بين استحقاقات الوطن...وأطماع الاحتلال – 11
أمريكا التي أزالته جاءت بشكل النظام الذي تبعه!
لست أفضح سراُ بكشف ما يردده أهل المنطقة الخضراء وكل المطبلين لهم على مدى سني الاحتلال البغيضة!
ما أقوله هنا ليس اكتشافا مني، ولا يعتبر تجنياً على أهل هذه المستوطنة المحتلة في قلب بغداد، بل هو عين ما يردده كل الساكنين بها، والموالين لحاميها، ألا وهو البيت الأبيض في واشنطن.
يرددون بينهم مقولة: الزائل من أزالته أمريكا، والباقي هو من تبقيه إدارة أمريكا!
لهذا السبب يرددون، كما الببغاوات التي تتعلم من سيدها وتعلم بعضها، ولفترة طويلة: أن النظام السابق كان سيبقى يحكمنا هو ومن بعده أحفاده لو لم تأت أمريكا وتزيل ذلك الحكم المتسلط على رقاب العراقيين!
كانت السجون ستمتلئ بأبناء العراق المضحين الفقراء!
وكانت مختلف مناطق البلاد ستبقى غارقة في التخلف والإهمال!
وكان العراقيون سيجهلون أين تذهب أموالهم وثرواتهم!
وكان سيبقى تسلط الغلمان والأبناء والأقرباء والأزلام على مقدرات الأمور!
وها نحن بعد خمس سنين من الاحتلال، واستعمالهم من قبل الأمريكي مبرراً من المبررات لغزو البلاد، واستخدامهم اليوم كمبرر رئيس لاستمرار احتلال وطننا!
ما هو الذي لم يحدث، ولا يحدث اليوم من الأمور أعلاه بصورة أسوأ وأقبح في بلادنا؟
أين نحن اليوم مما رددوه؟؟
كل أركان المحاصصة الطائفية تردد المقولة إياها، ويطلقون الدعوات لغيرهم للالتحاق بهم، ويقولون تكبراً وغروراً وعلواً في الأرض وفساداً أنهم ومع أمريكا وإدارتها المحتلة ووجودها في العراق لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (أستغفر الله العلي العظيم)، ولن يتمكن أحد من المس بالنظام الجديد أو بنيته الطائفية العرقية أو الامتيازات التي أقرها للمحتلين ومرتزقتهم وشركاتهم وأخيراً لهم طالما جيش الاحتلال الأمريكي في العراق!
ويرددون كذلك: أن كل من تخلف عن هذه المسيرة قد خسر، ولن يحصل على شيء مهما طال الزمان!
ولهذا هرول البعض في أول الاحتلال لتقديم فروض الطاعة والولاء لإيمانهم بهذه المقولة في أعماق قلوبهم!
ولهذا أيضاً ركض البعض الآخر فيما بعد ليقدم التأييد والولاء كي لا "يخسر" أكثر مما "خسر!" ولا يهمش كما يقول!!
فهل صَعُب على تلك العقول أن تعي بأن المحتل الأمريكي وهو يقوم بكامل المهمة في تغيير النظام، سيقوم بباقي المهمة أيضاً ويكملها ويفرض نوع النظام الجديد وهيكلته وتفصيلات بنيته؟؟
الجواب هو: كلا! لم يصعُب على تلك العقول إدراك ذلك، بل سعت إليه سعياً، سواء التي هرولت إلى واشنطن في البداية، أو التي زحفت لها زحفاً في النهاية!!
لهذا السبب نخاطب بسطورنا هذه أبناء شعبنا بكل فسيفساءه وطيفه، في الشمال كما في الجنوب وفي الشرق كما في الغرب.
هل كان الأمريكي يكتفي بتغيير رأس النظام والصف الأول من رموزه ؟
وكما نرى الجواب أمامنا وقد كتب بحطام وطننا وبدماء الشهداء من أبناء شعبنا!
لم يكتف المحتل الأمريكي بذلك، بل جاء معه بكل ما يقسم الشعب ويجزأ الوطن ويهين المواطن!
جاء بالمحاصصة الطائفية والعرقية وسماها تضليلاً بالفدرالية!
ألغى القرارات الوطنية ومفاعيلها بتملك أهل البلاد لثرواتهم، حتى وإن لم يستفد منها كما ينبغي شعبنا على مدى العقود الماضية
أنهى الجيش العراقي كمؤسسة لحماية البلاد وأسس على أنقاضها جيشاً عقيدته قمع المواطنين!
ألغى الصيغة الوطنية للجيش العراقي، وأسس على أنقاضها بنية عرقية وطائفية للوحدات العسكرية تشبه التي ألغاها لبنان بعد اتفاق الطائف ( 30 أيلول 1989) لأنها كانت من أسباب الحرب الأهلية!
أعطى امتيازات خاصة لقواته بالعمل فوق القانون، وأسس وحدات عراقية تأتمر بأمره فقط!
أعطى امتيازات للمرتزقة الذين شرع عملهم في العراق (خلافاً للأعراف الدولية) بل وأعطاهم الحصانة القضائية!
شرع عمل الميليشيات وأعطاها أسماء جديدة مختلفة منها حماية المنشئات أو حماية الإقليم أو قوات الأمن الخاصة أو شركات الحراسة الأمنية الخاصة وما إلى ذلك من أسماء!
وضع قوانين لا يحق لأهل الخضراء نقضها في الانتخابات وفي غيرها! واشترط على أساسها قبول التجمعات السياسية بهذه القوانين وسماها بقواعد السلوك، ولا تُقبل أي حركة سياسية إلا بعد القبول بقرارات المحتل لتشارك في الانتخابات!
شجع الفساد والمفسدين ومارسها في أعلى هرم سلطة الاحتلال بدأً من "جي غارنر" و"بول بريمر" وحتى آخر القائمة!
ارتكب الجرائم أمام عدسات التصوير وافتخر بها وشجع من تبعه على القيام بها!
وجه كل أموال نفط العراق إلى مصارفه (بمعدل أكثر من مليار دولار كل أربعة أيام، حتى ساعة كتابة هذه السطور)
بماذا يفتخر المطبلون بمقولة أن الاحتلال الأمريكي وحده كان القادر على تغيير النظام السابق؟
أيفتخرون بأن المحتل أزاله، بعد دهر من الدعم ثم الإضعاف، ووضعهم مكانه؟
أم يفتخرون بأنهم كانوا عاجزين عن مخاطبة شعبهم وإقناعه بحسنهم قبالة سوء ذلك النظام؟
أم يفتخرون بأن الاحتلال الأمريكي ونتيجة سيطرته المطلقة قد فرض النظام الذي يريد أيضاً؟
أيفتخرون بهذه الجرائم؟
أم أنها لا تحدث في بلادنا؟
إذاً فإن ارتكاب هذه الجرائم وغيرها كثير، هو الأمر الطبيعي الذي يتبع قيام المحتل الأمريكي بتغيير النظام بنفسه!
فحين تفشل المعارضة السابقة في حشد الناس ضد نظام يفتقر أصلاً للتأييد الشعبي، وأبقى البلاد في قعر هاوية التخلف، وأبقى الشعب في منتهى الحرمان واعدم أعداداً هائلة من المواطنين، عندما تفشل تلك المعارضة في تسويق خطابها قبالة حتى نظام كهذا، فعليها أن تعي أنها معارضة فاشلة إلى أبعد الحدود، لا تمثل شيئاً بين الناس ولا خطاب مشترك بينها وبين الشعب العراقي.
وحين لا يكون لها خطاب مشترك مع شعبها فهذا يعني أنها لن تتمكن من إنجاز التغيير بنفسها، وسوف تتنازل عن أهم شيء وهو استقلالية قرارها، وتصبح مرتهنة لغير شعبها، وهذا هو عين ما يقولون ويعترفون به، بل ويفتخرون!! .... نعم يفتخرون!!
إلا أن السادة يريدون كراسي الحكم بأي ثمن! ولا يهمهم ما ستنتهي له الأمور، فقالوا أنهم سيركبون الحصان الأمريكي!!
والنتيجة نراها اليوم!! من هو الراكب ومن هو المركوب.
بل الأكثر من ذلك، ركب المحتل هذه المعارضة السابقة ليهاجم المعارضة الحقيقية التي كانت في البلاد، وها هي الدماء تجري أغزر لنيل بركة المحتلين.
تنبه الكثيرون لهذه النتيجة، وكنا منهم.
قادتنا الإسلاميين والوطنيين أفصحوا وأسروا وأعلنوا لكل من يمكن أن يصل الصوت له بأن المحتل الأمريكي لن يكتفي ولا حتى باحتلال البلاد، بل يريد ما هو أبعد من ذلك، يريد تدمير البلاد وتقسيمها ويريد أن يقتل الأخ أخاه، فلا تركبوا هذا المركب.
كل مخلص للعراق وشعبه وكل وطني نبه يومها من وخامة إتباع أمريكا، لأن في إتباعها الدمار والبوار!
من استحقاقات الوطن أن نكون صريحين مع أبناءنا، ولا نخدعهم كما خدعهم أهل الخضراء بكل "مكوناتهم*"!
لا نرى الإعمار قادماً والمحتل جاثم على صدر وطننا!
لا ثروة تبقى في العراق واللص يهيمن على مقدراتنا!
لا أمن يستتب وجيش الاحتلال يعيث فساداً في أرضنا!
سيفتعل الحركات والمسميات ويرتكب الجرائم لإبقائنا متصارعين مع بعضنا
لا حل إلا برحيله عن بلادنا
ولن يرحل إلا عندما نواجهه شعباً واحداً مجتمعين غير متفرقين.
يومها ينزل الله نصره، (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ).
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
محمد حسن الخالصي
8 جمادى الأول 1429 هـ
14 أيار 2008 م
-----------------------------------------------------------------------------------------------
* هنري كيسنجر هو أول شخص أطلق كلمة "المكونات" على الشعب العراقي ليوحي بإمكانية فصل هذه المكونات!! ثم صارت الببغاوات تستعملها بعده. وقد عرف عن كيسنجر ومن خلال المقالات التي يكتبها (لأننا لم نجلس إلى جانبه ليحدثنا عما هو أسوأ في أفكاره) أنه من دعاة تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات على الأقل وعلى أساس عرقي شمالاً وطائفي جنوباً. والحقيقة أن أحزاب المنطقة الخضراء هي وحدها من يستحق هذه التسمية (المكونات) وليس الشعب العراقي العزيز.
http://www.madenatoleelm.net/oppnion/Mo%20Hassan/articles/15/Artical_11.htm