
كيلومترا).
مهمة شبكة القواعد ستكون حماية الكيانات الطائعة ومعاقبة الكيانات العاصية
, فحين تكون الكيانات كبيرةً ومواردها ضخمة, يصعب احتوائها أو عقابها, عكس
الكيانات الصغيرة التي يسهل الأمران معها, وهنا نفهم معنى دويلات الثواب
والعقاب(4) التي تحدث عنها الباحث الاستراتيجي الإسرائيلي " غي باخور"
ونفهم سبب التحمس الشديد من قبل هنري كيسنجر لها, وربما كان إعلان جوزف
بايدن من الحزب الديمقراطي الامريكي تأييده لها عبر دعوته لتقسيم العراق في
الأول من أيار 2006, هو حملةً مبكرةً له لرئاسة الولايات المتحدة ولحزبه
للفوز بأغلبية في الكوجرس, وكل هذا يعني أن زخم هذه العملية, يصب في إطار
تغيير الخريطة الجيو- سياسية للشرق الأوسط, والأطراف الإقليمية الي تساعد
قيام الفدراليات العرقية والطائفية, إنما تساعد عن وعي أو جهل للذهاب سريعا
الى حتفها وحتف دولها وشعوبها.
فهل من معتبر؟
والله من وراء القصد, وهو يهدي السبيل
محمد حسن الخالصي
4 أيار 2006
______________________________________________________________________________
(1) مشروع القرن الأمريكي الجديد «بيان مبادئ» وقع عليه مجموعة من السياسيين
الأمريكيين بتاريخ 3/6/1997 ممثلين لمجموعة أكبر أطلق عليهم فيما بعد اسم اليمين
الديني المتطرف طالبوا الرئيس السابق بيل كلينتون بالانتقال من سياسة
الاحتواء ضد الأنظمة "العاصية" وأولها العراق إلى سياسة مهاجمتها عسكريا ويستند إلى
آراء كتبها فرانسيس فوكوياما, المفكر الأمريكي من أصل ياباني, والذي هو
بدوره من الموقعين على الإعلان المذكور.
(2)
نهاية التاريخ : هي في الأصل مقالة كتبها الدكتور فرانسيس فوكوياما, المفكر
الأمريكي من أصل ياباني في مجلة ناشيونال انترست (
National Interest
)عام 1989، ثم عاد وطورها
لكتاب سماه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" العام 1992, ليصبح نظرية أغرم
بها جورج بوش الابن ومجموعة اليمين الديني المتطرف, وتتلخص بالإيمان
بالحتمية التاريخية التي تؤدي إلى قيام الديمقراطيات في العالم على أنقاض
الأنظمة الأخرى, ثم أضاف لها في العام1999 مبدأ
جديداَ يقضي
بأن العلم هو الذي يحرك
التاريخ ويدفع العملية التاريخية إلى الأمام, وأضاف أن الثورة التكنولوجية
تمكن الإنسان من تطوير بنيته الوراثية والخلقية و الحيوية وتحدث فيها عن
الهندسة الاجتماعية, وصياغة المجتمعات القاضي بتفكيك المجتمعات أولاً وإن
بالقوة القاهرة، ثم صياغتها حسب قيم جديدة مزروعة أخيراً, وهو ما اعتبره الكثيرون جنوناً،
إلا أنه أثبت أنه جريمة وليس جنوناً.
(3)
نهاية الشر: هو كتاب من تأليف "ريتشارد بيرل" العضو السابق في مجلس صياغة
السياسات الخارجية في البيت الأبيض, وديفيد فوروم الصحافي والإعلامي الكندي
الذي اخترع مصطلح محور الشر للرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش, و عمل فوروم
كاتبا لخطابات الرئيس بوش في فترة رئاسته الأولى حين استعمل بوش مصطلح محور
الشر في وصف سوريا والعراق وإيران وكوريا الشمالية. يتلخص رأي الكاتبين
العضوين في لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية (الايباك) في إنه لا
خيار آخر لأمريكا سوى خوض الحروب، فإما النصر على ما يعتبروه إرهاباً أو الإبادة الكاملة
لأمريكا!!!, ويضيفان
فيه: هناك اتجاهاً إسلامياً متطرفاً للإطاحة بحضارتنا وتحويل الأمم
الغربية إلى مجتمعات إسلامية عن طريق فرض الإسلام وقوانينه على كل العالم،
ويقولان: (نعم إن الإسلام المتطرف قد دعا لذلك منذ القرن السابع الميلادي). ويؤكد
الكاتبان على ضرورة إنهاء الحكم الإيراني, والحكم السوري الذي وصفوه
بالإرهابي, وأن السياسة السعودية تشكل خطرا على الأمن الأمريكي, وفرنسا هي
المنافس الأوربي لأمريكا, ونصحا بريطانيا بإبقاء مسافة ثابتة من أوربا
الموحدة, ووجوب إعادة كتابة ميثاق الأمم المتحدة, وأهمية الانسحاب منها
بعكسه, وإبقاء شبه الجزيرة الكورية في حالة حرب إذا لم تنزع كوريا الشمالية
أسلحتها النووية.
(4)
دول ثواب وعقاب: هو مصطلح أطلقه (غي باخور) المستشرق والصحافي والمستشار
الإسرائيلي المعروف، بتاريخ 16 حزيران 2005 على صحيفة (يدعوت احرنوت)، وهو
من راسمي سياسة إسرائيل الاستراتيجيين، ويقول باخور في مقاله الذي يتبناه
هنري كيسنجر صاحب النفوذ القوي على اليمين الديني الحاكم في الولايات
المتحدة: ((على الولايات المتحدة أن تغير سياستها هناك (العراق)، وعليها
أيضا إهمال فكرة العراق الموحد: عراق كبير جداً، لدرجة عدم القدرة علي
السيطرة عليه. إذا كان بالإمكان تقسيم إسرائيل الصغيرة فما بالك بالعراق،
هكذا بالإمكان السيطرة أسهل علي الدولة التي ستقام، ولأول مرة يكون
بالإمكان تأسيس دولة ثواب وعقاب)). وأعلن مؤخرا جوزف بايدن السيناتور
الديمقراطي والذي سيترشح للرئاسة الأمريكية أنه مع هذا لرأي في تقسيم
العراق .
|
|