صفقة نخّاس وليست اتفاقية

 

ظهرت على شبكة الانترنت ومن بعدها الصحافةالعربية بنودٌ لنسخة من اتفاقية الذل والهوان التي تنوي المنطقة الخضراء إبرامها مع المحتل الأمريكي في وطننا العراقي، ولا ندري مدى صحة هذه الورقة فكل شيء في وطن ((تداعت عليه الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)) صار ممكنناً. وأستمر في الكتابة عن هذا الموضوع الذي لم نتوقف عن التنبيه من مخاطره يوماً (منذ قانون تحرير العراق سيء الصيت عام1996) لأن أحداً لا يعرف حقيقة ما يكتبه السادة في واشنطن ويقره العبيد مع شديد الأسف ولأن كل شيء يحدث في الخفاء!...نعم في الخفاء لأن المحتل يريد ذلك، وما قرأنا وأمعنا النظر فيه من البنود إياها يثير الاشمئزاز والقرف قبل كل شيء، ناهيك عن الرثاء لحال القابلين بها، فكل شيء فيها مهين ومذل.

 

فإذا كان الغرض من تسريبها هو أن نرى الموت بها فنقبل بحمى اتفاقية أخف وطأة! فإن القبول بأي بند من بنودها هو خيانة واضحة للدين والوطن والشعب.

 فليس ما ورد فيها من البنود ما يمكن أن يقبله مفاوض حقيقي لمحتل،.... لا شيء فيها يستحق المناقشة من قبل مفاوض بل سيرفضها من كان عنده ذرة من الوطنية والشعور بالمسؤولية جملة وتفصيلاً،... قد تستحق التحليل وتوضيح المخاطر الهائلة جرائها، وكذلك الأمور الخطيرة التي أخفتها إدارة الشر والعدوان في واشنطن بين سطورها، ولكنها بأي حال من الأحوال ليست بنوداً لاتفاقية تعقد بين بلدين، بل عقد تملك مستعمرة بأهلها البالغين سبعة وعشرين مليون نسمة وبثرواتها التي يسيل لها لعاب المرابين.

 

إن من وضع بنوداً كهذه من جانب المحتلين لم يكن مفاوضاً أو سياسياً أمريكياً يريد أن يعقد اتفاقية مع دولة، بل نخاساً في سوق العبيد، وقرصاناً من أعماق القرون الوسطى يتاجر بالبشر وما يملكون.

ففي ثنايا البنود ما يمكن المحتلين (جنوداً ومرتزقةً وسياسيين) من إدخال أي شيء إلى البلاد تحت عناوين مقترحة، وإخراج ما يشاءون من الوطن تحت عناوين متفق عليها بعيداً عن العمليات العسكرية وغطائها، وحين أقول أي شيء، فإني أقصد الكلمة بمعناها كاملاً، ولن تصل مخيلة أحد لما تصل إليه مخيلة الطمع عند المحتلين.

وفي ثناياها ما يمكّن المحتلين وبولاية قانونية من مهاجمة أي وجود اجتماعي أو ثقافي أو سياسي بالسلاح والقوة العسكرية تحت عناوين متفق عليها مع من يدعمون في حكومة المنطقة الخضراء.

وفي ثنايا الاتفاقية ما يمكّن إدارة المحتلين من استيفاء ما يشاءون من أموال العراق تحت عناوين غاية في التفاهة واعتماداً على الفساد الذي بثوه بين السياسيين الجدد ناهيك عن الفاسدين المتأصلين بالفساد بينهم، أقول تمكّن المحتلين من استيفاء ما يشاءون ومتى يشاءون.

وفي ثناياها ما يعطي المحتل الولاية القانونية لتعين من هو الذي يجب مساندته لحكم العراق ومن هو الذي يعرض مصالحه للخطر وبالتالي تصفيته سياسياً وحتى جسدياً، أي أنه وبموافقة "ممثلي أهل البلاد" كما يزعمون يصبح القاضي والجلاد في آن.

وفي ثناياها أمورٌ كثيرة، لا تظهر للوهلة الأولى، إلا أن ما ظهر منها بالتعبير الصريح يثير الاشمئزاز قبل الكره ممن كتبها.   

 

 أما من يقبل بها من الجانب العراقي أياً كان، فهو دون الخائن منزلة وأقل من العميل شأناً، فحتى الخونة والعملاء لا يوقعون على بنود كهذه!

حتى الذين استسلموا لأمريكا في الحرب العالمية الثانية منهارين ومدمرين بالقنابل النووية الأمريكية لم يوقعوا على بنود كهذه. لم يوقع الألمان والايطاليون وقد وطأة بلادهم جيوش الدنيا كلها على اتفاقية كهذه، كما لم يوقع إمبراطور اليابان المهزوم وهو أمام الجنرال الأمريكي "ماك آرثر" الذي كان يقف على تلال الضحايا في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين المدمرتين بالقنابل النووية الأمريكية، أقول أن إمبراطور اليابان المستسلم لم يوقع على بنود كالتي في هذه الورقة. وإن أخزى ما في هذه الاتفاقية لمن يوقع عليها ويقبل بها من الجانب العراقي أنها أعقبت كل المحرمات المذكورة فيها بالاستثناءات ما يعني إلغاء مفاعيل كل المحرمات.

 

لقد بلغ الخبث في كتابة هذه الورقة مبلغاً أن جعل ممتلكات الدولة العراقية ممتلكاتٍ للحكومة، ولا أحسبه جهلاً أو سقطة قلم، فليست صدفة أن تختزل الدولة بالحكومة، ولا يمتاز الأمريكيون بالجهل وبالمستوى الذي يتمتع به بعض أفراد المنطقة الخضراء خصوصاً من يمسك بملف المالية الخطير من الجهل والعناد الصبيانية في آن!

 

الاحتلال هو الذي أعطى إشارة البدء للمقاومة بكل أشكالها ضد وجوده، لأنهما توأمان لا يفترقان، فحيث يكون احتلال تأتي المقاومة كرد طبيعي وإنساني له، بل هي سنة الله في خلقه كله، فكل المخلوقات تدافع عن أعشاشها حين يدخل عليها دخيل غريب. فكيف بمحتل وحشي ودموي وفاشي وحاقد وسارق وناهب ولص كالذي نراه في وطننا العراقي؟

أما هذه الاتفاقية أو أي واحدة أخرى تعطي ولو ببند واحد للمحتل ما في بنودها، فإنها سترفع من مقام مقاومة الاحتلال لتكون بمصاف التدين قدسية والتعبد لله قيمة، وتكون المقاومة (لهذا  المحتل الغازي ومن ثبّت هيمنته وسيطرته بهذه الاتفاقية) هي صلاة وصوم وحج وزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتولي لله والرسول والأئمة والمؤمنين وبراءة من الكفر والكافرين وتكليف يومي للمسلم بخلافه لا يكون عبداً لله بل للشيطان ومن والاه. 

 

((لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))

 

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

 

محمد حسن الخالصي

 6 شهر رمضان المبارك 1429

7 أيلول 2008