بين استحقاقات الوطن...وأطماع الاحتلال – 9

 هل تبني الطائفية السياسية مجتمعاً موحداً؟

منذ اليوم الأول الذي أعلنت فيه الفدرالية كهدف تسعى له بعض الكيانات السياسية المتواجدة في المنطقة الخضراء، (ولا أقول الحاكمة فيها لأن الحاكم هو الأمريكي)، منذ اليوم الأول لم نتوهم أنها فدرالية حقاً. عرفناها منذ اليوم الأول أنها تجزءة للوطن وتفتيت لبنيته وتقسيم لشعبنا، ولا شيء آخر على الطلاق.

 بين استحقاقات الوطن وأطماع الاحتلال

سلسلة مقالات بقلم المستشار السياسي والإعلامي بمكتب الإمام الخالصي (قدس سره)

محمد حسن الخالصي

حين يتسلل حرامي بغداد -1
الثمرة الأولى لقدوم حرامي بغداد -2
مليشيات خارجة على القانون وأخرى قانونية -3
تقنين الاحتلال بالاتفاقية الأمنية - 4
تقنين الاحتلال والحجيج للبيت الأبيض - 5
الدولة بين بناتها ونيران أهل الطائفية والعرقية -6
هل تبنى دولة تحت سقف الاحتلال؟ -7

هل يوجد قضاء تحت الاحتلال ليحاكم رموزاً وطنية؟ - 8

هل تبني الطائفية السياسية مجتمعاً موحداً؟ - 9
نفط رائحته سرقة وليس إعمار !! - 10
أمريكا التي أزالته جاءت بشكل النظام الذي تبعه! - 11
قوات المرتزقة الخاصة لاستمرار جرائم الاحتلال في العراق - 12
يخالفون بنداً في المعاهدة ويقبلون الباقي - 13
حتى يدفع العراق ضريبة 11 سبتمبر!! -14
خطأ ثورة العشرين... في ذكراها!! -15
نقاط كوندليسا التي لم تترجمها  BBC و CNN  -ا 16
 

والنساء والرجال، وكما حدث في مدينة الصدر يوم ( 29 نيسان 2008).

 

لم نتعجب في أول أيام الاحتلال حين سعى أعضاء هيكل طائفي معروف لتهنئة قيام مؤتمرٍ طائفي تأسس في البدايات!

 كانا من توجهين مختلفين في الظاهر ومتصارعين اليوم في نظام الخضراء، بحيث يزعق الأول على الثاني حسب اللعبة بأنهم (نواصب) ويزعق الثاني على الأول وحسب اللعبة نفسها بأنهم (صفويون)!! ولكنهما لم يختلفا يوماً على نزاهة "بول بريمر"، ولا مؤسس حرب الإرهاب المضاد "جون نيغرو بوينتي" ولا  "زلماي خليل زاد" وأخيراً "رايان كروكر"!!

 

هنأ أحدهما الآخر يومها بوجوده، لأن كل واحد منهما بحاجة إلى الآخر لتبرير فعله!!

ما زلت أتذكر ما أرسل به الطائفي الأول ليخبر به الطائفي الثاني، قال: (كنا ننتظر منكم هذه الخطوة، ونحن بحاجة لمن يمثل طائفتكم)!!

 

هذان التشكيلان هما مجرد مثال، لأن قوى مختلفة انخرطت في عملية الطائفية السياسية، حتى التي تسمي نفسها إسلامية أو وطنية أو علمانية أو يسارية، وانتهى التمثيل الوطني. هكذا يريد هنري كيسنجر ( يعرفون أو لا يعرفون) وهكذا فعلوا هم (والكل يعرف)!

 

اتفقا على أن يمثل أحدهما طائفة مذهبية، ويمثل الآخر طائفة مذهبية أخرى، ولتكمل أحزاب ميليشيات الشمال الحلقة ليصبح التمثيل شمالاً عرقياً وعنصرياً وليس مذهبياً طائفياً.

أما أن يمثل العراقيَ عراقيٌ وبهذه الصفة فهو من المحرمات، واشتغلت الماكينة الإعلامية يومها ومن بعدها ماكينة القتل لتثبت أسس الطائفية السياسية بالدم والجريمة والتهجير وكلٌ حسب دوره المرسوم بكل ما يتبع ذلك من مآس.

 

لا نعبأ للشعارات وكثرة استخدام اللافتات الإسلامية أو الوطنية بالكلام والبيانات، بل ننظر للأفعال وما تؤدي إليه، وقلنا في بحثنا المتواضع" حطام الأوطان بقايا الدول في الشرق الأوسط الجديد" أن الأفعال أصدق أنباءً من الأقوال. فهي توضح الطريق بالممارسة الواضحة البينة.

لذلك فكل من رفع شعاراً طائفياً وطبق ذلك بالممارسة الظالمة أو الجريمة، فهو في طريق هنري كيسنجر(1) وديك تشيني وجورج بوش الصغير، سواء كان في المنطقة الخضراء أو كان خارجها، رفع شعاراً واضحاً مع المحتل أو رفع شعاراً يدعي فيه معارضة المحتل وكان في الفعل والعمل سكين المحتل الذي يقطع به الأوصال، ويحيي سنناً ما أنزل الله بها من سلطان في قتل الناس على الهوية!!. لذلك نقول: ننظر للأفعال وليس الأقوال.

لا تسمح الطائفية السياسية أن يمثل العراقي مواطنه العراقي، بل يمثله ابن طائفته فقط، وعلى هذا الأساس فإن من يعرض موقع فئة حزبية (وهي طائفية هنا) للخطر هو ابن طائفتها أكثر من أبناء الطوائف الأخرى لأنه ينازعها تمثيلها ويزاحمها في شرعيتها المدعاة، ولهذا السبب نرى كيف صاروا يستبسلون في قتال أبناء طوائفهم شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً. ونرى كذلك كيف يتحدون ويجتمعون ضد أي عمل سياسي إسلامي وطني جامع أو فصيل وطني مقاوم.

 

قلناها سابقاً ونقولها الآن: الطائفية السياسية ليست من سمات المجتمع المتحضر، بل هي من سمات المجتمع الذي تحكمه الهواجس والمخاوف، هذا حين لا يكون محتلاً، أما إذا كان محتلاً ويعاني من وجود جماعات تتعاون مع المحتل، فلا تصبح الطائفية السياسية سمة من سمات المسكونين بالهواجس فقط، بل  سلاحاً للدمار الشامل، لأنها لا تأتي من المخاوف التي قد يكون بعضها مشروعاً، ولكنها مع الاحتلال تأتي بالاستقواء المشوب بمصالح المحتل.

 

نظرة إلى العراق والقوى التي عملت مع المحتل و حقيقة حجمها دونه تعطينا الجواب!

 

لا تبني الطائفية السياسية دولة، بل تقيم كيانات هزيلة مسكونة بالخوف والترقب وتتردد ألف مرة في مساندة أبناء جلدتها في وطنها حين يدافعون عن أنفسهم، وتكون أبعد ما يكون عن وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته بأنهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. كيانات تنظر إلى سوط ملوك الطوائف الذين عينهم المحتل حرساً له على رقاب الناس وتمنعهم من مساندة أخوانهم في الدين والوطن.

لا تبني مؤسسات دولة، ولا اقتصاد دولة، ولا أمن دولة، ولا جيش دولة، بل تبني تجمع ميليشيات سيكون أولى مهماتها مهاجمة القوى الوطنية، ومن ثم حراسة كيانات الأحزاب الطائفية، ولا تنفع في الدفاع عن الوطن ضد مهاجم خارجي، ولا هي أداة توحيد داخلي، لذلك هي بحاجة للمحتل دائماً وكما تصرح على رؤوس الأشهاد دون خجل.

كي نكون على أول الطريق لبناء دولة كريمة تعزنا، يجب أن نهدم وكر الطائفية السياسية التي يسمونها تعدياً على العقل والمنطق وشواهد الأحداث بالفدرالية ونرفض نتائجها.

من استحقاقات الوطن أن تبنى فيه دولة، أما قيام ممالك الطوائف فهي من أطماع الاحتلال ولا شيء غير هذا.

وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

محمد حسن الخالصي

24 ربيع الثاني 1429

الأول من أيار 2008

 ---------------------------------------------------------------------------

(1) حسب نظرة كيسنجر فإن شعب العراق شيعة وسنة وأكراد وليس شعباً عراقياً، والعراق ليس وطناً موحداً بل "فدراليات" متصارعة على شبر من الأرض هنا وهناك، ومطامع يعتركون في كيفية تقديمها لشركات المحتلين ليس إلا!!

وحين ينتخب ابن طائفة أو عرق أخر في قائمة مختلفة فيجب عليه أن يمثل المصالح الطائفية والحزبية لمن انتخبه، وهي واضحة في مجلس الخضراء على قلتها.