بين استحقاقات الوطن ...وأطماع الاحتلال - 3
مليشيات خارجة على القانون وأخرى قانونية
 

استوقفني الموقف الرسمي لحزبين كرديين في الشمال العراقي يديران ميليشيا مزدوجة ومدعومة أمريكياً وغير أمريكي!!، حول الأحداث الأخيرة التي بدأت من البصرة بقولهما: ((إن شن القوات الحكومية العراقية حملة عسكرية ضد جيش المهدي يهدف إلى إعادة الأمن إلى المدينة والسيطرة على الميليشيات الخارجة عن القانون*))، هذه عين الكلمات والحروف التي استخدموها في موقفهم الرسمي.

 بين استحقاقات الوطن وأطماع الاحتلال

سلسلة مقالات بقلم المستشار السياسي والإعلامي بمكتب الإمام الخالصي (قدس سره)

محمد حسن الخالصي

حين يتسلل حرامي بغداد -1
الثمرة الأولى لقدوم حرامي بغداد -2
مليشيات خارجة على القانون وأخرى قانونية -3
تقنين الاحتلال بالاتفاقية الأمنية - 4
تقنين الاحتلال والحجيج للبيت الأبيض - 5
الدولة بين بناتها ونيران أهل الطائفية والعرقية -6
هل تبنى دولة تحت سقف الاحتلال؟ -7

هل يوجد قضاء تحت الاحتلال ليحاكم رموزاً وطنية؟ - 8

هل تبني الطائفية السياسية مجتمعاً موحداً؟ - 9
نفط رائحته سرقة وليس إعمار !! - 10
أمريكا التي أزالته جاءت بشكل النظام الذي تبعه! - 11
قوات المرتزقة الخاصة لاستمرار جرائم الاحتلال في العراق - 12
يخالفون بنداً في المعاهدة ويقبلون الباقي - 13
حتى يدفع العراق ضريبة 11 سبتمبر!! -14
خطأ ثورة العشرين... في ذكراها!! -15
نقاط كوندليسا التي لم تترجمها  BBC و CNN  -ا 16
 

وزير الخارجية من جهته وهو خال رئيس احد الحزبين في شمال العراق، وبالتالي فهو محسوب على أحدى الميليشيات الشمالية قال في دمشق على هامش القمة العربية ما يلي: ((اتخذت الحكومة العراقية قراراً حاسما بالتصدي للميليشيات الخارجة عن القانون))!!
وحين أقول حزبين كرديين، فهذا يعني أن موقفهما لا ينسحب على أبناء شعبنا من الكرد العراقيين الأصلاء في شمال الوطن، ولن تدفعنا أفعال الأحزاب إلى التفريق بين أبناء شعبنا، بالضبط كما لا تنسحب مواقف الأحزاب في المنطقة الخضراء على أي فئة من فئات شعبنا العراقي، فهذه الأحزاب هي المسؤولة عن مواقفها وليست فئات الشعب أياً كانت.

تستوقف المتابع كلمة ((الميليشيات الخارجة عن القانون)) التي تتكرر على لسان قادة الميليشيات الشمالية, ويستعملونها للتفريق بينها وبين الميليشيات غير الخارجة عن القانون برأيهم، أي الميليشيات المحمية والمدعومة أمريكياً، وشاركت أو أيدت احتلال الوطن، كما تذكرنا الرسالة المشتركة لزعيمي الحزبين إلى رئيس الإدارة الأمريكية الحالية جورج بوش ، فهذه الميليشيات الأخيرة هي ميليشيات محببة ويجب دفع رواتبها من ميزانية الجيش العراقي.
أما من يقاوم المحتل ويواجهه فهو ميليشيا غير شرعية، ويجب محاربته والقضاء عليه، وإن تطلب ذلك قصف البيوت وهدمها على رؤوس الأبرياء تحتها، كما حصل في غير مكان ومدينة وقرية في بلادنا.

أعرف أن هذا الموضوع حساس، وقد يوافقني بعض أبنائنا ويخالفني آخرون على خلفية الدعاية والحملات الإعلامية ضد هذه الفئة أو تلك، إضافة إلى الأخطاء التي لا تخلو جهة منها، إلا أن ذلك لن يوقفني عن وضع الأمور في نصابها الذي اعتقده صحيحاً، ومهمتنا حين نكتب سطورنا هي أن نجسر الهوة بين مختلف فئات شعبنا، لأن قوتنا في اتحادنا وليست في تفرقنا، والنجاة في معرفة مكامن القوة فينا وحسن استخدامها، وليس تبديدها.
ونحن ( وأقصد بنحن جميعاً) نجسر هذه الهوة، نعرف ونعي ما يمكن أن نتعرض له جراء ذلك، فكل صوت طائفي أو عرقي عنصري سينطلق ضد ما نقول، ولن نتوقع غير ذلك، إلا أن الصوت الوطني والضمير الحي سيتناغم مع ما نقول، ويساهم بالقول والفعل في تقوية الأواصر والروابط الكثيرة التي تجمعنا نحن أبناء العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.

فلنتصور أن المقاومة في لبنان كانت جهة سياسية فقط تقيم المهرجانات والمظاهرات المليونية في عدم شرعية الاحتلال، والمظاهرة حين تكون مليونية فهي موقف شعبي حقيقي، فهل كان الإسرائيلي سيتزحزح قيد أنملة عن أرض الجنوب هناك؟
هل كان يترك الجنوب، لأن المظاهرات المطالبة برحيله كانت مليونية؟
كلنا يعرف الجواب.
خسائر العدو الصهيوني هي التي أقنعته بترك الجنوب، وقوة المقاومة الضاربة هي التي لاحقته إلى "بوابة فاطمة" على الحدود مع فلسطين المحتلة، حيث أغلقها خلفه متربصاً ساعة جديدة لعدوانه!
والالتفاف الشعبي حول مقاومة لبنان الإسلامية رغم التضحيات، هي التي رسمت طريق التحرير هناك

يؤسفني القول أن في العراق مقاومات وليست مقاومة واحدة متحدة، وهو امتحان آخر لشعبنا الممتحن!، وأسباب ذلك ليست مادة هذه السطور.

ومن هذه المقاومات، وأوسعها انتشاراً هو جيش المهدي الذي لا أدري هل يجب تفريقه عن التيار الصدري؟
فمن ناحية تخصص العمل في السياسة أو المقاومة، هذا شأنهم ووفقهم الله للمساهمة الفاعلة في التحرير. ولكننا نكتب هنا لأن هذه الحالة تؤثر فينا جميعاً، لذلك نمسك أقلامنا ونكتب ونقول ما نتصوره ينفع شعبنا.

الملاحظ أن رموز المنطقة الخضراء وغلمانها ومنذ مدة ليست بالقصيرة وهم يحرضون مرة ويعتدون عبر عصاباتهم أخرى، ويحاولون الفصل بين حالتين، التيار الصدري الذي يجب احتضانه حكومياً كما يقولون من جهة، وجيش المهدي الذي وصفوه بأوصاف سلبية كثيرة من جهة أخرى، في سياسة واضحة ومفضوحة لدق الأسافين داخل الجهة الواحدة وتطبيقاً لسياسة "فرق تسد". وتتضح هذه السياسة هنا في هذه الجولة من المواجهة المؤسفة من الأحداث مرة أخرى.


يقولون أنهم لا يهاجمون تياراً بعينه فالمعركة ليست سياسية كما يدعون، ولكنهم يوجهون سلاحهم وبدعم عسكري واستخباري مباشر من المحتل إلى نفس الجهة باعتبارها جيش المهدي وليست التيار الصدري!!!
فحين المداهمة والاعتقال، وحتى القتل والإعدام أمام العائلة، يقولون أنه من جيش المهدي!
وحين يدعون بعضهم إلى المنطقة الخضراء، في محاولة التلويث، أو شراء من يمكن أن يُشترى، أو إلى السليمانية أو أربيل لتأييد الفدرالية مثلاً، يسمونهم بالتيار الصدري.

سمعنا وقرأنا الكثير من الأوصاف أطلقتها حكومة المنطقة الخضراء على الذين تقاتلهم، وهي في فوضى التصريحات تقول مرة أنهم ليسوا تياراً بعينه، ومرة أخرى تقول أنها نزلت الساحة تقاتل مجاميع إجرامية ففوجئت بتيار سياسي يواجهها وتقصد نفس التيار مرة أخرى!

قرأنا وسمعنا من رموز المنطقة الخضراء وجميع أحزابها أوصافاً مثل العصابات المنظمة والمجاميع الإجرامية والخارجين عن القانون والعاصون العابثون في الأرض والعصابات المنفلتة والمتخلفون، وغيرها من الأوصاف البذيئة أطلقت على جيش المهدي الذي قاوم الهجمة الغادرة التي شنت عليه والحرب التي فرضت فرضاً.


-
فإذا كان هؤلاء الذين يرفضون الهجوم عليهم واعتقالهم مجاميع إرهابية!
وإذا كان هؤلاء الشبان الفقراء عصابات منفلتة!
فماذا نسمي الذين يحتلون البلاد ويقصفون البيوت الآمنة بالطائرات، ويقتلون الأبرياء تحت ركامها، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً؟ بل يغتصبون ويحرقون من المغتصبات وعائلاتهن!
لا ننسى أن السادة في المنطقة الخضراء وأحزابها أسموا هؤلاء المغتصبون محررين، وهم في حقيقتهم قتلة إرهابيون مجرمون. ولكن لأنهم يحمونهم من غضب الشعب فجرائمهم مبررة، وعندهم ليسوا إرهابيين ولا منفلتين!!

-
وإذا كان البسطاء الذين هم في معظمهم لا يملكون أكثر من قوت يومهم، خارجون عن القانون!
وإذا كانوا رغم اصطفافهم لانتخاب مجلس نواب الخضراء في خديعة الانتخابات ( وقد كتبنا لهم يومها نصيحة الأخ المحب الحريص بأنهم قيادة نثق بها وجماهير نؤمن بوعيها ونبهناهم يومها إلى عدم الانجرار إلى تلك الانتخابات والمحتل يسيطر على مقدرات البلاد)، إذا كان هؤلاء عاصين وعابثين!
فماذا نسمي الذي سلم كل مقدرات بلاده إلى المحتل، أمنها وحدودها وثرواتها وقوانينها واقتصادها وحاضرها وحتى مستقبلها ومصيرها؟
لا ننسى أن السادة في المنطقة الخضراء المحتلة قد سلموا كل تلك الأمور الخطيرة إلى المحتل، بينما يصفون الشبان الذين يرفضون اعتقالهم وقتلهم ويدافعون عن أنفسهم بكل هذه الأوصاف ظلماً وعدواناً.

أعود إلى مثال المقاومة الإسلامية في لبنان والتي رغم الانتصارات التي حققتها فهنالك في لبنان من يريد أن يكافئها بمحاولة ذبحها وفاءً للقوة المتجبّرة والمتسلطة في هذا العالم ولصالح العدو المتربص جنوباً، وأقول أن المد الشعبي والالتفاف الجماهيري الكبير ما كان ليحصل لولا المنهج الوطني لتلك المقاومة الباسلة في لبنان.
وهي حتى هذا اليوم في إعلامها وفي منتدياتها، وفي متبنياتها بل وفي كل تطبيقاتها ومصاديق سياستها ضد الطائفية وضد العرقية وضد التجزءة وضد الفدرلة، لذلك فإننا نلاحظ أن حمايتها أضحت استحقاقاً وطنياً هناك طالما العدو على الأبواب، والى حين تتحقق الظروف التي تنفي الحاجة لها وأولها القدرة على ردع العدو المتربص.

ولوطننا العراقي استحقاق واضح وبيّن، أبين من شمس العراق في رابعة نهاره، وهو أن جهد الشرفاء الأول يجب أن ينصب على إخراج المحتل من الديار.
ومن استحقاقات الوطن والوطنية ألاّ تكون أولوية أخرى قبل طرد المحتل من البلاد
ومن استحقاقات الوطن والوطنية أن يكون خطاب المقاومة وفصائلها، وممارساتها ونشاطها، ضد الطائفية وضد العرقية وضد الفدرالية التقسيمية.
لذلك فإن أي فصيل يمارس الخطاب الطائفي أو العرقي أو العنصري، إنما ينفذ أجندة الاحتلال، كائناً من كان.

والله غلب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

محمد حسن الخالصي
22
ربيع الأول 1429
31
آذار 2008
 

 ------------------------------------------------------------

* إنه من سخرية القدر أن يتكلم قادة الميليشيات الشمالية عن شرعية ميليشيا وهم يحتجزون معدات وأسلحة وأعتدة فيلقين من جيش العراق الشهيد. دبابات ومدرعات ومدافع وطائرات سمتية، وقد طالب رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردغان زعماء هذه الميليشيات بإعادة الطائرات السمتية ومعدات جيش العراق الشهيد إلى حكومة بغداد!!

وإنه لمن المخزي لكل الكتل دون استثناء في المنطقة الخضراء وأحزابها أن يكون السيد أوردغان وهو رئيس وزراء الجارة تركيا وليس العراق أكثر وطنية عراقية منهم فيطالب بعودة الأسلحة من يد ميليشيا إلى سلطتهم!! ولا يفعلون هم.

فكم رجل من جيش المهدي خبأ دبابة أو مدرعة أو طائرة سمتية في بيته بين الأزقة الضيقة؟