بسم الله الرحمن الرحيم

                 

      ًالمحور الثاني – مواجهة المشروع الأمريكي – الصهيوني

                 ورش العمل رقم 2

 

                 الثقافة المقاومة في مواجهة الفتنة الطائفية والمذهبية والأثنية

        

                 العراق مثالاً – التاريخ الحديث والحركة المعاصرة.

 

طوال التاريخ الإنساني ، وعند كل احتلال أجنبي ، يركز الاحتلال وسلوك أعوانه ، على مبدأ إحداث الفرقة والاختلافات إلى حد الفتنة والاقتتال ، وتركز حركة الشعب المقاومة على مبدأ الوحدة في مواجهة الاحتلال ، والعراق وقد تصاعد منه صوت الألم والجراحات المقاومة في مواجهة الاحتلال البريطاني الأول 1914 م ، والاحتلال الأمريكي البريطاني الصهيوني 2003 م ، كان الساحة المركزية في تجليات مواجهة ثقافة المقاومة لمشروع الفتنة الطائفية والمذهبية والأثنية ، ففي الاحتلال الأول 1914 م ، ركزت المخططات البريطانية على مبدأ ( فرق تسد ) ، وبشكل عملي ، بينما جابهت ميادين المقاومة الشعبية العراقية ، علماء ، وزراء ، وزعماء ، ومثقفين ذلك المخطط بالالتزام بمبدأ الوحدة والدعوة إليها وممارسة المشاريع العملية التي تؤدي إليها وسنذكر هنا عدة أمثلة عملية على الأسلوب الذي أتبعه الاحتلال والموقف الذي أستندت إليه ثقافة المقاومة :

 

1.      رفع البريطانيون شعار التحرير من السيطرة العثمانية ، وقال الجنرال مود الذي وصل إلى بغداد عام 1917 م بعد أسر سلفه الجنرال طاوزند من الكوت والآلاف من الجنود معه ، وبعد ثلاث سنوات من بدأ الحرب على العراق ، إننا جئنا محررين لا فاتحين ، وصاحب ذلك بل وسبقه تركيز على الجانب الطائفي حيث قالوا إن العثمانيين السنة ظلموا العراقيين العرب الشيعة ، كما استعملوا الجانب الإثني وهو ما دفع بعض العرب إلى الثورة بتنسيق مع البريطانيين ، حيث استعملوا موضوع الطورانية وسياسة التتريك الذي مارسته جمعية الإتحاد والترقي ذات الجذور المجهولة  أو المدسوسة والمشبوهة ، ليقولوا لعرب العراق ولأكرادهم إننا جئنا لنخلصكم من هذا التمييز العرقي الظالم ، وعليكم بذلك أن تقدروا وتشكروا جهود الجيش البريطاني لأنه جاء محرراً لا محتلاً فاتحاً ، ولكن علماء العراق الشيعة والسنة ، العرب والكرد وغيرهم ، وحتى غير العراقيين من الساكنيين في العراق ، أجمعوا على رفض هذه الدعوات والإستدراجات ، والدعوة إلى وجوب مقاومة جيوش الاحتلال ، وتم ذلك بإعلان فتاوى الجهاد التي تزعمها كبار علماء العراق العرب الخالصي والحبوبي والحيدري ، والسيد عبد الرزاق الحلو والشيخ باقر حيدر ، وكثير من علماء الدين غير العراقيين مثل شيخ الشريعة الأصفهاني والذي خرج بنفسه مع الأئمة الأوائل ومنهم شيوخ متقدمون في السن ، والشيخ تقي الدين الحائري الشيرازي وغيرهم من العلماء وانضم إليهم زعماء العشائر العربية في الجنوب والوسط والشرق والغرب حيث جاء زعماء الكرد مع المجاهدين من أبنائهم للانضمام إلى الجهاد الكبير الذي جابه المحتلين لثلاث سنين ساخنة ، وليشكل هذا صورة كبيرة من صورة الوحدة الوطنية التي شكلتها ثقافة المقاومة في وجه المحتل.

 

2.      حاول البريطانيون التركيز على ذلك الوتر في مرات عديدة من أهمها إنهم جمعوا زعماء العشائر من غرب العراق – وأغلبهم من أهل السنة ، فقالوا تريدون منا أن نخرج من العراق ، فإذا حصل هذا فمن سيكون الحاكم في العراق من السنة أم الشيعة فنهض إليه الشيخ ضاري المحمود شيخ عشيرة زوبع ، وكان من أواسط الشيوخ الحاضرين عمراً ، فقال له بعد الإعتذار للشيوخ الحاضرين ، أخرجوا من بلادنا ونحن لن نختلف على من يحكمنا من السنة أو الشيعة ، المهم أن يكون عراقياً مخلصاً لأهله .

 

3.      استفادت ثقافة المقاومة من المناسبات الدينية بشكل ذكي وواع ، فبدلاً من الاختلاف في المناسبات بين الطوائف الإسلامية ( ذكرى عاشوراء – والمولد النبوي)  فإن الجماهير بشكل عام حضرت في المناسبات كلها ، وبشعار موحد وهو رفض الاحتلال والمطالبة بالإستقلال . بل وتم حضور المناسبات في الكنائس والبيع للطائفتين المسيحية واليهودية ، الذين صدموا ساسة الاحتلال عندما شاركوا مواطنيهم المسلمين في الإستجابة لدعوة مقاطعة الانتخابات التي جرت في ظل الاحتلال في صورة وطنية شاملة .

 

4.      رد قادة الحركة الاستقلال بشكل متواصل على كل صيحات الفرقة ومخططات الفتنة ، ففي كتاب بطل الإسلام نلاحظ مقولة كاملة من هذه المواجهة – والكتاب مذكرات الإمام الخالصي الميدانية والمترجمة إلى الفرنسية سنة 2002 حيث كان موقف الحركة الوطنية وثقافتها المقاومة تجابه يومياً مخططات الفتنة المعقدة ، وقد نظم مفتي الموصل قصيدة شهيرة جمعت هذه الصور واشتهرت في ذلك الوقت وشاعت كنشيد وطني موحد . ومنها رداً على وصايا الإنجليز :

 

 أيها الغرب جئت شيئاً فريا     كيف نرضى بغير الوصي وصيا

 لا تــقـل سنـــة حنـفـيــة     ولا تقــل شــيعــة جـعــفـريـة

جمعتنا الشريعة الأحمدية      وهلي تأبى الوصاية الغربية

 

هذه صورة الاحتلال الأول وسياستها في الفرقة والانقسام ورد شعب العراق وثقافة المقاومة التي تبناها الجميع بقيادة العلماء والمجاهدين، أما في الاحتلال الجديد منذ 2003 ، فإن الصورة تكررت بشكل قريب وجوبهت بنفس الموقف الوحدوي الذي كان السبب الرئيسي بإفشال مخطط الاحتلال الجديد وإنهاء مخطط الفتنة الطائفية والحرب الأهلية التي كادت تطيح باستقرار العراق ووحدة الأمة ، ورغم الجراحات التي أحدثها المحتلون وشركات أمنهم الخاصة والعملاء الذين جاءوا معهم إلا ان تجاوز الفتنة كان المنفذ الذي أربك المشروع ووضعه على طريق الهزيمة الكاملة .

 

مقدمات قبل الاحتلال

 

منذ مدة طويلة تجاوزت العقدين من السنين بدأت إرهاصات التمهيد العملي للاحتلال الأمريكي وكانت على الأشكال الآتية :

 

1.                كتب ودراسات وبحوث .

2.                ممارسات وأفعال مباشرة .

3.                إشاعات وردود أفعال قابلة للاستثمار .

 

 

ففي القسم الأول ، صدرت عدة دراسات أكاديمية تتبنى أو تدعي إنها تلتزم اسلوب البحث العلمي الرصين ، وكانت تركز على دراسة المجتمع العراقي وفق التقسيم الثلاثي الذي تبناه مشروع الاحتلال بشكل عملي بعد  2003 ، وقبيل ذلك خلال مؤتمرات لندن وما أعقبها من لقاءات سرية وعلنية ، وكانت دراسات حنا بطاطو بأجزائها العديدة ، ودراسات إسحاق نقاش ، وهما مهاجران تركا العراق منذ سنوات طويلة وعملا في الجامعات الغربية ، وركزا في البحث على تقسيم العراق إلى شيعة وسنة وكرد ، وهذا التقسيم خطير جمع بين الطائفية والعرقية بهدف تفتيتي سنشير اليه عند بحث قسم التنفيذ العملي للمخطط بعد الاحتلال ، ففي تلك الدراسات التي ركزت على شيعة العراق ومظلوميتهم التاريخية . وتوصيف كل شخص أو حركة أو مكان أو حادث بأنه شيعي ، أو سني ، أو كردي كجداول ذكر الضباط الأحرار أو الوزراء من العهود المختلفة ، وجرى الخطاب خلالها على ان مصير الشيعة لا يمكن أن يتغير إلا بتبديل مواقفهم الوطنية التاريخية إلى مواقف التفاهم والمهادنة مع الدول الغربية وسياساتها ، ومع الاحتلال الأجنبي كذلك ، لكي لا يتكرر ما أصروا على تسميته بـ ( خطأ ثورة العشرين) وهذا ما ظهر بشكل جلي على لسان الكثير من الباحثين والدارسين والإعلاميين والسياسيين .خصوصاً الذين هيئوا ودربوا لمرحلة ما بعد الاحتلال، كذلك جرت دراسات أخرى، قد تبدو مغفلة وبريئة، وغير مخطط لها كالدراسات الأولى تحدث عن وضع الشيعة في ظل الدول التي حكمت العراق مما فيها الدولة القومية بعد سقوط الدولة العثمانية ، حتى سميت تلك الدول بتسميات طائفية غريبة لتبرير ما يجري في العراق تحت الاحتلال الأمريكي ، بعد أن حدثت عملية التمهيد له ، فسمي العراق المحتل عام 1920 ، بالعراق السني ليتيح لهم تسمية العراق الجديد تحت الاحتلال الأمريكي زيفاً وعدواناً بالعراق الشيعي .

 

وقد رصد لهذه المهمة مبالغ مالية ضخمة انتخبت مراكز الدراسات ، و محطات فضاء أو الصحف ومجلات ووسائل إعلام أخرى وما زالت هذه المهمة قائمة من أجل استمرار عملية المسخ الثقافي والتزييف الفكري حتى بعد تراجع الاحتلال سياسياً وعسكرياً هنالك رصدوا تفصيلياً لكل هذه الجهات ومحاولاتها المستمرة إلى الآن وهو رصد ينتظر الخطة العملية لمواجهة إيمانية ووطنية لإسقاط هذا المخطط في محطاته الأخيرة وقد ركزت هذه البحوث والدراسات والاختراقات الإعلامية بالوسائل المنظورة والإشاعات الغير المنظورة على أمر مركزي موحد ،     يمكن أن نعتبره الوصفة المميزة لهذه الخطة بشكل عام وهو إدانة المقاومة تاريخياً وحاضراً والدعوة إلى الاندماج بالمشروع الاحتلالي وإسقاط كل المواقع الفكرية والأخلاقية والوطنية وإيجاد كل التفسيرات المشوهة لدافع الممانعة ، لتغيب التفسير الحقيقي والبديهي وهو ان الأمة يمكن ان تخسر رسالاتها ووجودها ودورها التاريخي ، لصالح مشروع العدو الاستعماري والاستيطاني الحاقد ، ولو سقط الكثيرون من الضعفاء والخانعين والطامعين من أبناء هذه الأمة وحتى الذين سلطوا على رقاب أبنائها .

 

ـ  وفي القسم الثاني الممارسات والأفعال المباشرة ، فإن سياسات الدكتاتورية والاستبداد والتمييز بين أبناء العراق واحتكار السلطة التي فسرت في بعض المواقع والمراحل على انها سياسات طائفية وهي في الحقيقة سياسات ظالمة شملت كل العراقيين ، مهدت الأجواء والنفوس بشكل خطير لتقبل فكرة التعامل مع المشروع المعادي ، وأطروحاته الطائفية ، وتحت حجة الخلاص من الظلم أو تحقيق مصالح الطوائف العرقية أو الدينية ، وتجاوز الثوابت الوطنية وفكرة الانتماء إلى الأمة الواحدة . وكذلك وبشكل مبكر ظهرت ممارسات عملية حاولت استغلال ردود الأفعال فتم قبول العديد من العراقيين كلاجئين إلى دول الغرب ، وتصاعدت الأرقام حتى وصلت إلى أفواج كبيرة ، خرجت من مخيمات اللاجئين العراقيين في دول الجوار العربي والإسلامي لتجد نفسها في أواسط مجتمعات غريبة عنها في الفكر والثقافة والتقاليد . ومتقدمة عليها من الناحية المعاشية وهي فرصة قدمت إلى اللاجئين لكي تعيدهم إلى ساحة العمل بقبول تام بمشروع العدو وتقسيماته الطائفية والاثنية ، فالكرد وهم شعب مسلم أصيل وشجاع ، وله دوره الكبير في حضارة الأمة وحمل رسالتها ، تعرض لمحنة قاسية طويلة الأمد ، وحملات تهجير متلاحقة فإذا بشريحة من قادة هذا الشعب تذوب في المشروع الغربي ، وتبدأ برفع شعار إنفصال الشعب الكردي عن الأمة ، وعن العراق كبلد موحد . ورغم ان هؤلاء الساسة أذاقوا الشعب الكردي آلام كبيرة خلال صراعاتهم إلا إن الجهات المستفيدة منه ظلت حريصة على إخفاء خلافاتهم وتناقضاتهم وممارساتهم التي وصلت إلى حد الممارسات الإرهابية والجرائم التي نفذتها السلطات الاستبدادية .

واليوم يعلم الكثير من الناس ان هؤلاء الأدعياء لا يمثلون الشعب الكردي بشكل صادق وصحيح وان أطروحة التقسيم المهيجة ،باتت الآن أقل تأثيراً في النفوس بمستوى ابتعاد الجماهير عن ذكريات الآلام والمحن وظهور بوادر التقارب الحقيقي بين أبناء الشعب الواحد .

كما ان المخيمات التي تشكلت بعد الانتفاضة الشعبية في سنة 1991 م ، لم يسمح لها بالبقاء في المجتمعات العربية الإسلامية القريبة والشقيقة ، بل ظل المهاجرون حبيسي مخيماتهم ، ولم يخرجوا منها إلى أهلهم من أبناء الأمة ، وإنما وجدوا منفذاً واحداً يؤدي بهم إلى المجتمعات الغربية البعيدة ، وهنالك كانت الفرصة سانحة لاتهام هؤلاء بالمقولة الخاطئة والمصطنعة إن حريتكم لن تكون إلا بالتعاون معنا والرضا بمشروعنا ، والإعراض عن أفكار الممانعة فضلاً عن المقاومة ، وعن الثبات فضلاً عن الجهاد .

ولقد لاحظنا منذ أوائل الثمانينات أن مسؤولي سفارات بعض الدول الغربية مثل السفارة الأمريكية في بيروت في حوادث مثبتة وسفارات أخرى ، يسألون طالبي تأشيرات السفر للدراسة مثلاً عن مذهبهم الذي ينتمون إليه وإذا أجابهم الطالب الواعي بأننا لا نملك هذا الإحساس ونرفض الإجابة على هذه الاسئلة الغريبة والمشبوهة ، كانوا يجابهون بكثير من التسلط وشيءٍ من الدعوة إلى الانجرار خلف هذه الاطروحات التقسيمية ، وظهرت آثار هذه الأساليب على العديد من المضطهدين والمغفلين فبعضهم يقول صراحةً ، أن الغرب ليس عدواً لنا ،حتى ولو استعمرنا واحتلنا ، مادام يتيح لنا فرصة ممارسة الشعائر والحرية الدينية ويقدم لنا الحماية اللازمة ، ولم يتمكن هؤلاء وهم في حالة الاضطهاد وردود الأفعال البليدة ، من الانتباه إلى أن الغرب الحر، هو الذي مارس الاضطهاد الديني ، وساند الدكتاتوريات الظالمة في ممارسات القمع والظلم التي أصابتهم ، ولقد جاء أحد الباحثين الواعين إلى وضع معادلة جديدة يجسد هذه الحالة الاستغلالية والاستغفالية ، على منوال معادلة ( النفط مقابل الغذاء ) الظالمة في فترة الحصار المرير الذي آذى شعبنا دون أن يؤذي سجانيه وظالميه ، فقد سمى هذا الباحث المعادلة الاستغفالية في ظل الاحتلال بمعادلة ( النفط مقابل اللطم ) ، واللطم هو الجزء الساخن قبل الأخير من ممارسات التي تسمى خطاءً بالشعائر الحسينية في أيام عاشوراء ، فإن الاحتلال دهاقنة الخداع فيه، عرضوا على المظلومين والمخدوعين أن يسرقوا منهم كل شيء ، والنفط يمثل هذا الجانب المادي ، مقابل السماح لهم بكل الممارسات التي يشجعون عليها لإبقاء الناس في غفلة وضياع ، ولكي لا يتفهم الناس حقيقة الثورة الحسينية وأهدافها الرسالية الإنسانية الكبرى ولا يخفى ان الحرب العراقية الإيرانية ، وتفسيراتها الطائفية الهامة ، وأصطفافاتها الواضحة الخطيرة تركت ظلالها على التوجه الوحدوي والأممي لحركة الأمة بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران .

ـ  وفي القسم الثالث تم التركيز على إثارة كل ما يؤدي إلى الوقيعة وسوء الظن بين أبناء الأمة في التاريخ القديم والحديث ، واختلقوا أحداثاً معاصرة ، أو صنعوها فعلاً وعمدوها بالدماء لكي تزداد نسبة الاهتزاز في التوازن العقلي والنفسي، وسحب أكبر عدد من الناس إلى مواقع الفتنة التي خططوا لها حتى تمكنوا أحياناً من التأثير المباشر على شخصيات علمية كبيرة ورصينة ، وأوقعوا سوء الظن بين العلماء المخلصين وخلقوا ندوات حوار زائف تعمل على إثارة الشحناء والبغضاء واستعمال العبارات الجارحة ، وأدخلوا فيها أناس من غير أهل العلم الصحيح ، أو من المهيجين لأسباب نفسية أو شخصية ، وهذا كله شكل تمهيداً لمخططهم ، فأمام حوادث التفجيرات الهائلة والسيارات المفخخة والبنايات المهدمة والجثث المقطعة والمشوهة ، سنجد مساحة واسعة من الناس يمكن ان تتأثر بإفرازات هذه المشاهد المؤلمة ، وبوجود عناصر مندسة ، فإن الأصوات المتهمة سترتفع لتوجه أصابعها إلى أبناء الأمة أو شرائحها الأخرى ولهذا كان متوقعاً ان يستدرج البعض إلى هذه الصراعات كما حصل في لبنان ، وفي العراق ، وان يجروا نحو  إتهامات مخططة مسبقاً خفي أصحابها في الأغلب وظهروا بشكل صريح في بعض المواقع كما فعل شالوم وزير الخارجية الصهيوني علناً بصدد الأحداث الخطيرة في لبنان وكما بادرت كل الجهات التابعة للمشروع الأمريكي في العراق . ولكن كل هذا المخطط الكبير والخطير ، اصطدم من مراحله المختلفة بوعي طبقة من العاملين ، ثم بدأت المجابهة تتسع لتصل إلى شرائح واسعة جداً، حيث باتوا يدركون بشكل قاطع من المنفذ الحقيقي لهذه الجرائم ومن هو المستفيد الحقيقي منها .

إنني أستطيع ان أقول بشكل مطمئن ان ما يقرب من 90 % من أهلنا في العراق تأثروا بالمخطط التقسيمي الطائفي بشكل وآخر من البدايات، وإن نسبته تزيد على 90 % تقف اليوم في الموقع المناوئ للمخطط الطائفي بشكل أو بآخر وهذا التغيير يشكل إشارة جلية على نسبة إندحار المشروع التقسيمي الطائفي ، وهذه الإشارة تشكل نفس النسب الدالة على نجاح المشروع الذي خاضته الثقافة المقاومة.

 

كيف بدأت المواجهة

 

قبل أن يدخل الأمريكان إلى العراق بدأت عملية المواجهة بتصعيد وترويج الثقافة المقاومة . وذلك بكشف أوراق هذا المخطط القاسي والخبيث ، ففي مؤتمرات وندوات ولقاءات ، أمكن كشف المخطط المعادي بشكل وآخر من خلال المحاضرات والبيانات واللقاءات سمحت بها الهوامش المحدودة التي تتيحها الأجهزة الإعلامية في العالم كذلك ومن خلال اللقاءات المباشرة مع الناس رغم ضغوط العدد الكبير والمستغفل خصوصاً في بدايات الاحتلال والراغب بالخلاص من الاستبداد والديكتاتورية وإفرازاتها القاسية بأي شكل من الأشكال ، وهذا موضوع لو أردنا ان نمر عليه سريعاً ودون تفاصيل لضاقت بنا مساحة البحث هذا فكيف لو ذكرنا تفاصيلها المريرة ، ومع ذلك أعطت هذه اللقاءات نتائج طيبة ساهمت إلى حد بعيد بقلب الصورة ونسبها العددية التي أشرنا اليها .

 

أما من الناحية الميدانية فتمت مواجهة مشروع الفتنة بشكل عملي بقيام مشاريع عمل جابهت مشاريع الأعداء المخططة والممنهجة وهي :

 

1.      الخيمة العراقية الشاملة ، ففي مواجهة مخطط التقسيم الثلاثي الخبيث ، سنة ، شيعة ، كرد ، والذي استهدف إلغاء الوجود العربي من العراق فضلاً عن الانتماء باعتبار العرب لا قومية بمجتمعهم وإنما هم سنة وشيعة ، كما جعل الكرد قومية خارج الدائرة الإسلامية فهم ليسوا سنة ولا شيعة ( وبهذا فلا ينتمون إلى الإسلام  كما صوروهم وأرادوهم ) ، فبادرت القوى الوطنية العراقية وفي ظروف الحرج والخطر والفراغ الكبير الذي أعقب الاحتلال إلى رفض هذا التقسيم المشبوه ، إلى الإعلان عن وحدة وطنية تستظل بمظلة عراقية جامعة لا تفريق بين مواطن وآخر ، وهذا ما أفرز مشروع المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني الذي حدد المواقع الوطنية وأفرز الثوابت التي جابهت مشروع الاحتلال والتي تمكنت من دحر مصطلحات الأعداء ومخططاتهم التي جاءوا بها . وحتى هذه الساعة بقي المؤتمر خيمة وطنية جامعة ، وبقيت ثوابته جامعة لقوى الشعب العراقي، وقادرة على درء المخطط الذي جاء به الاحتلال ، حتى اضطرت القوى التي تأثرت بمشروع المحتلين إلى رفع نفس الشعارات الوطنية للمؤتمر والتي حاربوها لسنين طويلة ، وهذا التراجع أو الهزيمة أما عودة إلى الوعي بعد الاستلاب وهذا أمر لا ننكره لو كان محدوداً ، وأما محاولة لإرضاء الشارع العراقي الضاغط ولركوب الموجه الجديدة العارمة ، وفي كل الأحوال هو إنتصار واضح لمشروع الثقافة المقاومة وانهيار مشروع الاحتلال المهزوم سياسياً وإقتصادياً حتى في داخل الولايات المتحدة، والمهزوم عسكرياً على يد أبناء الشعب العراقي المقاومين على أرض الرافدين . ونستطيع هنا ان نشير الى نقاط محدودة لهذه الهزيمة ، فالجميع الآن يدين الطائفية والمحاصصة، والجميع يدعوا إلى حكومة مركزية ويدين التقسيم والفدرالية ، والجميع بحث عن حلفاء لتشكيل مكون سياسي وطني ، ولو كان زائفاً ، والجميع يدين الاحتلال ويدعو إلى رحيله ، سواء كانوا صادقين أم كاذبين ، وهذا يؤكد ان الثقافة المقاومة تستند إلى حقائق راسخة لا يمكن ان تتغلب عليها مخططات الاحتلال المشوهة لحقائق التاريخ والإيمان والهوية .

 

2.       الوحدة الإسلامية – ففي مواجهة المشروع الطائفي قامت حركة وحدوية واسعة تشكل امتداداً حقيقياُ لوحدة الشعب العراقي خصوصاً في ثورة العشرين وحركة الجهاد وإلى الخمسينات والستينات ، جابهت هذه الحركة وبشكل ميداني ومتواصل مخطط الفرقة والفتنة الطائفية وشكلت فرق إطفاء تحضر في كل موقع ملتهب لتخمد نيران الطائفية المصطنعة والمصدرة إلينا ، وشكلت هذه المحاولة أساس الوحدة الوطنية والخيمة العراقية الجامعة ، وانفتحت على العراقيين من أهل الأديان الأخرى وجابهت المجرمين الذين حاولوا الإساءة إلى أبناء العراق بتفجير المساجد والمراقد والكنائس ، ورغم ان إنشاء ( جماعة علماء العراق الموحد ) ظل حلماً لم يتحقق بشكل مؤسسي رغم الإعلان عنه في 7/5/2004 م ، إلا ان التواصل بين العلماء المخلصين ظل مستمراً وسائراً ، يواجه جهل الأبناء وظلم الدخلاء والبلهاء وكيد الأعداء حتى أرتفع صوت العصر من جديد ، فبادر الكثيرون هذه الأيام حتى من كانوا أداة الاحتلال من إثارة الفتنة الطائفية ، إلى إعلان التزامهم بمبدأ الوحدة والسعي لجذب بعض العلماء والمثقفين إلى جانبهم حتى لا يظهروا بمظهر الطائفية البغيضة في نظر أغلب أبناء العراق ، لقد كان التعاون المثمر في ظل المشروع الوطني بين المرجعيات الاسلامية الواعية كمدرسة الامام الخالصي وهيئة علماء المسلمين والتيارات المخلصة والعلماء الواعين أهم سبب أدى إلى نهاية الفتنة العمياء في وقت قياسي ، مع ما جرى من مآسي وآلام لكل أبناء العراق جرت نتيجة المخطط المعادي الذي وضعه العدو ونفذه أزلامه وأستدرج إليه بعض المجرمين أو المغفلين .

 

3.      ومن أهم طرق المواجهة هو الالتزام بحق الشعب العراقي في المقاومة وإدانة اعمال الأجرام ضد هذا الشعب ففي العراق شعب واحتلال ، فما يجري ضد الاحتلال فهو من صنع الشعب ، وما يجري ضد الشعب فهو من صنع الاحتلال ، وقد قامت قوى المقاومة وثقافة الجهاد بهذا الدور الجاد والمصيري ، فهي كانت المبادرة إلى إدانة كل الأعمال الإجرامية والإرهابية ضد الشعب العراقي ، بل وأعلنت إنها من صنع أعداء العراق لإثارة الفتنة الطائفية من جانب، وتشويه صورة المقاومة الحقيقية ، وكان الأمر غير معلن في السابق أوسع من هذه المرحلة ، فقد قامت قوى المقاومة والتيارات الوطنية الإسلامية المخلصة بمجابهة المجرمين والإرهابيين ، وكان موقفها هو الحاجز الحقيقي أمام إستمرار الإرهابيين وجرائمهم  ومخططهم المشبوه الذي أرادوا من خلاله إثارة الفتنة بما ينتهي إلى خدمة مشروع الاحتلال .

 

كما كانت ثقافة المقاومة ، وهي تواجه الاحتلال ، ثقافة بناءة فكل جانب فيه خدمة للعراق كانت تبادر إلى تبنيه وتشجيعه ، فقد بادرت إلى عقد اللقاءات والندوات والأعمال المشتركة ، لتؤكد ان الشعب العراقي شعب واحد ، يواجه خطراً واحداً ، وان الحالة الشاذة في العراق لا يمكن ان تنتهي إلا برحيل المحتلين ، وهذا ما قبلته الإدارة الجديدة مضطرة بعد ان رأت إنهيار المشروع الأمريكي في العراق وما أدى إليه من إنهيار الهيبة الأمريكية في العالم، إضافة إلى العامل النفسي عند جيش الاحتلال ، ووصول بوادر الخطر إلى داخل امريكا نفسها ، تمزقاً اجتماعياً وإقتصاداً متعثراً وأزمة سياسية تكاد تعصف بكل الواقع الأمريكي وتذكر الناس بأيام الإتحاد السوفيتي السابق قبل الانهيار .

 

المرجع الديني الإمام المجاهد

 سماحة الشيخ جواد الخالصي (نصره الله)

الأمين العام للمؤتمر التأسيسي العراقي الوطني