بين استحقاقات الوطن ...وأطماع الاحتلال – 7

هل تبنى دولة تحت سقف الاحتلال؟

حدثني بعض السادة عن تجربتهم يوم صدقوا أن الأمريكيين يريدون أن يبنوا ديمقراطية على الطراز الغربي في العراق، واسترسل غير واحد من هؤلاء الأخوة الذين تركوا مبكراً (اللجان العراقية*) في عهد "جي غارنر**" ومن ثم " بول بريمر" كيف كانت تتكون من مجموعات غير متجانسة من الأشخاص، بعضهم كان صدق فعلاً أن ما يراه في أوروبا وأمريكا من مدنيةٍ وجمال بناءٍ وقوانينَ رعايةٍ اجتماعيةٍ سينتقل إلى أرض الوطن!!، ويصبح العراق في مصافِ تلك الدول!!

البعض الآخر كان يفكر في الانتقام والثأر لسوء أصابه وأصاب عائلته من قبل النظام السابق الذي ما قصر في هذا المجال وزرع الموت والدمار والخوف والتشتت في كل ربوع الوطن ولكل منا نصيب من تلك الجرائم.

 

 بين استحقاقات الوطن وأطماع الاحتلال

سلسلة مقالات بقلم المستشار السياسي والإعلامي بمكتب الإمام الخالصي (قدس سره)

محمد حسن الخالصي

حين يتسلل حرامي بغداد -1
الثمرة الأولى لقدوم حرامي بغداد -2
مليشيات خارجة على القانون وأخرى قانونية -3
تقنين الاحتلال بالاتفاقية الأمنية - 4
تقنين الاحتلال والحجيج للبيت الأبيض - 5
الدولة بين بناتها ونيران أهل الطائفية والعرقية -6
هل تبنى دولة تحت سقف الاحتلال؟ -7

هل يوجد قضاء تحت الاحتلال ليحاكم رموزاً وطنية؟ - 8

هل تبني الطائفية السياسية مجتمعاً موحداً؟ - 9
نفط رائحته سرقة وليس إعمار !! - 10
أمريكا التي أزالته جاءت بشكل النظام الذي تبعه! - 11
قوات المرتزقة الخاصة لاستمرار جرائم الاحتلال في العراق - 12
يخالفون بنداً في المعاهدة ويقبلون الباقي - 13
حتى يدفع العراق ضريبة 11 سبتمبر!! -14
خطأ ثورة العشرين... في ذكراها!! -15
نقاط كوندليسا التي لم تترجمها  BBC و CNN  -ا 16
 

 كما تحدث الأخوة عن نوع ثالث من أعضاء تلك اللجان وهم الذين فهموا أن فرصة جاءت للنهب والسرقة من جهة وللتسلق إلى مواقع السلطة والأضواء من جهة أخرى، ولم أقل هنا التسلق إلى مواقع القرار، لأن القرار يجب أن يبقى بيد المحتل ولا أحد غيره.

بعض المصدقين بديمقراطية "أمريكا في العراق" اكتشف مبكراً أنها مجرد سرقة مسلحة وليست "تحريراً" للوطن من براثن الديكتاتورية التي رعاها المحتل لفترة طويلة ثم أضعفها هو بنفسه تمهيداً للغزو والاحتلال، فما لبث أن ترك المستنقع، وبعضهم صار يكتب بشجاعة عن تجربته دون خوف قائلاً: ما هذا الذي ذهبنا من أجله.

 لم نصدق يوماً من الأيام من ناحيتنا، وعلى مدى قرن من الزمان أن محتلاً يمكن أن يبني دولة على أرضنا وفي وطننا.

تُبنى الدولة بسواعد الشعوب الواعية, ولا يبنيها الغزاة والمحتلون، ولا الجبابرة ولا المتسلطون الظالمون.

لا يجب أن ننسى من طبل وزمر ومارس التضليل والخديعة وقال أن العراق سيكون مثل اليابان وألمانيا بعد الاحتلال الأمريكي.

 

ليس الاحتلال هو الحاضنة الطبيعية لبناء الدولة، بل هو الحاضنة الطبيعية للانقسام والتشتت وبالتالي تحطيم الدولة، ألم تكن أبرز شعاراته التي طبقها هو شعار " فرق تسد"؟.

فلننظر إلى المحاصصة الطائفية العرقية التي طبقها الاحتلال ونرى هل هي لبناء الدولة أم للتفرقة والتشتيت؟

وللاحتلال سقف واطئ لن تتعداه الكيانات العاملة في ظله، ولهذا السبب لن تتمكن من بناء دولة حتى وإن أرادت تحت سقف الاحتلال.

 

يمسك الاحتلال بالملفات الرئيسية في الوطن وهي: السياسي والأمني والمالي، ولذلك لن تتمكن أي قوة سياسية (حتى وإن كانت مخلصة ووطنية، فضلاً عن العميلة والمرتبطة!) من القيام بأي اختراق في هذه المجالات الثلاث بينما الاحتلال قائم.

 

- فلا الهيمنة على الملف السياسي تسمح بعملية تمثيل شعبي حقيقي للنظام المرتجى، لذلك تُتّبع أكثر الطرق تخلفاً وأشدها تظليلاً وأقذرها أساليب لتزوير الإرادة الشعبية في وطننا العراقي لصالح كيانات مؤتمر لندن سيء الصيت!

- ولا الهيمنة على الملف الأمني برمته يسمح ببناء جهاز أمن وطني أو جيش وطني يحمي المواطن و الوطن قبل النظام وأحزابه!

- ولا الهيمنة على الملف المالي واستخدام أكثر الناس جهلاً وفساداً وتخلفاً كواجهة لسرقة ثروة العراق، سيسمح بصرف الموارد على بناء الدولة ومؤسساتها. بل سيصبح هذا الملف هو الأهم، بعد أن اختصرت أكذوبة " تحرير العراق" بعملية سرقة مسلحة كل ما بقي منها هو نقل المسروقات إلى مغارة اللصوص، حيثما سيكونون بعد خروجهم من الإدارة نهاية العام.

 

ولكل واحدة من هذه النقاط حلقاتها الخاصة بإذن الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا اصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين.

حين يسيطر المحتل سياسياً ينفذ هو بنفسه وبآلته العسكرية ما يستطيع، فإذا وصل إلى ما لا يستطيع لعلة ما، أملاه على المرتبطين به، ورأينا بالأمس القريب في البصرة واليوم في مدينة الصدر سيل الدماء البريئة بيد المحتل مباشرة تارة وبيد الأعوان أخرى، وكيف أن رأس إدارة الشر والجريمة الأمريكية يمتدح أفعال نظام الخضراء على ما تفعل!! بل وأرسل اليوم (20 نيسان 2008) وزيرة شره وتحريضه إلى المنطقة الخضراء لتشجيعها على الاستمرار في الجريمة على وقع الدماء التي تسيل في العراق نصرة لإدارته واحتلاله الوطن.

 

حين يسيطر المحتل سياسياً بعد أن سيطر عسكرياً تكون الجريمة مرافقة لكل أفعاله، ومن أجل ذلك يحتاج إلى حصانة قضائية لجنوده ضد القضاء في العراق.

ليس في بناء دولة محترمة في العالم من هو فوق القانون.

بينما المحتل في العراق فوق القانون!!

بل هو يكتب القانون، كما كتب "بول بريمر" الأمر 17 الخاص بحصانة المحتلين القضائية، بل والمرتزقة (بلاك ووتر وغيرها) أيضاً، ويأتي من بيننا بأناس يبصمون على ما يأمرهم به وجعل جنوده ومرتزقته فوق القانون!!

فهل تُبنى دولة فيها قانون تحت الاحتلال؟

ستصبح هنالك مستويات للقانون وتطبيقه تحت الاحتلال: مستوى أعلى لمن هم فوق القانون، وهم سلطة الاحتلال وجنوده والمرتزقة الذين يقتلون بالأجرة!!.

ومستوى ثاني للطبقة الأولى من العملاء والذين ينفذ المحتل كل ما يريد عبر واجهاتهم!

ومستوى ثالث لأعضاء هذه الكيانات التي تشكل دشم الحماية وأكياس الرمل للمحتلين والمرتزقة ((الذين يقتلون بالأجرة المدفوعة من ميزانية الإعمار!!)).

أما المستوى الأخير فهو لعموم الناس حيث يطبق عليهم ما هو تحت القانون، فحتى دمائهم وأعراضهم لا يحميها هذا القانون تحت الاحتلال.

اسألوا البصرة والعمارة !! اسألوا الفلوجة وحديثة!! اسألوا الكوت والديوانية والنجف وكربلاء!! اسألوا الموصل والرمادي وكركوك وتلعفر وطوز خرماتو!! اسألوا الخالص وبعقوبة! اسألوا مدينة الصدر المحاصرة اليوم والشعلة المستباحة في بغداد! بل اسألوا كل شهدائنا! الأطفال قبل الكبار، والنساء قبل الرجال:

هل من شخص في نظام الخضراء سائل الأمريكيين، بالفعل وليس بالكلمات السخيفة، هل هو سائلهم عن دمائكم؟؟

 

فهل تبنى دولة ومؤسساتها تحت الاحتلال؟؟

 

أصل عمل الدولة هو أن تنصف المواطن وتحميه بالقوانين، وتوفر بنية الخدمات له، كائنا من كان الجهاز الحكومي الذي يدير هذه الدولة.

فهل يستطيع كيان تحت الاحتلال وسقفه أن ينصف المواطنين، وشهدائنا وعائلاتهم بالخصوص, وقد سقطوا بيد المحتل مضرجين بدمائهم؟؟

 

نعم نحن بحاجة إلى دولة تنصفنا، تحترمنا، تدافع عنا، تقيم وزناً لدمائنا، تحفظ كرامتنا وأموالنا، وهذه ليست ولن تكون تحت الاحتلال.

أما تكفي خمسة أعوام كي تعطي الجواب؟

 

الدولة يبنيها شعبٌ حر، لا احتلال فيه يكبله ويستعبده. ولكي نبني الدولة، فلابد من تحرير الوطن من قيد الاحتلال الذي يكبل كل الشعب العراقي.

ليس التحرير مهمة أحد بمفرده في وطننا! ليست مهمة كيان سياسي أو شعبي كائناً من كان ومهما بلغ من بطولة، بل هي مهمة الشعب كله كي يستحق الدولة الصالحة التي تنظر إلى المواطن على أنه سيد هذا الوطن كائنا من كان, وأياً كان.

فإذا ما أدركنا هذه الحقيقة اليوم، سيبدأ الطريق اليوم!

أو ندركها بعد خمسين عاماً، سيبدأ الطريق بعد خمسين عاماً، ويكون قد صدق قول الله فينا: ((وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ))

 

((والله غلب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون))

 

محمد حسن الخالصي

13 ربيع الثاني 1429

20 نيسان 2008

 

http://www.madenatoleelm.net/oppnion/Mo%20Hassan/articles/15/Artical_7.htm

-----------------------------------------------------------------------------------------------

 

* هي لجان شكلها الأمريكيون من عراقيين يقيمون في المهجر وقاموا بتدريبهم في الولايات المتحدة والمجر اليونان وبريطانيا وإسرائيل على بعض الفعاليات التي تخدم الأمريكيين في نهاية المطاف، وبعض هؤلاء من حملة الخبرات والشهادات العالية ليكونوا واجهة الاحتلال الأمريكي، وقد أخبرهم الأمريكيون حسب قولهم أن العراق سيكون كأمريكا في سرعة البرق!! وقد انتهى بعضهم إلى مجرد مترجمين أثناء تحقيقات الأمريكيين في العراق المحتل، وترك الكثير منهم اليوم هذه اللجان عدا المجموعة التي عينها "بول بريمر" بقراراته التي لا تنقض وما زالوا في بغداد.

** "جي غارنر" هو أول حاكم أمريكي للعراق بعد احتلال بغداد، و يدير شركة نفط في شمال العراق كحصة له من "عملية التحرير الأمريكي"!!