بين استحقاقات الوطن ...وأطماع الاحتلال- 2
الثمرة الأولى لقدوم حرامي بغداد
لم يكن أزيز الرصاص في البصرة الباسلة، والهجوم عليها وعلى مدن الجنوب وصولاً لمدينة الصدر ببغداد ومن ثم إلى بقية أحيائها سوى الثمرة الأولى للقدوم غير الميمون لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلى بلادنا المحتلة.
تتعدد الأسماء التي تضعها وسائل
الإعلام العراقية والعربية، خصوصاً
المرتبطة بالاحتلال منها, على المجزرة التي بدأت في البصرة وامتدت لبقية
الوطن
المحتل ويعلم الله وحده أين ومتى
ستنتهي، إلاّ أن الواهمة وعلى عكس وسائل الإعلام
العراقية الحكومية والعربية لم تأخذ وسائل الإعلام الغربية على هدف هذه
العملية
وتوقيتها، وقالت جزءاً من هذه
الأهداف ولنكمل البقية الباقية مما لم يقولونه هنا في
سطورنا.
وصفت وسائل الإعلام الغربية
هذا الهجوم على البصرة بأنه الامتحان
الأول لحكومة المنطقة
الخضراء وهي تدخل صف الفحص لوحدها. وقالوا أن مساندة المحتل ستكون جوية فقط.
قال هذا الإعلام الغربي كذلك
أن هذه العمليات تأتي لكسر شوكة
التيار الصدري وفرض هيبة هذه
الحكومة على البصرة، أهم المحافظات التي تطفو على بحر من النفط الذي يحوي
ستين بالمائة من احتياطيات العراق منه!
لم يذكر الإعلام الغربي في الأسباب
الموجبة لهذه المجزرة شيئاً مهماً عن تهريب النفط، لأن أعوانهم
هم المسؤولون الأولون عن هذه
العمليات! وإنه لصلف كبير أن يقول أعوان الاحتلال أن العملية تهدف إيقاف
تهريب النفط!
ولم يذكر ذلك الإعلام كذلك
في تلك الأسباب
ما يشير إلى استهداف النساء
غير المحجبات في المدينة، وهي الحملة التشويهية التي
سبقت المجزرة بفترة ليست
بالقصيرة، وهي ذات الحملة التي شاركت فيها حتى وسائل تحسب نفسها ضد المحتل!
فالأسباب التي ساقتها حكومة
الخضراء للهجمة التي بدأت قبل
أيام في البصرة الصابرة، لم
تشتريها وسائل إعلام الغرب لأنها تسأل صاحب السلطة الحقيقية والسطوة
الفعلية على مقدرات بلادنا.
ذكرت وسائل العلام الغربية
الأسباب
التي تعرفها والتي يعلنها
الأمريكيون وكان آخرهم جورج بوش اليوم حين حيا الحكومة
العراقية على المجزرة وقال
أنها أثبتت أنه يمكن الوثوق بها، وتعتقد وسائل الإعلام الغربية أن ديك
تشيني استعجل المنطقة الخضراء لتنفيذها.
وها هم
ينفذونها!
ونراها أمامنا كما أمروا بها!
لم تذكر وسائل الإعلام
الغربية
كلمة المسلحين في البصرة، بل سمتهم
باسمهم، قالت: كسر التيار الصدري، وهو استحقاق
على ما يبدو طلبه ديك تشيني
مستعجلاً لأمر يتلوه.
فما هو هذا الأمر؟
هنا
مربط الفرس وبيت القصيد.
وقع رموز المنطقة الخضراء
اتفاق مبادئ للهيمنة
الأمريكية على العراق مع
رئيس الإدارة الأمريكية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي
2007، وهو اتفاق مبادئ فقط
وليس اتفاقية أمنية معلومة البنود!، هكذا أرادها
الأمريكيون لأسبابهم الخاصة،
ولو أرادوها اتفاقيةً نافذةً لحصل لهم ما يريدون منذ
يومها الأول، فالمعادلة في "العراق الجديد" هي كما يلي: الأمريكيون يكتبون
ورموز
المنطقة الخضراء يوقعون، هذه هي
الحقيقة المرة.
جاء الجدل ورائها، وكان أمريكياً فقط!!
وكي لا نسلب وسائل إعلامنا
الوطنية دورها المشرف، فقد كتبت هذه
الوسائل وفي معظمها "انترنت"
كل ما يمكن كتابته وقالت كل ما يمكن قوله لتوضيح خطورة اتفاق المبادئ إياه
على حاضر العراق ومستقبله.
الجدل الذي نتحدث عنه هو بين من يملك سلطة
القرار والتنفيذ في كل من واشنطن وبغداد، وهذه السلطة هي سلطة أمريكية
بحتة على الجانبين، ولا وجود
لسلطة عراقية تناقش الأمريكيين في مصلحة العراق وشعبه، وهذه هي الحقيقة
المرة الأخرى.
- طالب مشرعون أمريكيون في
الكونجرس رؤية
الاتفاقية الأمنية قبل
توقيعها، كي لا تكبل الولايات المتحدة كدولة بالتزامات
دفاعية عن العراق!!
- جاء الجواب من البيت
الأبيض: لا حاجة لعرض الاتفاقية على
الكونغرس، لأن هذا الكونغرس
وافق بالفعل على مبادرة من هذا القبيل من خلال التشريع الذي أجازه سنة
2002 وخول باستخدام القوة ضد نظام صدام حسين.
ما يعني أن الاتفاقية ستبرم
وتوقع بين إدارة بوش ورموز المنطقة الخضراء فقط.
- وحين سأل المشرعون
الأمريكيون عن فائدة هذه الاتفاقية المنوي إبرامها مع المنطقة الخضراء
ببغداد للولايات المتحدة
كدولة!
- أجاب البيت الأبيض في بيان
خاص: أن الاتفاقية
ستوفر سلطة مطلقة للإدارة
الأميركية للبقاء في حالة حرب في العراق إلى ما لا نهاية ومن دون حدود، حسب
قوله.
كان هذا الجواب وفي بيان خاص
مثار جدل، إذ لا وجود
اليوم لصدام حسين أو نظامه
فممن يأتي الخطر، ولماذا يجب أن يبقى العراق في حالة حرب؟
- وعندما أعاد المشرعون
الأمريكيون طرح وجوب مصادقة الكونغرس على أي
اتفاقية تتضمن التزاماً دفاعياً عن العراق وقواعد فيه!
- أجاب البيت الأبيض ومرة أخرى وفي تعهد واضح
وصريح ومليء بالغموض في آن، بألا تتضمن الاتفاقية التزاماً بنشر
قوات أو بالدفاع عن العراق،
كما أنها لن تقيد الرئيس المقبل للولايات المتحدة أو تحد من صلاحياته!!
هذه هي أهم مفردات الجدل
الذي نشب في واشنطن حول
الاتفاقية الأمنية المتوقعة.
اتفاقية أمنية توفر سلطة
مطلقة للإدارة الأمريكية
في العراق
وتؤمن إبقاء العراق في حالة
حرب إلى ما لا نهاية
ولا تنص الاتفاقية على نشر قوات في
العراق ولا الدفاع عنه
ولا تقيد الرئيس المقبل بشيء
ولا حاجة أن يرى أحد كائناً
من كان، بمن فيه الكونغرس هذه الاتفاقية ويصادق
عليها!
فهل هي أحجية أم "حزورة"
أمريكية في أجوبة البيت الأبيض؟
وهنا
يأتي الجزء الذي لا تقوله الصحافة الأمريكية عن سببِ وعلةِ أي عمل ومجزرة
ترتكب في
وطننا المحتل سواء بيد المحتلين
مباشرة أو وكالة بيد سلطة المنطقة
الخضراء.
فالاتفاقية المقبلة لن تكون
اتفاقية عادية بين دولتين، بل اتفاقية
تشوبها الكثير من المسؤوليات
التي توكل إلى المرتزقة (تحت اسم الشركات الأمنية، أو المتعاقدون تخفيفاً
لوطئ كلمة المرتزقة(
لذلك
يفضل سادة البيت الأبيض، وأمراء
الإمبراطوريات النفطية
لاحقاً، ألاّ يرى أحد الاتفاقية اليوم، ولا حتى الكونغرس
الأمريكي! بل اتفاق مبادئ
يوضح اليوم سطوة أمريكا، بينما يحتفظون بالاتفاقية وما تحتويه من كوارث
إلى اللحظة الأخيرة وهي أشهر قليلة قبل مغادرة عصابة اليمين الديني
المتطرف البيت الأبيض إلى
مغارة المسروقات التي نهبوها من هذه الحرب.
وعلى
هذا الطريق لا يجوز أن تترك قوة كبيرة، وتيار شعبي ضخم يحسب له ألف حساب
موحداً
ومتماسكاً ولا يخضع لسلطة المحتلين.
بل إن المحتل لا يسمح بوجود قوة كبيرة بكل
الأحوال، بل يفضل قوى صغيرة
متناحرة يلغي بعضها بعضاً ويكون هو الرابح في نهاية المطاف.
القوة الكبيرة المتماسكة
والتيار الشعبي هو نذير ثورة ومقاومة شعبية
كبيرة ضد المحتلين عاجلاً أو آجلاً، ويمكن أن يعطي تحركه النتائج لأن
قدراته على
قدر حجمه، ولهذا السبب سعى الاحتلال
إلى كل صنوف الخبث كي ينهي امتداد هذه القوة
عبر تجزئتها والعمل على
تشتيتها، واختراقها وارتكاب الجرائم باسمها بل وتحريك الآخرين حتى بعض
الوطنيين ضدها، وحرف بعض رجالها. النتيجة المطلوبة هي ألاّ يبقى من
يهدد الخيانات القادمة
لفظاعتها.
فالمتوقع أن الأصوات ستنطلق
أكثر من السابق
عندما تحين ساعة رحيل
الإدارة الحالية ونقل السرقة من ملكية دولة احتلال إلى مغارة لصوص.
استبق الاحتلال كل ذلك وسعى
إلى المواجهة سعياً، وقد تركت كتل المنطقة
الخضراء خلافاتها جانباً عندما رأت سوط ديك تشيني مرفوعاً أمامها.
ما عاد لديهم الكثير من الوقت.
فأجراس رحيل الإدارة الحالية
من البيت الأبيض بدأت تدق وعليهم
إلغاء كل تهديد حالي أو
مستقبلي لهيمنة شركاتهم في العراق. ليس من أجل مصلحة أعوانهم وحلفائهم ،
ولا حتى مصلحة أمريكا نفسها ، على الإطلاق، بل من أجل السرقة
المسلحة الكبرى وغنيمتها
التي يجب أن يحكموا قبضتهم عليها.
وإن غداً لناظره قريب.
والله غالب على أمره ولكن
أكثر الناس لا
يعلمون
محمد حسن الخالصي
18 ربيع الأول 1429
27 آذار
2008