بسم الله الرحمن الرحيم

 

محاضرة الأستاذ محسن الموسوي في الذكرى المئوية لتأسيس جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس سره)

 

 

          تواصلاً مع احتفالات جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس سره) بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المدرسة الزهراء جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي استضافت الجامعة الشاعر والمؤرخ المعروف محسن الموسوي .حيث تفضل بإلقاء محاضرة تناول فيها بعضاً من سيرة وجهاد مؤسس الجامعة وزعيم الاستقلال شيخ المجاهدين الإمام محمد مهدي الخالصي الكبير.

 

افتتحت الندوة بتلاوة آي من الذكر الحكيم بعدها تفضل الأستاذ محسن الموسوي بإلقاء محاضرته التي جاء فيها:

 

لا بدَ أن نَعرف أن الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير مؤسس هذا الصرح الشامخ ليس عالماً فقهياً فحسب بل هو عَلَمٌ من أعلام التقى والزهد والهدى، وبطل من أبطال الإسلام، ويُعَدُ سماحته المؤسس للخط الجهادي ضد الاستعمار البريطاني في العراق. أيها الأخوة الأعزاء إن محاضرتي تنقسم إلى قسمين، الأول: ملامح عن القيادة النوعية في خط الأنبياء والمصلحين. والثاني: ملامح من السيرة العطرة للإمام المجاهد محمد مهدي الخالصي الكبير.

 

          إن القوى الطاغوتية لم تتوقف مكتوفة الأيدي أمام المد الإصلاحي الذي يهدد وجودها، بل استخدمت كل الوسائل والأساليب للحيلولة دون تدفق هذا المد، بل رأوا في هذا المد حركة وعي تسلبهم امتيازاتهم الترَفية، والتي ما كانت لتتحقق لولا حالة الجهل والتجهيل التي كانوا وما زالوا يفرضونها على الأمم والشعوب المستضعفة، فتراهم يرهبون الشعوب والأمم ويقودوها الى الجهل وتغيب الوعي.

 

          ومن أهم الطرق التي استخدموها في ذلك وبالرغم من الفارق الزمني بين طاغٍ وآخر، إلا أن الأسلوب المتبع يكاد يكون واحداً. الأمر الذي يدل على تشابه قلوب الطغاة. الأسلوب الأول الذي اتبعوه كان أسلوب التصفية الأفقية، إن من أهم الأمور التي يصورها لنا القرآن من خلال جهاد الأنبياء مع أقوامهم أن الحكام كلما أزادوا تجبراً وطغياناً ازدادوا ضعفاً في مواجهة الإصلاح، وبالعكس فان من يزدد قوة بالحق يزدد قوة في حجته فترى الطغاة يقفون عاجزين في معركة المنطق مُلتجئين إلى وسائل القوة والبطش، او وسائل الإشاعة والدعاية، وهذا نابع من قوة حجة الأنبياء وضعف حجة الحكام الطغاة، والشاهد على ذلك حوار نبي الله إبراهيم (عليه السلام) مع النمرود والذي انتهى بقوله تعالى فبهت الذي كفر. وهنا وعند عجز المنطق عند الطغاة يلتجئون إلى الاستهزاء والإشاعة واعتمادهم في ذلك على الجهلة والمغفلين، وهذه هي آفة المجتمعات، قال تعالى { وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ} .

 

          أما الخط الثاني الذي اعتمده الطغاة في أسلوب التصفية الأفقية فهو أسلوب الإشاعة، وغرضهم منه زعزعة ثقة المجتمع بالمصلح النبي  أو القائد الواعي أولاً، وتمزيق وحدة الصف ثانياً، وهدم معنويات المؤمنين وإشغالهم بأمور هامشية تبعدهم عن الهدف الأساس ثالثاً، وبلبلة الأفكار في أوساط المجتمعات بنشر أخبار مزورة لا أساس لها من الصحة رابعاً، وهذا ما فعله فرعون مع موسى (عليه السلام) عندما بث طابوره الخامس العديد من التهم التي غايتها تشويه صورة موسى (عليه السلام)، حتى إذا عجزوا عن إيقاف المصلحين التجأوا إلى نعتهم بالسحرة وقول فرعون بحق موسى (عليه السلام) شاهد على ذلك، وكذلك قول قريش بحق النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم). ولا تظنوا أن الطغاة ينظرون بعيون قلوبهم وأبصارهم بل ينظرون بعيون كراسيهم ومغانمهم. إن فرعون كان قادراً على قتل موسى، ولكن أشير عليه أن لا يقتل موسى إلا بعد إسقاطه في أعين الناس.

 

          أما الطريق الثاني فهو التصفية العمودية وهو طريق متداخل مع أسلوب التصفية الأفقية، ولكنه كان يترك في اغلب الأحيان ليكون الحل الأخير، وهذا الأسلوب هو استهداف قائد الثورة أو الثوار بشكل مادي وتصفيتهم جسدياً، فأتبعوا أساليب متنوعة ومختلفة تبقى على الأقل الجسم المادي للحكومة الظالمة، بعد أن يكشف الإصلاح عن الوجوه المزيفة وبنشط  حركة الوعي القائمة لدى الأمم والقاتلة لحالة الجهل التي تستمر بها حياة الحكومات الطاغية. ولكن الشيء الملفت للنظر هو استخدام الجمهور الذي يمثل الطرف المهم في المعادلة وحلقة الفصل من حيث وعيه لحركة الاستصلاح أو استسلامه لرغبات الطغاة، لذا ترى الأنبياء يعملون على تنشيط  العقيدة لدى الأمم ودفع ملكاتها باتجاه النهوض، في الوقت الذي كان الفساد يبث سمومه للحصول على الشخصية المهزومة وكما فعل النمرود عندما أراد أن يقتل إبراهيم (عليه السلام)، فجعل من الشعب البابلي يجمع الحطب لحرق إبراهيم (عليه السلام)، ولكن الواقعة وبإرادة الله تحولت إلى معجزة بعد أن تحولت النار إلى بردٍ وسلامٍ على إبراهيم لكي يرى الشعب حجم الاستغلال الذي هو فيه والاستغلال الذي أدخلته فيه الإرادة النمرودية.

 

          أما لماذا يصر الطغاة على إدخال الجمهور رغم قدرتهم على التصفية فيرجع للأسباب التالية: ـ

1.    إخراج الطغاة من عملية التصفية ظاهرياً.

2.    إضاعة دم المصلحين وعدم القدرة على تميز القاتل.

3.    إسكات أصوات الثائرين والمجاهدين.

 

أما الأسلوب والطريق الثالث فهو أسلوب الإقصاء والتهميش لأصحاب الرأي الصالح عن القرار، وإبعادهم عن المشورة لان وجود شخصيات واعية في القرار له أثر خطير على الحكام، وهذا ما اتبعه الجاهليون من قريش مع الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) .

 

وهناك أسلوب رابع هو أسلوب الإقامة الجبرية، وهو الأسلوب الذي اتبعه بنو أمية مع أئمة الهدى من أهل البيت ومع الصحابة الأجلة المصلحين.

 

اما القسم الثاني من المحاضرة فقد تناول فيه الأستاذ المحاضر سيرة الإمام المجاهد الشيخ محمد مهدي الخالصي حيث توقف عند محطات عديدة من جهاد الامام الثائر أهمها:

 

1.  في 10 / 11 / 1914م اجتماع حاشد في الصحن الكاظمي الشريف والإمام الخالصي يصدر فتوى بوجوب الجهاد ضد الاحتلال البريطاني.

2.    في 30  / 11 / 1914م توجه موكب المجاهدين من الكاظمية نحو الجبهة بزعامة الإمام الخالصي.

3.  في  2 / 12 / 1914م وصول موكب المجاهدين بزعامة الإمام الخالصي إلى مدينة العمارة وسط استقبال جماهيري كبير وعقد اجتماع في مسجدها الكبير.

4.  في 1/ 4 / 1922م المرجع الخالصي يرسل مائتي وخمسين برقية إلى العلماء والزعماء ورؤساء العشائر يدعوهم لحضور مؤتمر كربلاء لتدارس الموقف من هجوم الوهابين على المدن المقدسة.

5.    في 1 / 6 / 1922م إرسال مندوبين للقاء فيصل وإعلامه بأن لا يقدم على أي عمل يخالف رغبات الشعب.

6.    في 20 / 8 / 1922م مظاهرات احتجاجية ضد المعاهدة البريطانية.

7.    في 27 / 8 / 1922م الإمام الخالصي ينقض بيعة فيصل الأول.

8.  في 18 / 5 / 1922م منشورات في مدينة الكاظمية تذكر الشعب العراقي بفتاوى العلماء القاضية بحرمة الانتخابات ما لم تلبي الحكومة مطالب الأمة.

 

بعدها تطرق إلى سيرته الذاتية وحياته التي كان يعيش حيث انه وحسب ما ورد الكثير ممن زامله او عاصره لم يكن يأكل إلا من الأكل الذي يأكل منه الثوار، وكان يحمل أبناءه على التحمل والصبر على الأذى في جنب الله سبحانه، وإذا أفتى بشيء فهو وأهل بيته أول المطبقين، وكيف انه كان زاهداً في الدنيا إلى الحد الذي لم يكن له مال يسد تكاليف الحج والزيارة.

 

بعد فتح باب الحوار والمناقشة والذي دار اغلبه حول مصادر البحث. ثم أعقبه سماحة آية الله المجاهد الشيخ هادي الخالصي على المحاضرة قائلاً:

 

إن المحاضرة اتسمت بالموضوعية وعادت على السامعين بالفائدة وتميزت باهتمامها بالتواريخ، ونرجو من الأستاذ المحاضر أن يوسع هذه المحاضرة لتكون رسالة تتناول حقيقة جهاد المصلحين لمصلحة الأمة والرسالة الإسلامية، ونرجو أيضا أن يهتم بجمع القصائد الشعرية التي قيلت بحق المرحوم الشيخ الإمام محمد مهدي الخالصي.

 

المحاضر الأستاذ محسن الموسوي مؤرخ وشاعر تخرج من جامعة بغداد / كلية الآداب / قسم اللغة العربية، له دواوين شعرية مطبوعة أهمها ديوان جراح كربلاء وديوان شعر لغة القلب ودواوين أخرى. كتب عنه الأستاذ عبد الرضا الخزاعي تحت عنوان العالم الوجداني عند محسن الموسوي ( وهي دراسة لغوية رؤيوية ) وله مؤلفات تاريخية أهمها:

1.    الصلة بين الإسلام والديمقراطية.

2.    عمر بن سعد الرجل الذي خسر الدنيا والآخرة .

 

المكتب الإعلامي

جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس سره)

 الكاظمية المقدسة