بين استحقاقات الوطن ......وأطماع الاحتلال - 5
تقنين الاحتلال والحجيج للبيت الأبيض
لماذا يحتاج العراق إلى اتفاقية أمنية إستراتيجية وشاملة، وبعيدة المدى أيضاً!! مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
ولماذا تحتاج الولايات المتحدة نفسها إلى اتفاقية أمنية مع حكومة عراقية اليوم وليس غداً؟
بعض الجواب كان في الحلقة الثانية من هذه المقالات، والتي كتبنا فيها ما يلي:
((وقع رموز المنطقة الخضراء اتفاق مبادئ للهيمنة الأمريكية على العراق مع رئيس الإدارة الأمريكية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي 2007، وهو اتفاق مبادئ فقط وليس اتفاقية أمنية معلومة البنود!، هكذا أرادها الأمريكيون لأسبابهم الخاصة، ولو أرادوها اتفاقيةً نافذةً لحصل لهم ما يريدون منذ يومها الأول، فالمعادلة في "العراق الجديد" هي كما يلي: الأمريكيون يكتبون ورموز المنطقة الخضراء يوقعون، هذه هي الحقيقة المرة)).
وهنا نكتب بعضاً آخر من الجواب:
ذكرت بعض وسائل الإعلام أن النقاش بين الجانبين العراقي والأمريكي يتلخص في أن المنطقة الخضراء تريدها اتفاقية شاملة في جميع المجالات ليستفيد العراق من بعض الأمور مقابل التنازل عن الكثير، بينما الإدارة الأمريكية تريدها اتفاقية أمنية فقط، وفي ذلك تضليل ما بعده تضليل، وكذبٌ قرونه شاخصات، فليس لحكومة الخضراء وفي ظل الاحتلال أي رأي أو كلمة نافذة أو سلطة، وليس في مجلسها من يحتشم!
لذلك أرادته الإدارة الأمريكية اتفاق مبادئ ليس أكثر تختار منه ما تشاء، رغم أن كل ما فيه مهين للعراق وشعبه، وكل ما فيه تبعية عمياء لا حدود لها. كما أن آليات التنفيذ غير مذكورة بشكل علني، ما يعني أنها إما أن تكون بنوداً سرية ولا داعي لإعلانها على الملأ، أو أنها تُركت للجانب الأمريكي بكل تفاصيلها لأنه المسيطر والآمر الناهي والمنفذ بكل الأحوال.
إلا أن البنود في الاتفاق إياه ، سواء العلنية منها أو السرية، كانت من الخطورة بمكان بحيث اشترط جورج بوش الصغير حضور رموز المنطقة الخضراء بأشخاصهم كي يذهبوا إلى الولايات المتحدة ويوقعوا أمام عينه وإدارته على هذه الاتفاقية، وهؤلاء بدورهم طلبوا أن يحضر رؤوس الكتل الطائفية والعرقية حتى الصغيرة منها كي يوقعوا على الإعلان إياه ولكي لا يكونون وحدهم من وقع عليها، وهكذا ذهب القوم زرافاتٌ ووحدان إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتوقيع.
وإن سمي الاتفاق باسم الشخصين الذين وقعا عليه علانيةً، إلا أن الحج الذي شهدناه إلى أمريكا وقتها لكل الهياكل الطائفية والعرقية في "العراق الجديد" كان من أجل عرس بنات آوى في التوقيع الجماعي والقبول بكل ما ورد، بنوداً علنية وسرية، وكل ما تريد الإدارة إضافته أو حذفه فيما بعد في الاتفاقية المزمع عقدها إن حدثت لا سامح الله.
يمكنني أن أدعي أن المجزرة الأخيرة في جنوبنا العراقي المقاوم، بِدءاً من البصرة الباسلة وصعوداً إلى بغداد المقاومة كانت تنفيذاً لبند من بنود إعلان المبادئ إياه!
ورد في النقطة الثانية من اتفاق المبادئ في الجانب الأمني ما يلي:
((مساعدة الحكومة العراقية في مساعيها بمكافحة جميع المجموعات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم القاعدة والصدامين وكل المجاميع الخارجة عن القانون بغض النظر عن انتماءاتها والقضاء على شبكاتها اللوجستية ومصادر تمويلها وإلحاق الهزيمة بها واجتثاثها من العراق على أن تحدد أساليب وآليات المساعدة ضمن اتفاقية التعاون المشار إليها أعلاه )) هذا هو النص بالكلمات والحروف وكما أعلنته المنطقة الخضراء يومها.
وهكذا نرى أن ما أستُعمل من مصطلحات إبان الحملة التي سميت "صولة الفرسان" لم تكن محض صدفة!
وعدم علم الإدارة الأمريكية بالعمليات، كما ادعى بعضهم، هو مجرد ضحك على الذقون واستخفاف بالعقول
فمصطلحات: المجاميع الخارجة عن القانون، وربط جيش المهدي بالصفة والأسلوب بتنظيم القاعدة، وغيرها من العناوين التي استعملت إبان العملية الأمنية، جاءت كلها تنفيذاً للبنود التي وقعوا عليها في أمريكا أمام بوش وإدارته!
كما أن التصريحات المؤيدة للعملية العسكرية الأمنية من قبل الكتل السياسية، صغيرها وكبيرها، شماليها وشرقيها وغربيها دون استثناء كان التعبير العملي عن حفلة عرس بنات آوى في التوقيع الجماعي على البنود إياها في أمريكا!
وإني أربأ أن يكون بعض الأشخاص والمشايخ الذين أيدوا هذه العملية تسرعاً، على علمٍ بوقت ومكان وسبب إقرارها وتنفيذها، لأنها كانت ضمن بنود الاتفاق مع رئيس الإدارة الأمريكية، واستعجلها ديك تشيني حين جاء إلى المنطقة الخضراء، ((اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)).
لذلك عبر رئيس الإدارة الأمريكية عن سعادته بهذه العملية، وامتدح القائمين بها والمؤيدين لها.
فلينظر أبناؤنا في وطننا المحتل كله، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، لا نفرق بين أحد منهم، انتبهوا لما نقول هنا:
إذا كان هذا ما فعلوه على المدى القريب نتيجة لاتفاق مبادئ فقط!! فما الذي يمكن أن يفعله المحتل على المدى البعيد في ظل احتلال مقنن باتفاقية أمنية بعيدة المدى تكتبها الولايات المتحدة، وتأمر بها الولايات المتحدة، وتنفذها الولايات المتحدة على أرضنا، بيدها وقواتها، أو بانتداب من ينفذ وكالة عنها.
شمل اتفاق المبادئ الموقع عليه في أمريكا بين المنطقة الخضراء وبوش بنوداً تجعل أمريكا شريكاً في كل شأن عراقي داخلي وخارجي، هذا في المعلن منه والله يعلم ومن كتبه ووقع عليه ما في سره.
هذا الاتفاق يجعل حماية النظام الجديد في المنطقة الخضراء داخلياً وخارجياً شأنا أمريكياً، وكذلك عدم المساس بالدستور التقسيمي وعدم تجاوزه، و"المصالحة الوطنية العراقية"، وعلاقات العراق مع دول الجوار كلها شأناً أمريكياً.
بل إن بنود الجانب الأمني قد تعدت ذلك إلى جعل مهمة الدفاع عن العراق خارجياً هي مهمة أمريكية، وتعيين سياسة العراق الأمنية وتحديد العدو من الصديق والإرهابي من الطيب داخلياً وخارجياً هو شأن أمريكي، ولم تتوقف عند هذا الحد بل إن حدود قدرات الجيش العراقي وقدرته النارية ومداها ونوع تسليحه كله شأن أمريكي.
هنالك المزيد!
ولكن هل نحن بحاجة إلى المزيد؟
ونجيب هنا على السؤالين المذكورين في بداية هذه السطور:
لماذا يحتاج العراق إلى اتفاقية أمنية إستراتيجية وشاملة، وبعيدة المدى أيضاً!! مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
والجواب هو: أن العراق ليس بحاجة لاتفاقية كهذه، بل يحتاجها الذي هو بحاجة للحماية الأمريكية له ولحزبه، فانظروا من شارك فيها أو أيدها سواء بصلف وصوت عال، أو باستحياء لخبث ونفاق، ولا نفرق بين أحد منهم!
و لماذا تحتاج الولايات المتحدة نفسها إلى اتفاقية أمنية مع حكومة عراقية اليوم وليس غداً؟
والجواب هو: أن هذه الإدارة لا تحتاج إلى الاتفاقية وهي حاكمة، فجيشها متسلط ويفعل في وطننا ما يشاء بالقوة القاهرة، ولكنها تحتاج هذه الاتفاقية لما بعد رحيلها عن الإدارة في استثمار السرقة المسلحة الكبرى التي سميت " تحرير العراق" بالسيطرة على ثرواته وتدمير شعبه وتقسيم أرضه، هذا هو الجواب المختصر ولذلك تفاصيل طويلة.
أقول مرة أخرى أن هذه الكلمات ليست موجهة ضد أحد، ولا حتى ضد المنطقة الخضراء وسكانها!
وماذا أفعل بمهاجمة سكان الخضراء وهم أنفسهم أسرى المحتل بما كسبت أيديهم أو أسرى الخوف والرعب الذي صنعوه لأنفسهم ويتصورون المحتل هو حاميهم وناصرهم! وهو قاتلهم ساعة تنتهي صلاحية استخدامهم.
إنها حديث مع من نعيرهم الأهمية.... مع أبناء شعبنا شيباً وشباناً وأطفالاً، نساءً ورجالاً.
العورات مكشوفة ومفضوحة، ولا يستر العورات سوى الله تعالى وتقواه، والشعب الذي استهدفته جرائم الاحتلال ومن سار على طريقه.
فأي ذلة أخزى من ذلة تبعية الاحتلال، وافتضاح العورات أما الخلائق!
هذا الاحتلال سيطلب ويطلب ويطلب، ومن تبعه سيعطي ويعطي ويعطي، حتى لا تبقى خرقة تستر شيئاً من عورة، ولن يكتفي، وسيقول كما قال الشيطان:
((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) إبراهيم – 22
((وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ))
محمد حسن الخالصي
28 ربيع الأول 1429
6 نيسان 2008