سِفرُ الخالدين - 5
حرب تلد التي تليها

 

 

 سلسلة مقالات كتبت في خضم العدوان الصهيوني في تموز 2006 على لبنان وإعلان وزيرة الخارجية الأمريكية يومها (كونداليزا رايس) أن الشرق الأوسط سيتغير بدأً من لبنان بعد فشلهم في العراق

 

كان وجهه متجهماً أكثر من ايهود أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني, بل وبدا الرئيس الأمريكي جورج بوش أكثر تأثراً من المسؤول الإسرائيلي في اليوم الذي أعقب إقرار النص المجحف والمنحاز لإسرائيل لقرار مجلس الأمن 1701 والقاضي بوقف العمليات العسكرية في لبنان, لأنه كان يريد حربه التي خاضتها إسرائيل أن تتمخض عن استسلام لبناني كامل للكيان الغاصب, بما ينعكس إيجابياً على وضع جيشه الذي يحتل بلادنا.


قال بوجه شاحب: كيف يعتبر حزب الله نفسه منتصراً في هذه الحرب؟ فهو ....( وسكت برهة وأدار عينه في الفضاء الذي حوله يحاول تصديق ما سيقوله, ويعض على شفته بالطريقة البلهاء المعروفة) فهو, ... سيُنزع سلاحه, ولن يعود قادراً على تهديد إسرائيل بعد اليوم.

 
أما اليوم (21 آب 2006) فلم يكن الرئيس الأمريكي شاحباً فقط, بل ومصاباً بالجنون أيضاً وهو يرد على أسئلة الصحفيين في مؤتمره الذي عقده في البيت الأبيض بعصبية واضحة.
 


صاح بوجه صحفيته المفضلة (مارثا راديدتز) مراسلة الـ(ABC) حين سألته إن كان سيفكر بخيار الانسحاب من العراق مع فشل الآليات المتبعة فيه من قِبَل الجيش الأمريكي, ومع الخسائر الأمريكية المتصاعدة, والفوضى التي تضرب أطنابها في البلاد, والنتيجة التي تمخضت عنها نتيجة المعارك والميدان على الأرض في حرب لبنان, فلا آلية ناجحة في الشرق الأوسط مؤخراَ.
يبدو أن الكيل طفح به من هذا السؤال, فأشار بعصبية لرأسه وقال بهذه الطريقة التي يفكر بها بعض الناس الجيدين هنا في الولايات المتحدة ستكون نتيجة ما يريدونه من الانسحاب من العراق هو الكارثة, وصرخ بعصبية, لن نخرج من العراق قبل إتمام المهمة, لن نخرج وأنا الرئيس في البيت الأبيض.
ثم سحب ورقة كتبها له أحدهم, (كما كان يفعل ديفيد فوروم حين كان يكتب له خطاباته أيام رئاسته الأولى, واخترع له مصطلح محور الشر), وقال بعصبية واضحة: سيصدر قرار جديد من مجلس الأمن يحدد قواعد الاشتباك في لبنان ويعين مهام القوات الدولية, بما يؤدي لنزع سلاح حزب الله في نهاية المطاف.

 

تدور الإدارة الأمريكية, ومعها مجلس الأمن, والحلفاء الأطلسيون حول نقطة واحدة, في القرار 1559, ثم في القرار 1701, وسيكون الأمر نفسه في القرار القادم كائنا ما كان رقمه, والذي سيُسمى بقرار تعيين قواعد الاشتباك للقوة الدولية, يلف ويدور حول نقطة واحدة, أفقدت الرئيس أعصابه, وإدارته حيلتها, والحكومة الإسرائيلية ماء وجهها, والجيش الإسرائيلي سمعته, وهي سلاح المقاومة ولا شيء غيرها.
المشاكل المثارة مع سوريا منشأها نشر قوة دولية على الحدود المقرر ترسيمها, هي لمنع هذا السلاح,
والقوة الفرنسية والألمانية البحرية لمراقبة الشواطئ اللبنانية, هي من أجل منع دخول هذا السلاح,
والتفتيش في مطار عمان بدل بيروت, هي من أجل هذا السلاح!!

لا تهمه الصفقات الضخمة للأسلحة في كل دول العالم قدر ما يعنيه هذا السلاح وإن قل في كمه, وتنازل في نوعه!!
 

يا لهذا السلاح ما فعل!!


أرسى القرار 1559 بنود وفصول الحرب والعدوان الذي رأيناه على لبنان في الثاني عشر من تموز2006, وسوف يرسم القرار 1701 فصول العدوان القادم, يوم تطمئن الحكومة الإسرائيلية أيا كان الحزب الذي يحكمها, يوم تطمئن إلى أن المقاومة في لبنان بدون سلاح, عندها ستنفذ فصول العدوان بأقصى وحشية ممكنة, وحشية تجعل من لبنان المجرد والمحروم من سلاح ردعه الذي فعل بالجيش الإسرائيلي ما فعل في حرب 12 تموز, درساً وعبرةً لكل من يريد أن يرفع طرفه بوجه إسرائيل.

لا نعدم الأدلة هنا, فيوم أثبت النظام العراقي السابق للمجتمع الدولي أنه نزع أسلحته الإستراتيجية, (بعد أن أوغل في دماء أبناء شعبه) وقتل نفسه كي يقنع العالم بحسن نواياه تجاه العالم (وليس شعبه), تصور ولغبائه أنهم لم يصدقوه, بينما كان العالم يصدقه وهو يعطي الدليل تلو الدليل أنه منزوع السلاح.
ماذا كانت النتيجة؟
هجوم وحشي تحت عنوان الصدمة والترويع, وتفضلوا.....هذا هو العراق لمن يريد أن يرى!!
ضحايانا قاربت مائتي ألف, ولم ننته بعد!!
بينما على الطرف الآخر, ويوم أعلنت كوريا الشمالية أنها تملك السلاح النووي, ودون اهتمامٍ بما يقوله المجتمع الدولي, فما هي الرسالة التي انطلقت من واشنطن, عاصمة القرن الأمريكي الجديد؟
وقف جورج بوش نفسه ولا أحد غيره ليقول: هنالك دائماً متسعٌ من الوقت للسياسة والتفاوض!!!


كثيرةٌ هي الأمور المعيبة التي تحدث في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي,
يكرر هذا الرئيس الأمريكي كل يوم أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها, هي ترتكب مجازرها بحق الأطفال قبل الكبار, بينما على الجانب الآخر, عالم عربي وإسلامي طويل وعريض, لا يجرأ على القول في المقابل أن من حق لبنان الدفاع عن نفسه!!
يكرر هذا الرئيس أن من حق إسرائيل القدرة على الردع أمام كل جيرانها, وهي التي تهاجم خارج الأرض المحتلة دوماً, بينما عالم عربي وإسلامي مترام الأطراف, لا يجرأ على القول أن من حق لبنان الحصول, وابتكار وسائل الردع للدفاع عن داخل أرضه ومنع عمليات الإنزال والاختراقات الجوية والقصف المدفعي على أراضيه وقراه كل يوم.


 

يوم يصبح لبنان خال من وسائل الردع التي تلجم العدو وتحرس السلام, وحين يثبت نواياه للمجتمع الدولي تحت هراء نزع الذرائع, ستكون صورة العراق مائلة أمام العيان.
ففصول العدوان القادم كُتبت بين سطور القرار 1701, أما ساعته فهي ما سيقرره من سيطعن المقاومة في داخل لبنان وخارجه, ولا أحد غيره على الإطلاق.

وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ - المائدة 56

((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون))

محمد حسن الخالصي
21 آب 2006