بين استحقاقات الوطن..... وأطماع الاحتلال – 1
حين يتسلل حرامي بغداد
كان من الطبيعي أن يتسلل نائب الرئيس الأمريكي "ديك تشيني" في زيارة غير معلنة إلى عاصمة بلادنا المحتلة في السابع عشر من آذار الجاري عشية ذكرى الاحتلال المقيت لوطننا.
أقول أن ذلك هو الأمر الطبيعي، لأن هذه الحرب الإجرامية ونتائجها الكارثة تكاد تكون المشاركة الوحيدة لرجل عصابات ومافيات السلاح والنفط في الحضارة الأمريكية وقرنها الجديد لفترة رئاسة جورج بوش الصغير والتي امتدت لسبع سنوات وهي في عامها الأخير الآن.
فكلما ذكرت حرب العراق واحتلاله، وجريمة تدميره ومحاولة تقسيمه، يقفز اسم ديك تشيني إلى الواجهة كما أسماء أخرى، البعض منها عراقية، ارتبطت بهذه الحرب وأهوالها وجرائمها، وستبقى مرتبطة بها على مدى التاريخ.
استقبله قائد قوات الاحتلال الأميركي في العراق الجنرال ديفيد بيتريوس في المطار بعد أن أغلق المجال الجوي أمام أي رحلة أخرى، وانتقل بمروحية وهو يرتدي خوذة عسكرية وسترة واقية من الرصاص بين نخبة من حراس بلاك ووتر ويحيط به المارينز بمروحياتهم من كل صوب وحدب الى المنطقة الخضراء، حيث حل ضيفاً على رايان كروكر. وبعد اجتماع وصف بالسرية مع "السفير!!" الأمريكي كروكر والجنرال بيتريوس وقادة أمريكيين ميدانيين، سمح للإتيان ببعض المسؤولين العراقيين أمامه.
قابله رئيس الوزراء منفرداً، والله وحده يعلم كيف كانت!، ثم جاءوا له بمجلس الرئاسة، مجتمعين دفعة واحدة لضيق وقته، ممثلين للمكونات الطائفية والعرقية المعترف بها أمريكياً في "العراق الجديد!!"
كان المعلن هو أن السيد تشيني سيصل إلى عمان في مستهل جولته في الشرق الأوسط الذي مازال قديماً، إلا أن طائرته حطت في مطارٍ قرب بغداد، وقد طلب للصحفيين المرافقين أن يمتنعوا عن نقل أي شيء عن تفاصيل تواجده إلى أن يغادر المكان (أنظر ما نشرته النيويورك تايمز يوم الاثنين 17/3/2008 )
زار ديك تشيني العراق بعد احتلاله بضع مرات، الأولى دامت ساعة واحدة، في 17/1/2006 حيث فاجأ "رئيس الوزراء!" وقتها (وكان شخصاً آخر غير الحالي) بوجوده، حيث أخبروا ("دولة رئيس الوزراء") أنه سيذهب لمقابلة السفير الأمريكي ولكنه فوجئ بنائب الرئيس الأمريكي !!
لست بصدد الكتابة عن كيفية حماية نائب الرئيس الأمريكي، بل عن الذلة التي يعيشها وطننا العراقي، وشعبنا الحبيب، والامتهان الذي يتعرض له في كرامته عبر إجراءات لا تتخذها سلطات حماية الشخصيات الأجنبية سوى في مزارع أبقارهم وضياعهم ومنتجعاتهم!، ويريد ديك تشيني أن يخبر العالم عبر إجراءاته أن العراق صار واحداً منها.
لا تكذب أخبار "تشيني" هذه سوى الخسائر الأمريكية التي ترد لقادة العدو المحتل ساعة بساعة عن قتلاهم وجرحاهم، ومهاجمة قواعدهم، وليس بعيداً عنها استهداف المنطقة الخضراء أثناء تواجده فيها.
فحين تُنتهك كرامة الوطن في شوارع المنطقة الخضراء الفارهة، تحفظها سواعد المقاومين وترفع هامات أهله من بين أزقة أحياءه الفقيرة والعائمة على بحر الثروة المنهوبة.
يعرف الجميع سـبب زيارة ديك تشيني إلى العراق، والتي ربما كانت الأخيرة له وهو نائب رئيس. فرغم العبارات الطنانة التي تزخر بالنفاق عن مستقبل العراق والأمن فيه، والمنطقة ومستقبل العملية السياسية، و"العراق الديمقراطي الجديد" والتجربة الفتية فيه، وما إلى ذلك من تعبيرات تستخدم لوصف العراق الذي نرى حاله كل يوم، إلا أن الكل يعرف أن ديك تشيني جاء من أجل أمر آخر لا شأن له بقوافل الشهداء العراقيين التي ترحل كل يوم، ولا حتى بالقتلى الأمريكيين، أو بالوضع المتدهور للبلاد، ولا حتى بالتطور الملموس الذي لا أدري كيف لمسه، وقد ذكره في كلماته التي كررها هنا وهناك، وإنما جاء رجل مافيات النفط والسلاح من أجل الإسراع بتمرير قانون النفط والغاز بالدرجة الأولى والفدرالية التقسيمية بالدرجة الثانية.
فكل ما بقي من مشروع الشرق الأوسط الجديد هو غنيمة سرقة مسلحة، سُميت تعدياً على التاريخ الانساني والشعوب والحضارة البشرية بعملية "تحرير العراق". هذه الغنيمة هي ليست سوى ثروة البلاد وحق أهلها في استثمارها بعد أن حرموا منها منذ أن ظهرت وحتى يومنا هذا.
وتأكد ديك تشيني أن الفصل التشريعي المقبل لمجلس نواب الخضراء سيشهد وقبل مغادرته البيت الأبيض إقرار قانون النفط والغاز إياه، وحرص أن يسمعها بنفسه من كل الكروش والعمائم واللحى والشراويل ومن كل الوجوه "متعددة المكونات" التي قابلها.
راجعوا ما نشر من محاضر لقاءاته على كل وكالات الأنباء وسوف ترون!
حرص ديك تشيني أن يزور الشمال العراقي حيث التقى بالحاكم الأمريكي السابق للعراق "جي غارنر" والذي يملك "وياللعجب!" شركة نفط فيه، فمع تمرير قانون النفط الجديد سيكون نائب الرئيس الأمريكي خارج البيت الأبيض، وعلى رأس إمبراطوريته النفطية التي يحرسها جيش كبير من المرتزقة "متعددة الجنسيات" تكونت وتدربت على الدم واللحم الحي في العراق ومن ميزانية إعماره، محمية بحصانة قضائية ضد القانون العراقي سارية حتى لحظة كتابة هذه السطور، بما يجعل هذه الإمبراطورية الوريث الطبيعي لأمجاد شركة الهند الشرقية البريطانية ذات الصيت الشائع في القرن التاسع عشر والتي أغرم قادة اليمين الديني المتطرف بتأريخها، وأرادوا لأنفسهم مثلها اليوم، وبدءً من العراق.
أليس عجيباً من نراه؟
الذين يتكلمون صباح مساء بحقوق الإنسان، وحق الشعوب في حكم نفسها، والديمقراطية والحرية، وبل ويفرضونها بجحافل جيوشهم، ويجبرون الشعوب إجباراً على إتباعها، هؤلاء يؤسسون إمبراطوريات نفطية تحميها نماذج جديدة للرق والعبودية وشركة الهند الشرقية ولكن بأسلوب حديث وأسلحة وتدريب متطور، ليس أكثر!
للاحتلال أطماع ومصالح، وجاء ديك تشيني ليطمئن على تنفيذ بعضها قبل مغادرته البيت الأبيض، لأنها تمس مصالحه مباشرة، وفي مقابل ذلك فللوطن استحقاقاته أيضاً.
فالاحتلال والنظام الذي يبنيه ويتركه على رأس الأمور ظاهرياً يحرص على تنفيذ أطماعه، وإلا لماذا قدم من أقاصي الدنيا ليحتل ويقدم الخسائر؟ أليس لتنفيذ هذه الأطماع؟
وللوطن واستقلاله استحقاقاته أيضاً، وهي بالضد تماماً لأطماع الاحتلال، ومن حق الشعب بل ومن واجبه أن ينظر كيفية تنفيذ استحقاقات وطنه وسيادته، أليس وطنه؟ أليس مستقبله ومستقبل أولاده وأجياله؟ أليست دمائه التي تسيل؟ أليست ثروته هي المنهوبة؟
سميناها أطماع، لأن العدو المحتل وأعوانه الساجدين على أعتابه يعتبرونها استحقاقات له، يفرضها تطوره وبالمقابل تخلفنا، وتفرضها قوته وبالمقابل ضعفنا، وتفرضها وعيه لما يريد وقلة الوعي عند بعضنا بتصديق ما أدعى بمحضر شعبنا، وتفرضها وحدة أجهزته وبالمقابل تفرقنا.
لذلك يراها العدو المحتل استحقاقات له ولا يراها أطماع، ولا يرانا خليقين بالثروة التي تحت أقدامنا أو بالوطن الذي هو أمانة الله في أعناقنا.
هذه بعض أطماع الاحتلال التي يرى العراق الجديد من خلالها:
تقنين الاحتلال بالاتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية
الحفاظ على الحصانة القضائية لجيش الاحتلال ومرتزقته في البلاد
السيطرة على ثروات البلاد
إبقاء حالة الانقسام والتشرذم في المجتمع العراقي
تقنين الانقسام والحدود الداخلية عبر الفدرالية التقسيمية
منع بناء جيش عراقي حقيقي بعد حل جيشه الشهيد
صياغة البنية الطائفية والعرقية للجيش الجديد بما يجعله أداة حرب داخلية وليس سلام
السيطرة على تسليح الجيش الجديد بما يضمن ضعفه الدائم
الحفاظ على وجود المرتزقة في العراق وحمايتها بالحصانة القضائية
الحفاظ على وجوب إيداع أموال تصدير النفط العراقي في الولايات المتحدة وبالتالي السيطرة عليها
إفقار العراق عبر تدمير بنيته الزراعية والإنتاجية وجعله مستورداً لجميع أنواع المواد الغذائية
منع العراق من أي نوع من البحث العلمي وتدمير هيكلته العلمية عبر تصفيتها وتهجيرها.
هذه الاستحقاقات سواء التي يراها الاحتلال لنفسه أو تلك التي هي بالضد منها للوطن والمواطن لا نكتبها لتراها الكتل السياسية، ولا الأحزاب العراقية، مرتبطة بالاحتلال كانت أو وطنية ولا نساوي بينهم بطبيعة الحال، يقول تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) فاطر -22. بل نكتبها بمحضر شعبنا، شيبه وشبابه وأطفاله، رجاله ونساءه، بكل فسيفساءه، لأن الشأن شأنه والمصير مصيره، وما من أحد يمثله اليوم على أرض الوطن، لنساهم ولو بكلمة في بث الوعي بين أبناءنا, ولنصارحهم أن لا حل قادم من أي من الكتل السياسية ولا عمليتهم الكسيحة المشلولة، وإنما الحل الوحيد هو بيد آحاد أبناء شعبنا.
لم يعد الحل بعد أن وصلت الأوضاع في البلاد إلى ما وصلت إليه برسائل مفتوحة لهذا الطرف أو ذاك، أو حلول ترقيعية، أو بإصلاح للعملية السياسية، ولن تنقلب الصخرة الجاثمة على صدر بلادنا وشعبنا ولو هتفنا أمامها ألف عام، بل ستنزاح عندما نزيحها بأيدينا، وليس قبل ذلك على الإطلاق.
حين نؤمن بهذه الحقيقة، ونراها رأي العين، وتطمئن لها قلوبنا، وقد سالت على مذبحها دماءنا، سنكون على أول الطريق إلى النجاة والخلاص والتحرير والبناء.
((وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ))
محمد حسن الخالصي
14 ربيع الأول 1428
21 آذار 2008