بين استحقاقات الوطن...وأطماع الاحتلال – 13
يخالفون بنداً في المعاهدة ويقبلون الباقي
فجأة وبشكل غير متوقع قلبوا الصفحة ولبسوا زاوية من العباءة الوطنية، وصاروا يقولون أنهم لا يوافقون على "بعض!!" البنود في المعاهدة الأمنية بين الإدارة الأمريكية و بينهم في المنطقة الخضراء وهي معاهدة الانتداب الجديدة والتي يراد بها تكبيل العراق لدهور قادمة.
نفس الذين وقعوا اتفاق المبادئ مع رئيس إدارة الشر الأمريكية، والذين ذهبوا كذلك بعدهم إلى الولايات المتحدة زرافات ووحدان ليبصموا عليها أمام ناظري جورج بوش ونائبه ديك تشيني، صاروا يقولون اليوم أنها تمس بالسيادة الوطنية ولا يمكن توقيعها بهذا الشكل وبهذه الظروف!!
فهل اكتشفوا الحقيقة متأخرين، أم أن الضمائر الميتة بعثت فيها الحياة فجأة بعد مليون ضحية عراقية وربما بعددهم جرحى أو أكثر، وبعددهم كذلك أرامل وأيتام؟؟
هل يجب أن نصدقهم وهم يدعون اليوم رفض بعض بنودها على نفس أجهزة الإعلام التي طالما دافعوا عن الاحتلال " متعدد الجنسيات!!" على منابرها، واستخدموا ذات العناوين، دينية أو طائفية في التطبيل لبقائها؟
لأننا نكتب في الشأن العام العراقي والوطني فنحن نشعر بمسؤولية إزاء كل كلمة نكتبها ونقولها كي لا تكون تضليلاً لأبنائنا في وطننا المحتل، ومن مسؤوليتنا أن نقول الحقيقة كاملة غير منقوصة لشعبنا، ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.
بداية أحيي كل صوت وطني نبه وحذر أبناء شعبنا من العلاقة غير الشرعية التي تقننها الاتفاقية إياها بين المنطقة الخضراء بكل ساكنيها من جهة والاحتلال البغيض من جهة أخرى. أحيي كل من نبه وحلل ونشر وقال الحقيقة وكتب عنها منذ الإعلان عن اتفاق المبادئ الخياني الذي وقعه رموز المنطقة الخضراء مع رئيس إدارة الاحتلال ومن بعده بقية المشاركين في عملية الاحتلال السياسية. نحييهم الرافضين للمعاهدة الخيانية جميعاً سواء اتفقنا معهم في بعض تفاصيل المسيرة أن اختلفنا.
هذا الرفض الشعبي العارم للمعاهدة سيئة الصيت هو انعكاس صادق لصحة تلك التحليلات وسلامة الرفض الذي سطره الكتاب العراقيون (جزاهم الله خيراً) عن بنود اتفاق المبادئ المسخ إياه.
نحيي تلك النفوس الطيبة والضمائر الحية التي سارت في التظاهرات من البصرة إلى مدينة الصدر ببغداد إلى كل بقعة من بقاع وطننا حيث أعلنت رفضها لهذه المعاهدة الخيانية التي ما كانت سوى "أمر دبر بليل".
وبارك الله بتلك الأقدام التي سارت في التظاهرات، والسواعد التي لوحت والحناجر التي صرخت رافضة وجود المحتل ومعاهدته المدبرة بليل المحتل البهيم.
أما أهل الخضراء! فرغم التصريحات المتناقضة والأكاذيب والتضليل الذي اعتدنا عليه من كل من ينطق باسم هذه المستوطنة، حكومة وبرلماناً ومجاميع، فإن بنداً وحيداً هو ما أشكل عليه أهل الخضراء ولا شيء غيره.
فلا هم رافضون الحصانة القضائية لجنود المحتل
ولا هم منكرون وجود المرتزقة في البلاد يصولون ويجولون متمتعين بالحصانة القضائية كما جنود الاحتلال
ولا هم منزعجون من القواعد العسكرية الدائمة (أو المؤقتة لقرن من الزمان!!) بل هم طالبوها لحمايتهم
ولا هم منكرون للسرقة اليومية لثروات البلاد
ولا هم ناكرون لفضل الإدارة الأمريكية عليهم بأن وضعتهم على الواجهة في بلدنا المحتل.
فهل يتمكن الذي هو بحالة كهذه من رفض أي إملاء يمليه صاحب الفضل عليه؟؟
ماذا يرفضون إذاَ؟
بندٌ واحد اجتمعوا على رفض صيغته (وليس رفضه) بكل "مكوناتهم*" الطائفية لأنه ينفي برقع الشرعية الذي يستر شيئاً من عوراتهم.
هذا البند يتعلق بالشراكة مع الأمريكيين في محاربة الإرهاب في المنطقة، أي خارج حدود العراق انطلاقاً منه، و بذلك تستخدم القواعد الأمريكية المرتقبة على تراب وطننا حسب رغبة إدارة بوش الغبية وبمشاركة أموال ودماء عراقية في حرب دول الجوار! (لا أعرف الصياغة القانونية التي وضعوها للفقرة)، ولكنها رفضت إقليمياً (من قبل أكثر من جهة كي لا يفهم كلامي بشكل مغلوط) لأنها تفقد أهل الخضراء برقع الشرعية الواهي والذي يستر شيئاً من العورات المكشوفة والمفضوحة، ويستخدم للدفاع عن أعوان الأمريكيين، كل حسب انتمائه الطائفي! فهذا تدعمه هذه القوة الإقليمية وتغدق عليه الشرعية وذاك تدعمه تلك.
كل ما يريده السادة "الرافضون الجدد!!" هو صياغة يمكن ابتلاعها أمام من يغدق عليه برقع الشرعية الشفاف!.
وسيقبلون في الغد القريب... نعم سيقبلون بكل ما تصيغه الإدارة الأمريكية من نصوص!
لا خيار لهم سوى القبول!
فليست مرجعيتهم هي ما يأمر الله به ورسوله وآله الطاهرين وأصحابه الميامين
وليست مرجعيتهم هو الشعب الذي خرج متظاهراً ضد المعاهدة إياها
ولا مرجعيتهم من يدعون من علماء الدين، سكتوا أو نطقوا!!
ولا مرجعيتهم استحقاقات الوطن والوطنية التي تفرض العمل بل والقتال من أجل استقلال البلاد وإكرام الشعب.
ليست مرجعيتهم سوى المحتل وما يأمر ولا أحد غيره.
وهذا المحتل لا يملك وقتاً كثيراً. فكل مشروعه أختصر بعد أن تساقطت أوراقه كلها إلى سرقة مسلحة مفضوحة أمام الخلائق، يجب عليه أن يبررها بشيء قبل رحيل أعضائها إلى مغارة اللصوص ليبدءوا بعد المسروقات واستثمارها!
بالأمس فقط قال المتحدث باسم قوات الاحتلال البغيضة في العراق أن المباحثات لم تتوقف لحظة واحدة!!
ثم تبعه أحد أبرز أعوان المحتلين وأشدهم التصاقاً بالدنيا وبرقعها، ليدعي أن مرجعيات تدعمه في القبول بمعاهدة مع الغزاة تقنن احتلالهم
ألم نقل أنهم يبحثون عن صيغة تحفظ البرقع الشفاف على العورات أمام دول الجوار وليس العراق وشعبه؟
بالنتيجة فلا أحد يرد على هؤلاء النفر الذين لم يبقوا موبقة لم يرتكبوها سوى شعبنا نفسه وسواعد شبابه الأبرار وفتيانه الميامين، ولا شرعية سوى ما أمر الله ورسوله به، وما يريد شعبنا الذي أعلن موقفه في استفتاء واضح بين لا شائبة عليه.
وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
محمد حسن الخالصي
30 جمادى الأولى 1429 هـ
5 حزيران 2008 م
-----------------------------------------------------------------------------------------------
* هنري كيسنجر هو أول شخص أطلق كلمة "المكونات" على الشعب العراقي ليوحي بإمكانية فصل هذه المكونات!! ثم صارت الببغاوات تستعملها بعده. وقد عرف عن كيسنجر ومن خلال المقالات التي يكتبها (لأننا لم نجلس إلى جانبه ليحدثنا عما هو أسوأ في أفكاره) أنه من دعاة تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات على الأقل وعلى أساس عرقي شمالاً وطائفي جنوباً. والحقيقة أن أحزاب المنطقة الخضراء هي وحدها من يستحق هذه التسمية (المكونات) وليس الشعب العراقي العزيز.
http://www.madenatoleelm.net/oppnion/Mo%20Hassan/articles/15/Artical_13.htm