بين استحقاقات الوطن...وأطماع الاحتلال – 6
الدولة بين بناتها ونيران أهل الطائفية والعرقية
حقاً إن وطننا العراقي بحاجة إلى رجال دولة يقيمون القواعد لدولته كما أقام إبراهيم عليه السلام القواعد للبيت الحرام، صلبة قوية قائمة على الإخلاص والتوحيد وحب الوطن وإحاطته بقلوبهم وحمايته بأنفسهم.
لا يمكن أن يكون رجل الدولة طائفياً ولا عرقياً ولا حزبياً منغلقاً، ولا يمكن أن يكون عميلاً أو مرتبطاً أو منفذاً لأمر غير أمر ربه وشعبه.
الوطنية هي النقيض تماماً للطائفية والعرقية.
يُنقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: عُمرت البلدان بحب الأوطان.
وأسأل بمحضر شعبنا العزيز: هل هؤلاء الذين نراهم في نظام الخضراء رجال دولة؟؟
حين رأيت اجتماع كتل المنطقة الخضراء وقرأت أسماء الحضور وما غرد به السادة من كلمات بمختلف انتماءاتهم الطائفية والعرقية بعده, تذكرت أحدهم وهو يحرض بالأمس القريب على عراقيين كان يسميهم " أعداء أهل البيت!!", وتذكرت الآخر وهو يحرض على عراقيين يسميهم "الصفويين والروافض!!", وتذكرت آخر يحرض ضد وجود العراق كله، بل كان يصفه "بالدولة الكاذبة!!" ولابد من كركوك داخل كيانه النفسي المريض بالعرقية، وآخر يسمي بمصطلح "مناطقنا ومناطقهم!!"، كانوا هم ذات الأشخاص الذين اجتمعوا يوم 11 نيسان 2008 في المنطقة الخضراء. هم أنفسهم أصحاب ذلك التحريض ومؤججي نيران الفتنة مجتمعون على ذبيحة هي باختصار كل صوت لا يقبل بالاحتلال.
وكنت على يقين يوم كانوا يحرضون الناس خارج المنطقة الخضراء على بعضها البعض أنهم يقضون الليالي سوية ويقيمون العزائم والولائم مجتمعين، ثم يعدون جثث الضحايا بعدها، أيهم له رصيد أكبر منها!
فكلما ارتفع عدد الجنائز من طائفته أو عرقه، فرح واستبشر لأن هذا يعني أحقيته ومظلوميته!!
لا يمكن أن يكون الطائفي والعرقي وطني.
بإمكانه أن يكون أي شيء سوى أنه إسلامي و وطني!
حين تسمع تهديدات نظام المنطقة الخضراء بكل تركيبته الطائفية والعرقية تتصور أنك في دولة القانون والمؤسسات!
دولةٌ يعلو القانون بها ولا يُعلى عليه شيء.
تسمع عبارات طنانة ورنانة تجعلك تسأل: أي رجال دولة هؤلاء الذين يقولون الكلمة ويطبقونها على أرض الوطن، وفي كل شبر منه! بينما يعجز قائد القوات المسلحة برمتها عن حماية عائلة عراقية واحدة تستهدفها طائرات المحتلين وتبيدهم إبادة تامة!!
لنراجع بعض هذه الكلمات:
((وجدنا إن أهالي البصرة ومسؤولي الدوائر الحكومية يتعرضون للإهانة والابتزاز من قبل العصابات ، وقمنا بعملية الهدف منها تثبيت أسس الدولة ومواجهة الخارجين عن القانون))
وكذلك:
(( هؤلاء الخارجون عن القانون أكدوا أنهم ضد أمن واستقرار المواطن وحجر عثرة في طريق تقديم الخدمات ونمو الاقتصاد وهم امتداد للنظام السابق وبعضهم من فدائيي صدام و القاعدة لكن بثياب أخرى))
وأكد قائلا (("إننا لا نتفاوض مع العصابات لأن ذلك يعد خرقا دستوريا وقانونيا ،وقد حاولوا الاتصال بي ومازالوا يحاولون وأنا أرفض ذلك من اجل مستقبل العراق والعملية السياسية لأننا في هذا الموقع اليوم وسيأتي غيرنا غدا في المسؤولية ويجب أن نضع أساسا صحيحا للذين يأتون من بعدنا لتسلم المسؤولية")).
نقلت هذه الكلمات عن مختلف رموز الخضراء، وهنالك غيرها عن موقع أحد جرائد بغداد التابعة لهم، حتى لا نتجنى على أحد بما ننقل!
كان السفير الأمريكي أول من سخر من أهل المنطقة الخضراء التي يحكمها هو دون غيره أثناء تواجده في الولايات المتحدة لمراجعة أوضاع العراق تحت الاحتلال بقوله: أنه أنقذ بعضهم في البصرة أثناء معاركها بعد أن كان على وشك الوقوع بيد المقاتلين!
ولم يوفر قائد قوات الاحتلال في العراق سخريته أيضاً في واشنطن أمام الكونجرس، حيث قال ديفيد بتريوس مجيباً على سؤال عضو الكونجرس الذي سأله هل كنت على علم بالعمليات في البصرة ضد جيش المهدي قبل نشوبها؟ فقال ساخراً: نعم جاء وقدم لي خططاً وقال أنه متأكد من نجاحها، وبدت لي منطقية فوافقت، إلا أن شيئاً منها لم يطبق على الأرض، ولذلك كانت النتيجة كارثية كما رأينا.
واليوم تحدثت قناة (msnbc ) ساخرة من حكومة الخضراء ونقلت خبراً عن قيام الميليشيات (ويقصدون جيش المهدي مرة أخرى) بدور الإغاثة عوضاً عن الدولة للكثير من العائلات المهجرة داخل العراق!!
لا أدري هل يدرك هؤلاء السادة الذين يجلس واحدهم منتفخ الأوداج رغم وجود جيش محتل تعداده يزيد على مائة وثمانين ألفاً، هل يدركون مدى يأس الناس منهم وسخرية العدو المحتل بهم؟
يتحدث الأستاذ عن الاهانة التي يتلقاها موظفو البصرة ولعمري لابد من حمايتهم، ولكنه لا يشعر بإهانة المرتزقة وشركاتهم في شوارع بغداد!
قتل المرتزقة مواطنينا لأنهم لم يشعروا بالأمان في ساحة النسور وفي غيرها!!
فهل هنالك أبلغ من هذه الإهانة؟ لماذا لا يشعرون بها؟
فقراء البصرة وبغداد خارجون عن القانون، بينما المحتلون الذين احرقوا جثث الفتيات وأهلهم بعد الاغتصاب والقتل لم يخرجوا على القانون!! والذين قتلوا الناس تغطية لجريمتهم في حديثة مثلاً لم يخرجوا على القانون!!
الطائرات الأمريكية التي قصفت بالأمس واليوم أحياء مدينة الصدر وقتلت الأطفال، هذه أيضاً ليست خارجة عن القانون، بل الأطفال بنظر الأستاذ خارجون عن القانون!!
هل فقدتم الشعور الإنساني إلى هذا الحد؟
قال أحد أعوان الاحتلال الذين يشكون ويولولون ويبكون من التهميش دائماً ناطقاً باسم جبهته: ((حصل تقارب بين الحكومة وكتلته النيابية نظرا لمواقف الجبهة الداعمة لرئيس الوزراء في أحداث البصرة الأخيرة وتأييدها لقرار حل الميليشيات وملاحقة الخارجين على القانون))
ثم قال آخر مبرراً تأييده قتل المدافعين في البصرة عن بيوتهم وأهلهم: ((الدولة العراقية في أحداث البصرة الأخيرة كانت أقرب إلى حافة الانهيار وبالتالي لم يكن لجبهته خيار آخر إلا أن تصطف مع الحكومة ومؤسساتها ومع القوات المسلحة العراقية))
ولم يخض هذا النظام الذي يسميه هذا الرجل بالدولة معركة واحدة، لا عسكرية ولا سياسية ضد جيش الاحتلال، أو ميليشيات التقسيم المتغلغلة في الدولة، بينما القتل والاعتداء والقصف على رؤوس أهالي البلاد وأبناءها!
فهل هؤلاء رجال دولة، ووطنيون يعتمد عليهم في بناء دولة تحترم مواطنها؟
أم أنهم مدعاة لسخرية المواطن، وهم الذين اختطفوا اسم الإسلام إلى حزبهم زوراً وبهتاناً؟؟
السخرية أحياناً بالأفعال، وهي أبلغ من الأقوال!
وهذا ما تفعله الميليشيات الشمالية بشركائها في المنطقة الخضراء.
اعتدتُ أن لا أذكر سوى أسماء المحتلين، على الأقل في الوقت الحاضر، لذلك لا أذكر مساكين المنطقة الخضراء سوى بالصفات فهي ابلغ في الوصف من ذكر الأسماء.
من سخرية القدر أن تترك الميليشيات الشمالية لقادة أحزاب المنطقة الخضراء مهمة نفي كونها ميليشيا.
يحارون في كيفية إطلاق مختلف التسميات عليها لإخراجها من حالة الميليشيا وبأسلوب يدعو للرثاء، يسمونها مرة حراس الإقليم، وأخرى القوات المنضبطة وغيرها من التسميات!!، وقادة الميليشيات تلك يرفعون العدد كل يوم رغبة في استلام حصة أكبر لقاء رواتبهم، وقد وصل عددهم إلى أكثر من عدد الجيش العراقي " الجديد" بما فيها الفرق العرقية التي تتبع تلك الميليشيات الشمالية!
ميليشيات الشمال احتجزت أسلحة فيلقين من الجيش العراقي بما فيها المروحيات، ويرفضون تسليمها حتى لحكومة المنطقة الخضراء رغم كونهم مسيطرون فيها، بينما تتلاعب أحزاب الخضراء بالكلمات وتحتال على التعبير كي تخرج ميليشيات الشمال من هذه التسمية وهي الميليشيات التي لم تقاتل طوال عمرها سوى العراقيين، عرباً وتركماناً وكرداً!!
فهل هؤلاء رجال دولة حقاً كما تدعي الكلمات التي أتحفونا بها؟
بلادنا بحاجة حقاً لرجال دولة، يشعرون بالمسؤولية ويجعلون المواطن يشعر بها معهم
معاييرهم واحدة وثابتة لكل العراقيين ولا يسامحون أنفسهم ولا غيرهم في تجاوز هذه المعايير!
فهل في أهل الخضراء شيء من هذا؟
من يفكر بعقلية رجل الدولة الوطني، لا يقسم شعبه إلى مواطنين ومستوطنين! لأن هذه هي عقلية الاحتلال!
ماذا يمكن أن نعتبر من يفكر بهذه العقلية وهو يقول: ((أهل الشمال مواطنون، وأهل الوسط والجنوب مستوطنون! ولا يحق لعراقي أن يشتري أرضاً في شمال العراق!))
هل هذه هي عقلية رجل الدولة؟ أم هي عقلية عنصري يسجد للمحتل؟
((لا يحق لعراقي التنقل والسكن داخل بلاده! بل يحتاج إلى كفيل لذلك!!))
هل هذه أفعال رجال الدولة؟ أم أفعال عنصريين (شوفينيين) تحميهم حراب المحتلين من كل شعبنا؟
تهمل سلطة الميليشيات كل مدن الشمال العراقي عدا مركزي المشيختين، وبينما توجه اهتمامها لجلب الناس من دول الجوار إلى كركوك!
هل هذه أفعال رجال دولة؟ أم أفعال عقلية صهيونية مارستها من قبل وتعيدها في العراق اليوم؟
هل بإمكان المنطقة الخضراء أن توجه أمراً عسكرياً واحداً للميليشيات الشمالية؟
من يفكر بعقلية رجل الدولة، يحاسب نفسه على ما يقول وما يفعل، كي يكون موضع احترام شعبه وثقته، لا أن يصبح أضحوكة القاصي والداني!
لا ينطلق من المنطقة الخضراء سوى فعل محتل، وإن حدث بيد الأعوان، ولا نلمس منها سوى عملية تقسيم حاقدة يأمر بها الغازي وإن ارتكبتها يد العملاء.
وللحديث عن هذا الموضوع صلة
ويبقى أن ما سيجري لوطننا هو أمر يقدره الله وحده، الذي هو رب البيت والوطن ومن فيه، وهو غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
محمد حسن الخالصي
8ربيع الثاني 1429
15 نيسان 2008