الفقيه المجاهد

 

عمر من الجهاد بالسيف والقلم والمنبر والمحراب

 

السيرة المختصرة لحياة آية الله العظمى المرجع الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي الكاظمي الأسدي (طاب ثراه)

 

 

جمع وتوثيق محمد حسن قاسم الخالصي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإمام الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه)

 

الفقيه المجاهد

 

عمر من الجهاد بالسيف والقلم والمنبر والمحراب

 

 

 

بهديك والزهـــد قال التقــــى*****وحزمك من حزم أهل الكســا

وذبك بالحق عن شـــــــــرعة*****إلهـــية الوحي مما أســـــى

فيا آيـــة اللــــه في أرضــــــه*****وطود الإمامــة علما رســــــا

سـيبقى رحيلك طول المدى*****على منبر الدهر مهما قسى

 

 

 

الفهرست

 

 

1-      الفصل الأول: ولادته ونشأته.. 6

2-   الفصل الثاني: المشاركة في حركة الجهاد ومقاومة الاحتلال البريطاني عام 1914م   6

3-      الفصل الثالث: ثورة العشرين وخطاب إعلانها 8

4-      الفصل الرابع: نفي الشيخ محمد الخالصي قبل والده. 9

5-      الفصل الخامس: جهاده الديني والسياسي في منفاه في ايران.. 12

6- الفصل السادس: رفض الشروط البريطانية بترك الشأن العام العراقي من قبل الخالصي الكبير ونجله الشيخ محمد. 13

7-      الفصل السابع: دور الشيخ محمد الخالصي في مواجهة النفوذ البريطاني في إيران   16

8-      الفصل الثامن: الشيخ محمد الخالصي في مواجهة طغيان رضا البهلوي... 18

9-      الفصل التاسع: الإمام الخالصي بعد عودته إلى العراق... 20

10-       الفصل العاشر: محاولات السياسية البريطانية تحجيم حركة الإمام الخالصي     24

11-       الفصل الحادي عشر: نموذج من مؤلفاته باللغة العربية.. 26

12-       الفصل الثاني عشر: وفاته وتشييعه.. 27

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة الكاتب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الكائنات والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين وكل من تبعهم بإحسانٍ ليوم الدين.

 

أما بعد، فقد مرت على الأمة الاسلامية جمعاء والعراق على وجه الخصوص أشد الأحداث وأعظم الخطوب خلال القرن المنصرم وبداية هذا القرن، ولابد لكل باحث عن طريق النجاة و الخلاص أن يعود ويقرأ أوراق تاريخ العراق الحديث مرات ومرات من أجل اكتشاف مواضع القوة والبناء من جهة، وكذلك مواضع الخطأ والزلل من جهة أخرى والتي أدت بهذه الأرض الطيبة وهذا الشعب المعطاء العزيز الى ما هو عليه اليوم، فما يظهر للناظر من حال العراق وشعبه بالعيان ينفي الحاجة الى الوصف والبيان.

 

فصاحب الذكرى في هذه السيرة المختصرة، وهو الفقيه الراحل والمرجع المجاهد الإمام الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه) كان قد شارك في الكثير من الأحداث التي مرت على العراق وشعبه منذ مطلع القرن العشرين وحتى رحيله نهاية العام 1963م، بل وصنع الكثير منها ووضع بصمته على أحداث أخرى في العراق وعموم منطقة المشرق الإسلامي، ولم يدخر جهداً من أجل العمل على رفعة العراق وسؤدده واستقلاله بكل ما أوتي من قوة.

 

لقد كانت حياته (رحمه الله) خلاصة عن عمل مخلص وصالح دؤوب لا يكل ولا يمل من أجل إعلاء كلمة الله ونشر العلم والمعرفة والدعوة للإستقلال والتحرر، وتحمل في هذا السبيل النفي والتشريد ومحاولات القتل والاغتيال وحملات التجني والإفتراء.

 

يرزق الله تبارك وتعالى الأمم بقادة كبار ومخلصين، همهم الأول والأخير إعلاء كلمة الله وسيادة واستقلال ومنعة وتطور بلادهم وشعوبهم، فإذا ما سارت معهم أممهم وانتهجت السبيل القويم الذي اختطه هؤلاء القادة المراجع الكبار، فلا شك أن القوة والمنعة هي مستقبل هذه الأمم، ونرى كيف أن أمة ايران التي وثقت وانتهجت سبيل قائدها الراحل وهو الامام الخميني (طاب ثراه) قد حققت استقلالها الداخلي ومٍنعًتٍها من التدخل الخارجي وبنت اقتصادها في الزراعة والصناعة والتجارة والتطور التقني والمنعة الاقتصادية والعسكرية، حتى صارت قوى العالم الكبرى تحسب حسابها، وما كان ذلك ليحدث لولا الإنقياد الواعي لعموم أمة إيران لهذا القائد الفذ. ولولا ذلك لبقي نظام الشاه السابق مهيمناً على تلك البلاد وما يتبع ذلك من الهيمنة المطلقة للنفوذ الصهيوني الأمريكي على المنطقة، وخلافاً لما نرى اليوم من انتشار الصحوة الإسلامية وتنامي إيمان الشعوب بخيار المقاومة الفاعلة كما هو مشهود في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان.

 

 في حين عندما تسند الأمور لقادة مهزوزين، تأتي بهم الدول الأجنبية حسب مصالحها وتسلطهم على البلاد سواء بنفوذها كما حصل قبل احتلال العراق عام 2003 أو بالإحتلال العسكري المباشر بعد غزو العراق في ذلك العام، فإن النتيجة ستكون ما نراه في بلادنا حيث الشقاق والخلاف والنزاع من أجل المصالح الشخصية أو الفئوية في أحسن الأحوال، وتعشعش العرقية والطائفية والفساد الاداري والسرقة والاختلاس والحطام في كل مكان.

 

كان صاحب الذكرى (رضوان الله عليه) ممن يملكون الثقة بالله والهمة العالية لجعل العراق وطناً مستقلاً منيعاً يحكمه أبناؤه وينعمون بخيراته ويهابه أعداؤه والطامعون به، ولكن الإحتلال البريطاني وبنفوذه ونفوذ سائر الحكام الذين سلطهم على البلاد المجاورة وبوسائل الإعلام التضليلية التي استخدمها لدس الدعايات المغرضة وتلفيق الأكاذيب وتصديق السذج لتلك الأكاذيب، كل ذلك ساهم في إبعاد الشعب العراقي عن قادته المخلصين وكبار مراجعه المجاهدين الذين خشيت تلك الجهات أن يبنوا للعراق كياناً مستقلاً لا يخضع لإرادتهم.   

وفي مقارنة بسيطة بين الأمتين في ايران والعراق، نرى إيران قد حصلت على ما هي عليه مما ذكرنا سابقاً من المنعة والإستقلال، بينما حل في العراق إحتلال جديد بقيادة أمريكا وحلفائها وبخيانة من بعض المحسوبين على العراق من الذين جندتهم في مؤتمر لندن عام 2002م.

 

رحل الفقيه المجاهد الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه) الى بارئه جل وعلا، كما رحل الكثيرون من تلامذته ومحبيه، وكذلك خصومه ومن ساهم في إبعاد الشعب العراقي عنه، وبقيت لنا النتائج والعبر.

 

يحق لكل عراقي أن يرجع الى أحداث التاريخ القريب ويقرأها مرات ومرات، ويسأل نفسه ومن حوله عن تلك الأحداث التي أدت لهذه النتائج التي نراها اليوم في بلادنا. فهو شأننا جميعاً ومستقبل أبنائنا ولا أحد أولى بقراءتها والإعتبار بها منا، فالأرض التي احتلت هي أرضنا، والدماء التي سفكت هي دماؤنا والثروات التي سرقت وبددت هي ثرواتنا.

 

أحاول أن أسهم في نقل صورة ولو مختصرة عن فقيه إسلامي كبير ومرجع مجاهد وأب بار للعراق وكل المسلمين. أما الصورة الأشمل والأوضح فسوف تكون في مذكراته التي كتبها بنفسه الزكية طوال ستة عقود تحت اسم (في سبيل الله)، وتتحدث عن أحداث العراق الكبرى، في احتلاله الأول عام 1914م، والتحضير لثورة العشرين، والجهاد السياسي الذي تبعها وسنوات النفي والسجن في ايران ثم العودة الى العراق بعد حوالي ثلاثة عقود وأحداث حلف بغداد والمد الأحمر وتغييرات الحكم في البلاد وأحوال الناس فيها.

 

أدعو الله العلي القدير ان يأخذ بيد شعبنا وأهلنا من أجل الخلاص والتحرير وجعل العراق بلداً يليق بأبنائه بعد هذه السنوات العجاف الطويلة من الحكومات التعسفية والأنظمة الظالمة وعهد الاحتلال المظلم الذي مازال ليله يكتنف سماء العراق بكل تفاصيله البغيضة  وفق مشروعه الذي أراد به ترسيخ تسلطه عن طريق أزلامه على كل مفاصل الحياة وهيمنته على القرار السياسي في بلادنا واستباحتهم لدمائنا وأعراضنا واستئثارهم بثروات وطننا وشعبنا، ولا يمكن الخلاص من كل ذلك إلا بالوعي والعمل المخلص الدؤوب والمنهج الصالح واليد النظيفة.

 

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

 

الراجي عفو ربه

محمد حسن قاسم الخالصي

29 جمادي الثانية 1430 هـ

الموافق 20 حزيران 2009م.

            

 

 

 

 

 

1-              الفصل الأول: ولادته ونشأته

 

ولد الإمام الشيخ محمد الخالصي عام 1888م (1306 هـ) في مدينة الكاظمية المقدسة، وتربى في كنف ورعاية والده الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكاظمي الأسدي (طاب ثراه)، علم العراق المعروف وشخصيته الفذة إبان الربع الأول من القرن العشرين، ووالدته العلوية نائلة الأعرجي والتي تذكر لها أجيال الكاظمية طردها رسول المندوب السامي البريطاني " سر برسي كوكس" من على باب دارها مقدما كيساً من المال بعد نفي زوجها الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير من العراق إثر رفضه الانتداب البريطاني ومعاهدته وقتها ومن ثم تحريم  المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي الذي كانت مهمته التصديق على المعاهدة وشرعنة الاحتلال البريطاني.

درس الإمام الشيخ محمد الخالصي على كبار علماء عصره: الآيات المراجع العظام وهم والده الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير والشيخ مهدي المراياتي، ‌والشيخ محمد حسين الكاظمي، والآخوند محمد كاظم الخراساني، والشيخ راضي الخالصي،‌ والشيخ صادق الخالصي، والميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي (رحمهم الله) دروس الفقه والأصول واللغة والحديث وسائر العلوم الدينية.

وكان رحمه الله ولنبوغه قد حاز على درجة الاجتهاد في سنٍ مبكرة جداً، وكان متبحراً في العلوم الدينية إلى جانب سعيه لكسب العلوم الحديثة كالطبيعيات والرياضيات و قراءته الدائمة في الطب. وإلمامه باللغات الفارسية والتركية والفرنسية إلى جانب تعمقه بالعربية.

 

2-              الفصل الثاني: المشاركة في حركة الجهاد ومقاومة الاحتلال البريطاني عام 1914م

 

شارك الشيخ محمد الخالصي في أحداث (( الجهاد‌)) ضد الانكليز منذ أن وطأت قواتهم ارض العراق عام 1914م، فهب بمعية والده وجمع من العلماء للتصدي لهم، وقد خرج رحمه الله على رأس ثلة من المجاهدين إلى سوح القتال في 19 تشرين الثاني 1914 وكان له من العمر خمسة وعشرون عاماً تحت إمرة‌ والده الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي (طاب ثراه) الذي قاد بنفسه ورغم كبر سنه جبهة الحويزة في حرب مقاومة الاحتلال إبان الحرب العالمية الأولى وقدوم القوات البريطانية ونزولها في الفاو جنوب البصرة لغزو العراق، بينما قاد جبهة الشعيبة الإمام السيد محمد سعيد الحبوبي (طاب ثراهم).

 

قاتل الشيخ محمد الخالصي في مختلف الجبهات وشارك في أشرس المعارك ضد القوات الغازية وعرف بشدة بأسه ونشاطه ضد المحتلين البريطانيين، وأدى دوراً هاماً  كمنسق بين قيادة العلماء وقيادة القوات العثمانية. رفض والده الخالصي الكبير انسحاب العثمانيين وقبولهم الهزيمة، وكان عدد المتطوعين الذين يقودهم يزيد على عدد الجيش العثماني أضعافاً، وكان الشيخ محمد الخالصي يقود كتيبة نشطة من الفرسان للتنقل بين الجبهات في أعمال هجومية ضد البريطانيين من جهة وإيصال المؤن والأعتدة للمجاهدين من جهة أخرى. وبقي في جبهات القتال حتى نهاية الحرب-‌‌بالرغم من إصابته بجروح في رأسه أضرت بعينه اليمنى‌‌- وأدت ضمن عوامل أخرى كمحاولات متعددة لتسميمه الى ضعف بصره ثم الى فقد بصره نهائياً في العقيدين الأخيرين من حياته.

 

قام الإمام الشيخ محمد الخالصي بدور بارز في حصار كوت العمارة الشهير حيث وقع ما يزيد على 11 ألف جندي وضابط من الجيش البريطاني في الأسر على ما ذكره قائدهم الجنرال طاوزند في كتابه الموسوم (محاربتي في العراق). وقد ضاق المجاهدون ذرعاً بتوفير المؤن والمأوى لهذه الأعداد الكثيرة من الأسرى وهو الأمر الذي لم يجد المجاهدون أنفسهم ما يكفيهم منها.

 كانت حرب الجهاد ضد الغزو البريطاني حرباً ضروساً وطاحنة لم تتوقعها بريطانيا من بلد تعرض لظلم العثمانيين وإهمالهم طوال حكمهم له. فقد نزلت القوات البريطانية الغازية الى مدينة الفاو العراقية في 14 تشرين الثاني عام 1914 مستفيدة من انتهاء موسم الصيف اللاهب في العراق ومتوقعة أن تنهي عملية الاحتلال بسرعة وسهولة، إلا أنها وبسبب المقاومة الباسلة التي أبداها العراقيون وقادتهم الوطنيون من علماء أعلام ومجاهدين كبار وعشائر غيورة لم تتمكن من دخول بغداد إلا بعد ما يقرب من أربع سنوات من ذلك التاريخ، حيث لم يتمكن ستانلي مود من دخول بغداد إلا في 11 آذار الشؤوم عام 1917م.  

 

رفض الشيخ محمد الخالصي قبول الهزيمة حين دخل الجنرال ستانلي مود إلى بغداد في 11 آذار عام 1917 فانسحب في ثلة من الفرسان إلى مدينة سامراء ومن ثم إلى الموصل حيث شرع بتجميع المتطوعين والمجاهدين للاستمرار في قتال القوات البريطانية الغازية والاستمرار في حرب الأنصار ضدها، إلا أن الاستسلام العثماني في وقت مبكر نتيجة صفقة بين حزب الاتحاد والترقي الذي كان يحكم تركيا وقتها والحكومة البريطانية من جهة أخرى قد خذل المقاومة العراقية مما حدا بالشيخ الخالصي للعودة إلى الكاظمية والالتحاق بوالده الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي (طاب ثراه) وفي نفسه العمل على الإعداد للثورة ضد المحتلين البريطانيين.

تشكل أحداث مقاومة الاحتلال البريطاني والذي بدأ عام 1914م وما عرف بحرب الجهاد والدور المهم الذي أداه الشيخ محمد الخالصي فيها علامة بارزة في الخط الذي اختاره رحمه الله منذ سني شبابه الأولى والتي بقيت ملازمة له في عقود حياته الحافلة وحتى وفاته عام 1963م في مدينة الكاظمية المقدسة.

بعد عودته الى الكاظمية شرع بالاصال بالعشائر وقادتها الذين عرفهم خلال سنات مقاومة الاحتلال، وكان والده الامام الخالصي الكبير ورغم كبر سنه دائب الحركة بين سامراء حيث الميرزا الحائري الشيرازي وكربلاء والنجف الأشرف من أجل جمع الكلمة والدعوة لعقد المؤتمرات الوطنية تمهيداً للثورة على المحتلين البريطانيين. وأدى الشيخ محمد الخالصي دوراً أساسياً ومحورياً في التحضير للثورة ومستلزماتها لأكثر من سنتين بعد احتلال بغداد.  

 

 

 

 

 

 

3-              الفصل الثالث: ثورة العشرين وخطاب إعلانها

 

كان الشيخ محمد الخالصي خطيباً مفوّهاً، ومجاهداً صلباً، وعالماً شجاعاً، لم يتوقف يوماً واحداً عن توعية الناس وتبصيرهم بمضار ومخاطر الاحتلال الاجنبي للبلاد، كما لم يتوقف عن الاتصال بالعشائر العراقية وتوعيتها بمضار وحرمة السكوت على الاحتلال البريطاني. وعلى هذا الأساس دعا الإمام الخالصي الكبير إلى عدة مؤتمرات في الكاظمية شمالي بغداد وحضر تجمعات أخرى في سامراء وكربلاء والنجف وكان الشيخ محمد الخالصي هو المشرف على اللجان التي تدير هذه التجمعات ويساعده فيها آخرون منهم المرحوم السيد أبو القاسم الكاشاني (الذي أصبح له فيما بعد دور كبير في مسألة تأميم نفط إيران مع رئيس الوزراء المرحوم محمد مصدق عام 1951م).

جرى التحضير للثورة وبناء الأرضية الشعبية لها عبر العشائر العراقية الغيورة والعلماء المجاهدين، ونتيجة لاستعداد العشائر وتعهدها بالمقاومة المسلحة للاحتلال في كل أنحاء العراق وخصوصاً في منطقة الفرات الأوسط الباسلة قد دعي لاجتماع مهم في كربلاء في الحادي والعشرين من حزيران عام 1920م بحضور المراجع الدينية ورؤساء القبائل.

 

 كان في مقدمة الحضور الشيخ محمد الخالصي إلى جانب والده الخالصي الكبير ، ولكونه من أنشط المشايخ في رفض الاحتلال والسياسة البريطانية ولكونه خطيباً مفوهاً فقد أسند اليه المراجع مهمة إلقاء خطاب إعلان الثورة في ذلك الجمع وبحضور قادة الثورة وشيوخ العشائر العراقية وفصائل المجاهدين الذين اجتمعوا في حشد كبير في صحن العباس (عليه السلام) في مدينة كربلاء المقدسة في الرابع من شهر شوال عام 1383 للهجرة - 21حزيران 1920 م، فخطب فيهم الشيخ محمد الخالصي خطابه الحماسي الشهير، الذي ثبّت به قلوب المجاهدين، وألهب حماسهم، وذكّرهم بإباء سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وحذّر الانكليز من مغبة الظلم بحق الشعب العراقي الأبي. ولشدة تأثير هذا الخطاب في النفوس كان الثوار يطلقون شعارات وهتافات ثورية وأراجيز حربية مبايعة لقادة الثورة وعلمائها على المضي قدما في تحرير العراق.(1)

 

بعد هذا الاجتماع حاصرت القوات البريطانية مدينة كربلاء المقدسة، وطالبت الميرزا الشيرازي (طاب ثرا) والمقيم بكربلاء تسليم سبعة عشر نفراً من الناشطين والمحرضين على الثورة، وكان في مقدمتهم الشيخ محمد الخالصي(2).

رفض الشيخ محمد الخالصي تسليم نفسه وعوضاً عن ذلك صار يتنقل بين العشائر ويقود كتائب الفرسان مشاركاً الثوار في صولاتهم على القوات البريطانية، وقد حوصر في إحداها في أحد أحياء مدينة كربلاء ولكنه تمكن من التخلص بعد أيام من الحصار بلطف الله تعالى.

 

لم تكن مهمة الشيخ محمد الخالصي كقائد ميداني في الثورة بالمهمة اليسيرة، إذ كان يجابه بمكر البريطانيين ومحاولاتهم الدؤبة لاستمالة رؤساء وشيوخ العشائر بالوعد والوعيد لحملهم على ترك المشاركة بالثورة، وكان على الشيخ محمد الخالصي وهو يعمل في ظل مرجعية مجاهدة تمثلت بوالده الإمام الخالصي الكبير والميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي والشيخ فتح الله شيخ الشريعة أن يجابه في الميدان مكر البريطانيين من جهة وقلة موارد الثوار من جهة أخرى والتي اقتصرت مالياً على دعم هذه المرجعيات المجاهدة بواسطة الحقوق الشرعية وتبرعات الأهالي وغنائم السلاح والعتاد من البريطانيين وما بقي من ذخائر معركة الجهاد.

 

4-              الفصل الرابع: نفي الشيخ محمد الخالصي قبل والده

 

كان الإمام الشيخ محمد الخالصي يتميز بنشاط وثباتٍ متميزين، وقد عده المحتلون البريطانيون محرك الثورة لذلك، كانوا يتحينون الفرص للنيل منه.

 كان رفضه لفيصل واضحاً في كل المناسبات، وكان يعرف أن فيصلاً صار ملكاً على العراق بتدبير بريطاني ومساعدة من بعض شيوخ العشائر الذين عملوا بنصيحة البريطانيين لاستقدامه بعد أن فقد عرش الشام إلى العراق. وكان من الواضح أن البريطانيين يريدون أن يفرضوا فيصلاً بكل الأحوال، وهو الأمر الذي حدا بوالده الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي (طاب ثراه) أن يقيد فيصلاً بعهود وشروط من أجل بيعته وفي مقدمة تلك الشروط أن يكون ملكاً مستقلاً استقلالاً تاماً عن سلطة الأجنبي ومقيداً في حكم العراق بمجلس نيابي يمثل الأمة، وبخلافه لا تكون له بيعة في عنق العراقيين ويعتبر معزولاً.

ولما أراد البريطانيون استثمار احتلالهم العراق بعد استقدام فيصلٍ وتنصيبه على البلاد عبر الانتداب على بلاد الرافدين رفضها الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي (طاب ثراه) صاحب الكلمة النافذة والمسموعة يومها، ووضع الشروط التي أدت لبيعة فيصل أمام ناظريه محذراً إياه من مغبة مخالفتها.

حاول فيصل جاهداً وبمشورة بريطانية إقناع بعض المرجعيات لنقض فتوى الإمام الخالصي الكبير وكان نصيبه الفشل إذ قالوا له أن الوحيد الذي ينقض فتوى الخالصي هو الخالصي نفسه، ثم  أشار البريطانيون على فيصل تشكيل مجلس تأسيسي يكسبه الشرعية لتمرير معاهدة الانتداب فكانت فتوى الإمام الخالصي الكبير بتحريم المشاركة في ذلك المجلس لأنه مدخل لشرعنة الاحتلال وليس لإيجاد صيغة تمثيلية للشعب العراقي. بينما في المقابل قام الإمام الخالصي الكبير باجتماعات متتالية كانت أكبر في حجمها من المجلس التأسيسي المنوي تشكيله وعلى إثرها انتُخب الشيخ محمد الخالصي وخمسة آخرون في لجنة مهمتها إبلاغ رفض العراقيين للمعاهدة إلى مسامع فيصل الأول والدول الأجنبية والمنظمات الدولية (3) في خطوة سياسية كانت واضحة لسحب بساط الشرعية من فيصل الذي صار لا يدخر جهداً من أجل تمرير معاهدة الانتداب وتحت طائلة تحذير الإمام الخالصي الكبير له بأن شروط بيعته صارت على المحك.

 ضاقت بريطانيا ذرعاً  من دور الشيخ محمد الخالصي ونشاطه ودور والده في مقاومة الاحتلال فأرادت الانتقام منه وفتّ عضد والده عبر التخلص منه أو نفيه على أقل تقدير. أدى الشيخ محمد الخالصي دوراً كبيراً لعقد مؤتمر كربلاء الذي دعا له والده الامام الخالصي الكبير من أجل رد عادية الهجوم الوهابي على العراق ومحاولة الاعتداء على مشاهد الأئمة عليهم السلام ومراقد الأولياء ودعا الإمام الخالصي الكبير فيصلاً للقدوم الى كربلاء لحضور هذا المؤتمر، ولكن الانجليز حذروه من حضور المؤتمر لأنهم توقعوا أن  الشيخ الخالصي الكبير سوف يضع شروط البيعة أمامه وسيعزله على مرأى الناس ومسمعها إذا لم يستجب للشروط التي بويع وفقها، فانصاع فيصل لأمر البريطانيين ولم يحضر المؤتمر.

وبالمقابل وبسبب المصاعب التي صارت بريطانيا تتعرض لها جراء المعارضة لاستمرار احتلال العراق فقد قامت الأخيرة بنصب فخ للزعماء الوطنيين من أجل اعتقالهم وكسر شوكة الخالصي الكبير، فقام المندوب السامي البريطاني (سر برسي كوكس) بتوجيه دعوة للقادة الميدانيين المحيطين بالمرجع الخالصي الكبير وعلى رأسهم الشيخ محمد الخالصي والشيخ محمد رضا نجل الشيخ محمد تقي الشيرازي والسيد هبة الدين الشهرستاني وآخرين للتفاوض معهم حول معارضتهم للاحتلال ومعاهدة الانتداب، فنصحهم الشيخ محمد الخالصي بعدم الذهاب، لأن البريطانيين لا يؤمن جانبهم، وقد يعتقلهم كوكس، وهذا ما حدث حين ذهبوا لاجراء مفاوضات وقام بنفيهم الى جزيرة هنجام في المحيط الهندي بينما نجا الشيخ محمد الخالصي من مكيدتهم لعدم تصديقه بعهود البريطانيين. قدم البريطانيون عروضاً للشيخ الخالصي بدءً برئاسة الوزارة  والمناصب الأخرى وإقطاعات الأراضي للإغراء بترك مقاومة الاحتلال ومعارضة السياسة البريطانية والسكوت عن معاهدة الانتداب، وإلا سيتعرض هو وأسرته وكل من يتبعه للمطاردة والملاحقة والقتل والتشريد والحبس والنفي، ولن يقتصر ذلك على شخصه بل سوف يشمل كل أسرته ومن يؤازره أو يسير على نهجه. لم يستجب الإمام الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه) لكل هذا الاغراء والوعيد وقد رفض قبلها ما هو أكبر منها قبل تنصيب فيصل ملكاً على العراق، بينما أذعن آخرون طمعاً في رئاسة أو وزارة أو إقطاعية.

 

بقي الشيخ محمد الخالصي مستمراً في نشاطه لحث العشائر العراقية على الاستمرار في مقاومة الاحتلال، وهنا أرسل المندوب السامي البريطاني كوكس في 28 آب 1922 الى الخالصي الكبير إنذاراً بوجوب مغادرة نجله المجاهد العراق خلال 24 ساعة وإلا ستقوم القوات البريطانية بحملات شديدة تشمل القصف بالطائرات والمدافع على القرى والعشائر التي يعمل في مضاربها لأو التي تستجيب لتوجيهاته.

 

بعد أن وجدت السلطات البريطانية أن إبعاد نجل الامام الخالصي الكبير لم يخفف من معارضته بل استمر في جهاده للتأكيد على ما كان قد أعلنه من تحريم المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي الذي أريد به تمرير معاهدة الانتداب، بل وجدوا أن الشيخ قد صعد من وتيرة المعارضة واستهدف الكيان السياسي الذي رتبه الاحتلال حينما أعلن في مجلس حافل عقده في مدرسته عزل فيصل من السلطة لنقضه لشروط البيعة ولخضوعه لسلطة الاحتلال  وقبوله بمعاهدة الانتداب التي وصفها الشيخ بأنها هي الاستعمار بقالب معاهدة، وقال الشيخ في ذلك الاجتماع بايعنا فيصلاً ليكون ملكاً بشروط وقد أخل بتلك الشروط فلم تعد له في أعناقنا وأعناق الشعب العراقي أية بيعة

(راجع الجزء 6 صفحة 204 من كتاب لمحات إجتماعية من تاريخ العاق الحديث للدكتور علي الوردي نقلاً من مذكرات محمد مهدي كبة صفحة 26)

 

بدأ الانجليز يشعرون بأن عبد الرحمن النقيب لم يعد قادراً على خدمة مصالحهم بعد أن أشهر الشيخ الخالصي الكبير وسائر العلماء فتاواهم الصارمة في نقض ما غزله الانجليز، فبحثوا عن رجل يقوم بتنفيذ ما يراد منه بلا مناقشة فوجدوا ضالتهم في شخص عبد المحسن السعدون الذي وافق على تنفيذ ما يريده الانجليز منه فأسندوا اليه تشكيل الوزارة، فقام بمهمة نفي الشيخ الكبير الى الهند عن طريق البصرة على متن باخرة انجليزية متوجهة الى ميناء بومباي، ولكن الأنباء كانت قد وصلت الى الهند فخرجت الجماهير الى الميناء لاستقباله في أجواء غاضبة على التصرف الانجليزي هذا الماس بكرامة المراجع العظام. شعر الانجليز بالحرج فأعادوا السفينة الى عرض البحر قبل نزول الشيخ منها ثم توجهت الى عدن ومن بعده الى الحجاز ومن الحجاز سافر الشيخ الى بوشهر في ايران ثم الى مدينة قم حيث لاقاه علماء آخرون كانوا قد وصلوا الى ايران من العراق لإلان احتجاجهم على نفي المرجع الكبير. كا في مقدمة هؤلاء السيد الاصفهاني والميرزا النائيني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5-              الفصل الخامس: جهاده الديني والسياسي في منفاه في ايران

 

 

حين وصل الشيخ محمد الخالصي إلى طهران قبل والده بحوالي تسعة أشهر، كان قد قام بدور كبير في توعية الجماهير وإيقاظ المسلمين في ايران وغيرها وأبلاغهم بحقيقة ما يحصل في العراق في ظل الاحتلال البغيض. وقد أصدر العديد من الصحف والنشرات باللغتين العربية والفارسية مثل الكتاب الوثائقي (مضالم الانجليز بين النهرين) وجريدة ((لواء بين النهرين)) و ((إتحاد إسلام)) و ((منشور نور))، كما قام بتأسيس جمعية (الممثلية العليا لمندوبي العراق) التي قامت بنشاط كبير لايصال صوت القضية العراقية والجهاد ضد الاحتلال الى مسامع الدول المجامع الدولية. وقد ورد في بعض المصادر الإيرانية:

»كان الشيخ محمد الخالصي قد اُبعد إلى إيران في السنةالسابقة لنفي والده وقد استقر في طهران، وحين جرى تسفير المجتهدين انتهز الشيخ الفرصة وهو خطيب مفوّه، فأخذ يشن الحملات الشعواء على بريطانيا والمؤيدين لها، وقد ذكر السر برسي لورين في برقية إلى لندن:

»إن الشيخ محمد الخالصي يعد المهيّج الرئيس ضد الانكليز في طهران« (6)(7)

 

 

 

6-                الفصل السادس: رفض الشروط البريطانية بترك الشأن العام العراقي من قبل الخالصي الكبير ونجله الشيخ محمد

 

استجدت الأحداث السياسية في العراق وإيران، ولم يكن الاحتلال البريطاني في العراق بأفضل أحواله بعد نفي الإمام الخالصي الكبير ومغادرة المجتهدين النجف الأشرف احتجاجاً على ذلك إلى إيران، واستمر الشيخ محمد الخالصي باتصالاته بالعشائر العراقية عبر الموفدين والجمعيات التي شكلها في طهران. وكان لمغادرة العدد الكبير من العلماء والمراجع للنجف الأشرف الأثر الكبير على صورة النظام الجديد المنوي تشكيله في العراق. ظهرت بريطانيا والنظام الجديد الذي أسسته باعتباره عدو للمرجعية الاسلامية وخصوصاً الشيعية منها، كما ظهر النظام الجديد والسلطات البريطانية من خلفه سبباً لخلو الحوزة الإسلامية في العراق من علمائها ومراجعها وقد بلغت أكثر من ألف عام من عمرها.

وجدت بريطانيا أن الأمر لا يمكن أن يستتب لها طالما أن جانباً مؤثراً ومهماً من المجتمع العراقي يرى الوجود البريطاني هو النقيض للدين و كذلك للقيم التي يؤمن بها هذا المجتمع ما حدا بهم إلى التفكير بمكيدة لشق الصف المقاوم لهم وعزل أحرار العراق عن الوسط الذي يحسن هؤلاء الأحرار العمل وتوجيه المجتمع من خلاله وهو المؤسسة الدينية العراقية والمعروفة باسم الحوزة العلمية الإسلامية.

 

كانت الخطوة الأولى للبريطانيين بعد نفي المرجع الأعلى وزعيم الثورة من العراق هي شق صف العلماء المنفيين والمحتجين عبر أساليب خاصة وماكرة أشعرت بعض المجتهدين المحتجّين أنهم غير مرحب بهم في مدينة قم من جهة وأن موقعهم قد خلا في النجف لمصلحة أشخاصٍ آخرين لم يعترضوا على نفي الخالصي الكبير، تمهيداً للعمل على إرجاعهم بشروطٍ بريطانية تقيد حركتهم وتعدل الصورة التي ظهرت عليها هي والنظام الذي أسسته في العراق.

أخرجت بريطانيا الأمر وكأنه طلب من المجتهدين إلى فيصل للعودة إلى العراق، فبينما كان يعمل مبعوثو فيصل على ترغيب بعض المجتهدين العودة كانوا يشيعون في العراق أن المجتهدين يرغبون العودة ويمنعهم آخرون من ذلك، والآخرون هنا هم من يرفض القبول باحتلال بريطانيا للعراق وفي مقدمهم الامام الخالصي الكبير ونجله الشيخ محمد الخالصي. بقيت بريطانيا وعبر مبعوثي فيصل تكرر للمجتهدين أنها من جهة والحكومة العراقية الجديدة بزعامة فيصل من جهة أخرى لا تريد أن تخلوا النجف من مراجعها، وأنها على استعداد لقبول عودتهم واسترجاع مكانتهم التي فقدوها إذا أرادوا ذلك وقبلوا بشروط العودة!

فعلت المكائد البريطانية فعلها فوافق بعض هؤلاء العلماء على صفقة العودة ولو بقبول الشروط البريطانية والقاضية بالموافقة على التعهد بعدم التدخل في أي شأن سياسي في العراق وأن يكتفوا بالانصراف لتدريس العلوم الدينية ويتركوا الحديث عن بريطانيا واحتلالها العراق.

 

ظهر الخلاف بين المجتهدين على هذه النقطة بشكل أساسي وصرح الإمام الخالصي الكبير بعدم صحة الموافقة على الشروط الانجليزية للعودة. وحسماً للخلاف وحرصاً على وحدة الموقف اقترح الشيخ الكبير الاحتكام الى جهة علمائية يقبلون بحكمها فوقع اختيارهم على مؤسس حوزة قم الشيخ عبد الكريم الحائري (طاب ثراه) ، مع أن الحائري كان متجنباً الخوض في الأمور السياسية، فقد رضي به السيخ الخالصي الكبير ثقة بتقواه وافترضاً لتفهمه لاختلاف الظروف في العراق وهو واقع تحت احتلال أجنبي معادٍ للإسلام. وفعلاً حكم الشيخ الحائري بصحة موقف الخالصي الكبير وأشار بعدم العودة مع الشروط البريطانية المجحفة. مع ذلك فالآخرون لم يضحوا للحكم وأصروا على العودة للعراق وأعطوا فعلاً تعهداً خطياً بعدم التدخل في الشأن السياسي وبذلك تنازلوا عن أكبر مهمات المرجعية وهو رعاية شؤون الأمة وفي مقدمتها الشأن السياسي. وهكذا نجحت بريطانيا ظاهراً في التخلص من الحرج الذي وقعت فيه أمام الرأي العام جراء إقدامها على نفي المراجع وكذلك من التخلص أيضاً من معارضة العائدين منهم ولهذا أحاطت حكومة فيصل ومعها السلطة البريطانية عودة العائدين بهالة كبيرة من الضجيج الإعلامي لتوحي للعراقيين بأن العلماء العائدين ندموا على مواقفهم السابقة في معاداة الانجليز وفي الجانب الآخر  رفض الإمامان الشيخ محمد مهدي ونجله الشيخ محمد إعطاء تعهد كهذا،‌ واعتبراه تنازلاً للمحتلين الانجليز عن المسؤولية الشرعية في توجيه الأمة وترك شؤونها للمحتلين وهو أمر يخالف أحكام الشرع المقدس، وأصرا على عدم قبول شروط بريطانيا واستمرا على القيام بأداء الواجب الشرعي ولو من المنفى. لذلك فقد وصفتهما التقارير الانجليزية بـ((العلماء المتمردين)). (8) كما هي عادتها في وصف من لا ترضى عنه.

مرقد الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي الخالصي الكاظمي الأسدي (طاب ثراه) في رواق ضريح الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في مدينة مشهداعتبرت بريطانيا أن صفحة جديدة قد بدأت لها في هذه المنطقة الهامة من العالم باحكام  السيطرة الكاملة لها في العراق، ونفوذها القوي في إيران والهيمنة الكاملة على الجزيرة العربية والمنطقة بأكملها.

 

لقد بدأت بريطانيا بعدها بما يفعله المسيطر المهيمن بخصومه، وكان في المقدمة الانتقام من العناصر المتمردة ومن العلماء الذين قادوهم باتجاه التمرج على المحتل وعلى رأسهم الشيخ محمد الخالصي كما وصفه السر بيرسي لورين المندوب البريطاني في طهران في تقاريره. كان الانتقام متعدد الأشكال، فبعد دسيسة قتل والده الخالصي الكبير في مدينة مشهد المقدسة شرقي إيران استعملت بريطانيا مع الشيخ المجاهد سياسة النفي المتكرر من مدينة إلى مدينة في ذلك البلد الشاسع، لتمنع الإمام الشيخ محمد الخالصي من تكوين قاعدة شعبية قابلة للتمدد والتوسع، وغالباً ما كان النفي مسبوقاً بالسجن لمدة من الزمن أملاً في كسر شوكته رحمه الله يصاحب ذلك عاصفة من الاساليب الأخرى كبث الشائعات والأكاذيب التي تحسنها أجهزة الدعاية البريطانية مستعملة جميع وسائل الإعلام المنظورة منها والخفية والتي كانت تحت تصرفها مقابل غفلة الناس عموماً عن هذه الأساليب.

 

أما الأسلوب الأخطر فكان يتمثل بالتدخل في شؤون المؤسسة الدينية وتبني بعض الشخوص الذين دأبوا على قبول الأمر الواقع بهيمنة بريطانيا على عموم بلدان المنطقة وتضخيم أسمائهم وإشغال هذه المؤسسة بأمور هي أبعد ما تكون عن مهمة التفكير بحال المسلمين وأوضاعهم. بل وتعدى ذلك إلى اعتبار أي عالم ديني يهتم بالشأن العام للمسلمين خلافاً لمصلحة بريطانيا خارجاً عن النهج الجديد الذي أرادت بريطانيا أن ترسمه لهذه المؤسسة. ثم تأتي الفكرة الأشد خطورة وهي إشاعة ثقافة حرمة التدخل بالشأن العام السياسي للمسلمين في زمن غيبة الإمام المنتظر (عليه السلام) ونشرت الفكرة بأن من يتدخل بالسياسة من العلماء إنما هو يتجاوز على مقام الإمام المنتظر معتبرين ذلك مكرساً له وحده ويجب انتظار ظهوره ولا يجوز لأحد من العلماء التدخل فيه! وبذلك وسموا كل عالم دين يتدخل بالشأن السياسي بما لا يليق بالعالم المتقي.

 وكان هذا الأمر من أخبث الأساليب التي استعملتها بريطانيا بواسطة من سماهم الشعب في ذلك الوقت ( بعلماء الأوفيس) وعبر الناس عنها بعبارة (علماء الحفيز ) لتعطيل دور العلماء المجاهدين الذين يعارضون هيمنتها ومطامعها الاستعمارية بأن تخرجهم من المظلة الشرعية وتصبح هي من يعين الموازين الشرعية عبر من تؤثر عليهم في المؤسسة الدينية.

وهكذا كان الإمام الراحل الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه) يتعرض لكل هذه الأساليب في العقوبة لأنه قاتل بريطانيا في العراق حتى الرمق الأخير وواجه نفوذها في كل ارض وطئها في حياته. والواضح أن مدرسته الفكرية والدينية ما زالت تتعرض حتى اليوم لكل هذه الأساليب وتداعياتها بما يقتضيها من تطور وتتصاعد لاسيما مع احتدام الصراع في العراق اليوم بعد احتلاله مجدداً من قبل التحالف الأمريكي البريطاني لحقيقة أن البريطانيين ومن ورث نفوذهم من الأمريكيين لا يريدون أن ينسوا من عارض وما زال يعارض هيمنتهم وأطماعهم الاستعمارية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

           

 

7-              الفصل السابع: دور الشيخ محمد الخالصي في مواجهة النفوذ البريطاني في إيران

 

لم يكن حال إيران أفضل من حال العراق من حيث محاولة النفوذ البريطاني المتنامي مع تنامي أهمية النفط في الأهواز وفي منطقة بحر قزوين. إلا أن الفرق كان يكمن في الاحتلال، إذ أن العراق كان محتلاً من قبل بريطانيا بينما إيران كانت تحت النفوذ البريطاني.

مارست بريطانيا كل أساليب العقوبة التي ذكرناها آنفاً على الإمام الراحل الشيخ محمد الخالصي، فقد كان في الأصل منفياً إلى إيران، إلا أنها صارت تنفيه داخل إيران نفسها من مدينة إلى مدينة ومن منطقة إلى منطقة مع كل ما في حالة النفي من مضايقات كمراجعة سجلات الأمن  وإثبات الوجود بشكل دوري، وكذلك السجن المتعدد في عدة مدن.

سجن الإمام الشيخ محمد الخالصي في خواف على حدود أفغانستان وهو من السجون المخوفة والمهولة حيث يعاقب الإنسان فيها بالسجن الانفرادي الذي هو حفرة في الأرض مغطاة من فوقها، وكثيراً ما تخرج العقارب والأفاعي من جدران الحفر وتفقد الناس عقولها فيها وكان رحمه الله يدفعها بالأوراد والأدعية والصلوات ما خلق حالة جديدة بين حراس السجن نقل على إثرها منه. ونفي بعدها إلى خراسان حيث مرقد والده الخالصي الكبير في داخل رواق ضريح الإمام الرضا (عليه السلام) وحيث درس العلوم الدينية وبث الوعي والمعرفة فيها.

ثم نفي الإمام الى نهاوند وملاير ومن بعدها الى مدينة تويسركان. ونفي بعدها إلى مدينة "تويسركان" حيث سجن فيها مدة ثم أخرج ليبقى منفياً فيها مدة من الزمن وفي فترة سجنه بتلك المدينة كتب بحثه الأصولي في الجمعة والذي يعتبر من أفضل البحوث الأصولية التي كتبت عن وجوب صلاة الجمعة التعييني حسب أحاديث أهل البيت عليهم السلام، وفيها ولد له سماحة شيخنا الإمام محمد مهدي الخالصي (دام ظله).

 

نقل الإمام الخالصي بعدها إلى سجن كاشان ثم أفرج عنه ليبقى منفياً بها حيث درس العلوم الدينية وأعاد الحياة الى مدارسها التي هجرت خلال عهد رضا بهلوي، وكان من بين من التقى به فيها آية الله الشيخ حسين علي المنتظري، وفيها أيضاً كتب مناظرته الشهيرة مع السيد محمد المعروف بالباغ الكاشاني (رحمه الله) حول وجوب الجمعة شعراً في أرجوزة رائعة والتي يقول في مطلعها:

 

الحـــمد للـــــه عظـيم الشـــان           إذ جاء بي قهراً الى كاشان (*)

ثم الصــــــلاة والسلام ما دجى           ليل ومــا طاب صــباح وأوى

ما طلعت شمس وأشرق القمر           على محــــمد وآلــــه الغرر

الســـــادة الــذادة قـــادة الورى           من بشروا وأنذروا أم القرى

ومن يكون حولــها من الأمــــــم           فاعتصموا بالله أوثق العصم

ولم يبالــــوا الحـتف والمنيـــــــة           إذ جاهـدوا مجانبي الدنيـة

-------------------------------------------------------------

(*) ويشير رحمه الله الى قدومه كاشان منفياً بذكر كلمة قهراً

 

 

لم تتركه السلطات البريطانية فيها طويلاً حتى أعادت نفيه الى طهران ولنشاطه المتنامي فيها تقرر نفيه الى مدينة يزد في وسط إيران وله طلبة كثر فيها وممن استفاد من محضره المرحوم الشهيد محمد صدوقي (طاب ثراه) وولد له فيها سماحة شيخنا العلامة هادي الخالصي في هذا المنفى.

أعتقل رحمه الله فيطهران حيث سبق له أن شارك فيها في أحداث سياسية كبرى سنأتي على ذكر بعضها فيما يأتي.

كان العراق أمام ناظري الإمام الراحل طوال حياته وقد حاول العودة عدة مرات ونجح مرة ولكن سرعان ما أعادته السلطات البريطانية بواسطة الحكومة العراقية إلى إيران خلال أيامٍ معدودات استمراراً لتنفيذ لأمر النفي الذي فرضته عليه السلطات البريطانية وأعوانها منذ عام 1922م، ولأنه أصر على لرفض إعطاء تعهد بعدم التدخل في الشأن العراقي.

 

كان رحمه الله يرى آثار النفوذ والتدخل البريطاني في كل زاوية من البلدان التي نفي إليها، ومن بين هذه الآثار قيام بريطانيا بدعم أعوانها ومساعدتهم على الوصول لأعلى السلطات في البلدان التي تحت نفوذها. لذلك كانت حربه على أعوان بريطانيا في كل هذه البلدان جزءاً من الحرب على بريطانيا ومواجهة نفوذها. ومن هذا الباب فقد كان في حالة صراع شديد مع "رضا البهلوي" الذي كان يريد وبدعم بريطانياً تأسيس نظامٍ يشبه نظام مصطفى أتاتورك في تركيا والذي تأسس على أنقاض الخلافة العثمانية فيها.

عرف عن "رضا البهلوي" تعطشه الكبير للسلطة والنفوذ بأي ثمن، ولم يتوان عن ارتكاب الكثير من الجرائم والتصفيات على هذا الطريق، وقد هاجر في زمانه الكثير من طلبة العلوم الدينية إلى البلدان المجاورة ومنها العراق هرباً من بطشه. وإنها من عبر الزمان أن يكون أكبر خصومه عالماً عربياً وعراقياً هو الإمام الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه). كان الإمام الشيخ محمد الخالصي يفعل كل ما يستطيع كي يخرج الخوف من قلوب الناس من بطش "رضا البهلوي" فكان يستخف بألقابه في خطبه وأحاديثه به مقابل الحرص الشديد الذي أبداه البهلوي وأنصاره في تضخيمه وإلباسه المضخمة الكبيرة ومن بين الأوصاف التي أطلقها الامام الراجل على البهبوي لقب "زنديق قزوين" إشارة لبعض الأحاديث المروية ولا يسميه بالشاه وقبلها بلقبه " قائد القوات" وباللغة الإيرانية " سردار سبه".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8-              الفصل الثامن: الشيخ محمد الخالصي في مواجهة طغيان رضا البهلوي

 

أراد "البهلوي" وقد تزايد نفوذه بعد أن قمع الانتفاضات ضد شخصه طمعاً في السيطرة على مقدرات البلاد بعد أن أضعفت الثورة الدستورية الإيرانية نفوذ القاجاريين إلى أبعد الحدود، فسعى الى تغيير الملكية إلى الحكم الجمهوري ليكون برئاسته على غرار ما فعل مصطفى كمال في تركيا، وفي هذا الطريق سعى البهلوي على قمع جميع مخالفيه وعلى رأسهم السيد حسن المدرس فقيه البرلمان الإيراني والشيخ محمد الخالصي العالم العراقي المنفي لتمرده على النفوذ البريطاني وأعوانه إثر ثورة العشرينز وفي الصراع بين أعوان البهلوي وخصومه داخل البرلمان تعرض السيد المدرس الى الإهانة وحوصر في بعض غرف البرلمان في 29 تموز 1925م، فوصل نبأ ذلك إلى الناس في سوق طهران وكان الشيخ محمد الخالصي قد قدم إلى طهران من مشهد التي شهدت رحيل والده بدسيسة القنصلية البريطانية فيها، ورغم حزنه الشديد على والد الخالصي الكبير إلا أنه لا ينسى الهدف الأسمى الذي نهض مع والده من أجله وهو تحرير المسلمين من نفوذ بريطانيا المستعمرة. قاد الشيخ الخالصي مظاهرة شعبية ضمت ما يربو على مائة ألف من أهالي طهران (9) بعد أن أمّهم لصلاتي الظهر والعصر وخطبهم ووضح لهم ما جرى في البرلمان، فهاجمت الجموع البرلمان وتسللت إلى باحته وأنقذت السيد حسن المدرس واصطدمت مع البهلوي وأزلامه، إثر ذلك اضطر "رضا البهلوي" للاستقالة من منصب رئاسة الوزراء وغادر طهران إلى مدينة بومهن ولكنه اعد العدة للانقلاب العسكري وتنصيب نفسه ملكاً على إيران طالما أن جمهوريته لم تنجح؛ عن تلك الحادثة يقول آية الله السيد مرتضى الخميني (المعروف باسم بسنديده) رحمه الله وهو الأخ الأكبر للإمام الخميني رضوان الله عليه:

» اتجه كبار علماء طهران وسياسيوها وكسبتها نحو البرلمان وكنت معهم، وكان المرحوم الخالصي الذي صلى صلاة الجماعة في السوق المركزي بعد أن مُنع من الصلاة في المسجد على رأس الجموع المتجهة نحو البرلمان، وكانت كل الطرق المؤدية إلى البرلمان والساحة المقابلة لبنايته غاصّة بالجماهير التي كانت تهتف ضد »سردار سبه« [ رضا بهلوي ] والتي داهمت البرلمان فيما بعد«. (10)

 

إثر هذه الحادثة المصيرية في حياة إيران والتي أدّت إلى إخفاق مشروع تأسيس نظام على غرار نظام مصطفى كمال العلماني المعادي للاسلام في تركيا، وقد بقيت محاولات التغريب وإبعاد الإسلام عن الحياة العامة جارية في إيران في ظل نظام البهلوي وقد قابلها الشعب الإيراني المسلم بقيادة علماءه المجاهدين مما أدى في النهاية الى قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (طاب ثراه) عام 1979م . والمصادر التاريخية مفعمة بأحداث تلك الفترة ودور الإمام الشيخ محمد الخالصي فيها، ومنها الحرب التي شنها البهلوي على سماحته وأنتهز مختلف الأحداث والظروف للتضييق على نشاطه فقد ألقى عليه القبض مثلاً في حادث اغتيال القنصل الأمريكي في طهران بتهمة توجيهه لأحداثها فنفاه الى مدينةه إلى مدينة (خاف) على الحدود الأفغانية وسجنه في قلعتها الرهيبة كما أسلفنا، ثم صار شيخنا يُنقل من سجن إلى سجن ومن منفى إلى آخر مدة 27 عاماً. فنفي إلى خراسان وتويسركان ونهاوند وكاشان ويزد إضافة‌ إلى سجنه في طهران وكرمانشاه كما مر ذكره.

 

ولكن بالرغم من الضغوط التي واجهها الشيخ الخالصي في إيران إلا أن ذلك لم يمنعه من القيام  بأنشطة كبيرة في مختلف المجالات الدينية والعلمية يذكرها الإيرانيون وقد أشارت اليها المصادر التاريخية منها إحياؤه لصلاة الجمعة في كل بلد حلّ فيه، وكان من أبرز تلك الجمعات التي أقامها من حيث التأثير السياسي إقامته لها في حرم السيد عبد العظيم الحسني في مدينة ري جنوب طهران.

 

قضى الإمام الشيخ محمد الخالصي سبعة وعشرين عاماً في ايران منذ أن  أجبر على الخروج من العراق وقد حاول البرطانيون وأعوانهم كما أسلفنا حمله على السكوت على احتلال العراق والسياسة البريطانية الاستعمارية بمجمل المنطقة بمختلف الطرق، وقد ساوموه كما أشرنا كرات عديدة على القبول بالعودة للعراق مقابل التعهد بعدم التدخل في الشؤون السياسية كما سبق أن ساوموه على السكوت على الانتداب البريطاني لقاء مناصب مغرية، إلا أنه آثر رضى الله ومصلحة الأمة ورضي بأن يلاقي النفي والتشريد حتى أواخر عام 1949م حيث سئم الشاه من مواقف الشيخ ومعارضاته ورأى من الخير له أن يتخلص من الشيخ بأي نحو من الأنحاء قلم يجد أمامه إلا أن يرضى بعودة الشيخ الى العراق، فكان ذلك، وقال الشيخ معلقاً على هذا الحدث: هذا نفي آخر ولكن على رغم الشاه والانجليز من المنفى الى موطنه. وقبل الخروج من ايران كان قد أنشد ملحمة شعرية ذكر فيها مجمل ما جرى له في العراق وإيران وما لاقى من العنت والحيف والظلم وكان مطلع هذه الملحمة:

 

كم في الزمان من عبر****ومــــــا أقل المعتبر

جـــاء من الأحـــداث ما**** للناس فيه مزدجر

 

ثم يشير الى ما لاقاه في ايران بعد العراق قائلاً:

عراقــنا قـد ضـــــــــرنا**** وإن ايـــران أضـــــر

سـبع وعشرين سنيناً ****لم أجــد فيها مقــر

إلا المنافي والسـجون**** والفرار والســـــــفر

ثم يعرج في الملحمة الى جنايات ومظالم البهلوي وما كان من انقلاب أسياده عليه باحتلال ايران ونفيه جراء الحرب العالمية الثانية الى جزيرة موريس في جنوب افريقيا حيث مات فيها خاسراً الدنيا والآخرة فقال الشيخ مؤرخا هذا الحدث قائلاً:

يحصـــــد كـــــل زارع**** من زرعـــــه ما قـد بذر

إذا أردت عـــــــــــامه**** فاســمع لقولي واعتبر

وأعــلم التاريــــــــــخ**** أن قد استقر في سقر

 

وقد عارض الإمام الخالصي إعادة جثته لدفنها في إيران إذ كانوا يحاولون إعادة الاعتبار له ولنظامه بتنصيبه ابنه محمد رضا خلفاً له وأعلن الإمام أن رضا البهلوي لا يستحق أن يدفن في مقابر المسلمين وكان هذا الموقف بالذات من بعض الأسباب التي حملت النظام الايراني للموافقة على خروجه من إيران وعودته إلى العراق.

وقد بلغ حقد الاستعمار وأعوانه على الشيخ لمواقفه الصلبة في معارضة سياستهم أن الحلفاء حينما احتلوا ايران أيام الحرب العلمية الثانية أصدروا عفواً عاماً عن المنفيين والسجناء السياسيين ولكنهم أكدوا على استثناء الشيخ محمد الخالصي من هذا المرسوم.

9-              الفصل التاسع: الإمام الخالصي بعد عودته إلى العراق

 

 

حين عاد الإمام الشيخ محمد الخالصي إلى العراق أدرك بوضوح أنه أمام وضع جديد يختلف عن العراق الذي تركه وكان يغلي ضد الاحتلال البريطاني عام 1922م. فقد تركت السياسة البريطانية آثارها فأصبح المجتمع مختلفاً على نفسه منشغلاً بأمور بعيدة عن أصل مصالحه نتيجة الفصل بين العلماء القادة وجماهير الأمة وتفرغ السياسة البريطانية لتوجيه الشأن العراقي حسب مصالحها ومصالح المشروع السياسي الذي أقامته فيه، وكان هذا الى حدٍ ما نتيجة التعهد الذي أعطاه العائدون الى العراق عام 1924م.

 

أدرك الإمام الخالصي الراحل بثاقب بصيرته وتجربته الطويلة في محاربة النفوذ الأجنبي أن خطوات محددة هي التي يمكن اتخاذها لتضع المجتمع على الطريق الصحيح لينهض بواقعه.

كانت بريطانيا قد بنت نفوذها على بث الجهل والتخلف في الوسط الإسلامي، فكانت خطوته المقابلة بالحديث عن الجامعة الإسلامية التي تدرس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الدينية، ومارسها في جامعة مدينة العلم التي أسسها والده الخالصي الكبير الراحل.

 

ومما لاحظه رحمه الله أن المتصدين للأمور الدينية في العراق أصبحوا أبعد ما يكونون عن واقع الأمة، بل هنالك واقع خاص بهم وإقطاعيات دينية تشبه إقطاعيات الأراضي والأملاك لبعض شيوخ العشائر بعد إخماد ثورة العشرين، فكانت خطوته المقابلة هي ما أمر به الله تبارك وتعالى وسنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إقامة صلاة الجمعة، وقد كانت هذه الصلاة معطلة في معظم مناطق العراق فدعا لإحيائها وأقامها بنفسه حيث في الحرم الكاظمي المطهر محاولاً إنهاء حالة الانقطاع الحاصل بين المراجع الدينية عن مخاطبة طبقات الشعب وبذلك تعاد حالة الارتباط المباشر مع الجماهير  بما يؤدي الى تكوين رأي عام سياسي.  

 

وقد وجد رحمه الله أن المحتل البريطاني قد بنى نفوذه كما هو عادته على تعميق الاختلاف في المجتمع العراقي بترويج الخطاب الطائفي المسموم بجعل المجتمع منقسماً بين ظالم ومظلوم:  "ظالم" يتمتع بالوظائف والإدارة و"مظلوم" يندب حظه ويمارس البكاء والنحيب على حاله وحرمانه. فكانت خطوته العملية رحمه الله لمعالجة أصل المشكلة بالعمل على جمع الشمل ورص الصفوف للقضاء على النزعة الطائفية فحمل راية الوحدة الإسلامية والوطنية ودعا إلى الحركة الايجابية بتشجيع الناس جميعاً الى ممارسة حقوقهم واقتحام مجالات الحياة المختلفة عوضاً عن البكاء والنحيب على الحرمان والعمل على تحرير الوطن من هذه الأمراض ومن جميع آثار الاحتلال وغير المباشر. وقد سعى رحمه الله لإيجاد علاقات ايجانية بين كل فئات المجتمع والتعامل مع كل شخص أو جهة عراقية يؤمل خيرها وإخلاصها للوطن.

 

كما وجد سماحته أن من آثار تدخل النفوذ الأجنبي في المؤسسة الدينية وإبعاد المرجعية المجاهدة عنها وإحلال العناصر الخانعة مكانها وإشاعة روح الانهزامية وعدم التصدي لتحرير البلاد والأمور الجوهرية أن مستوى المؤسسة قد تدنى فأصبح شخصيت طالب العلم مرتبطاً بكل ما هو متخلف ومما لا بنفع للدنيا ولا للدين واصبحت التقاليد البالية والممارسات الخاطئة هي مقياس الاعلمية والأورعية الى درجة أن أي تجديد أو تغيير مهما كان شكلياً مثل لبس الساعة في اليد أو تغيير لون النعل وسيلة للطعن في صلاح ممارسه. فركز رحمه الله على العمل على تخليص المؤسسة من أمراضها وتصحيح مناهجها فنشر كتابه إحياء الشريعة في مذهب الشيعة  وهي رسالته العملية المتميزة بكونها مكتوبة بروح عصرية خالية من العبارات المشوشة للذهن مؤكدة على بيان حقائق الشريعة الاسلامية بإظهار الجان العلمي منها وبيان الحكم من الاحكام، وبجانب هذه الرسالة الموسوعية لخص الشريعة الاسلامية كلها في رسالة عملية مختصرة سماها: (الاسلام سبيل الشعادة والسلام)، وهي والتي ما تزال هي وكتاب إحياء الشريعة من أبرز الكتب التي لم يجاريها حتى الان أية رسالة عملية في المستوى الفقهي والاصلاحي والعلمي. وسعى الى إعادة بناء المدرسة الزهراء (المدرسة الخالصية) وتطويرها الى جامعة تدرس فيها العلوم الحديثة بجانب العلوم الدينية منزهة عن البدع والخرافات التي تعيق فكر المدرس والطالب، وكان يوجه الطلبة في هذه المؤسسة أن يكونوا من أصحاب اختصاصين، اختصاص في العلوم الدينية الحقيقية وأختصاص في العلوم الدنيوية الحديثة النافعة كرسالة يؤديها وأختصاص في العلوم الدنيوية الحديثة لتكون وسيلة لمعيشته ليتخلص طالب العلم الى جانب شخصيته الدينية القوية من الحاجة الى الآخرين في معيشته الدنيوية. وهذا ما عرف فيما بعد بالمؤسسة الدينية بتكوين العالم الاسلامي (ذي الشهادتين) وقد تربى على ذلك عدد من الفضلاء منهم آية الله الشيخ سليم المنذري (دام ظله) و الفاضل الراحل آية الله الشيخ هاشم الدباغ الخزعلي (طاب ثراه) وآخرون يضيق المجال بذكرهم وتعدادهم وقد تعرض قسم منهم للقتل والاعدام مثل آية الله الشيخ عبد الصاحب عطيفة والشيخ ليث قاسم الخالصي والشيخ مرتضى الخالصي والسيد علاء الشريفي والشيخ نظال بنانة والشيخ فرحان البغدادي والسيد عبد الرزاق العاملي ونجله السيد محمد عبد الرزاق العاملي وتعرض آخرون للسجن والتشريد في الآفاق والأمل معقود بإعادة هذا الصرح المتميز من الحوزة العلمية الذي كان وما يزال يتعرض لكيد الاعداء وجهل بعض الأبناء.

 

وكان نتيجة هذا الخلل في الحوزة الدينية والمؤسسة السياسية والاجتماعية ظهور أفكار ذات النزعة الالحادية من جهة وذات النزعة العنصرية العرقية من جهة أخرى، كنتيجة طبيعية لخلو البديل الاسلامي الصحيح وإصرار الاحتلال على اشاعة العلمانية المعادية للدين و إبعاد الاسلام الفاعل من جميع مفاصل الحياة الاجتماعية. وكان رحمه الله من دأبه دعوة الحكام في العراق وغيره الى العودة الى العقيدة الاسلامية وتطبيق الشريعة المحمدية في سلوكهم السياسي والإداري.

 

 ولم يكن الخوف يعرف طريقاً الى قلبه إذا تنمر عليه هؤلاء أو  تنكر له المتخلفون من المعممين وغيرهم. وكان يسعى الى كسر حاجز الخوف في نفوس الناس كما فعل فيما مضى مع دهاقنة الاستعمار في العراق ثم رضا بهلوي في ايران، فقد تصدى للأفكار الالحادية بالدليل والبرهان وعندما أطلق عبد الكريم قاسم أيدي الميليشيات المرتبطة بالحزب الشيوعي لإرعاب الناس وتدنيس المقدسات وإقامة المجازر في كركوك والموصل، طالبه بإيقاف هذه الميليشيات عند حدها وحذره من عواقب ما تجره عليه وعلى زعامته إن لم يكبح جماحها. وعندما حاول حزب البعث في مرحلته الأولى عام 1963م للقفز على السلطة وفي أجواء الرعب الشديد الذي أشاعته في أنحاء العراق (عصابات الحرس القومي) التابعة لمؤسسه ميشيل عفلق كان للامام الخالصي الدور الريادي مرة أخرى في تحطيم حاجر الخوف لدى الجماهير، فندد في خطبه بأساليب الحزب الاجرامية شاجباً بشدة أفكاره الغريبة عن الأمة محذراً من دوره المشبوه ودور مؤسسه، والعراقيون لا يزالون يذكرون قولة الإمام الخالصي المشهورة في التحذير من الشر المقبل حيث قال في بعض خطبه: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر ميشيل عفلق. فدوت هذه المقولة في الأجواء كالصاعقة وتجرأ الناس على التصدي لجرائم هذه العصابات واستمر الشيخ يتعقبهم بالنقد حتى انتهى الأمر إلى الضربة القاصمة التي وجهها إليهم الرئيس الراحل عبد محمد عارف في 18 تشرين الثاني 1963م. فلم يستطع الحزب البقاء في الحكم في السلطة رغم القسوة سوى ما يقرب من تسعة أشهر.

                    

 

ومن الوسائل الشرعية التي استخدمها الشيخ لتوعية الامة وإنهاضها وإعادة تأثير خطاب العلما للجماهير إقامته لصلاة الجمعة التي كانت متروكة في مختلف أنحاء العراق، ولأجل إقامتها وإحيائها بعد إقامتها في الكاظمية سافر سفرات متعددة الى مختلف أنحاء العراق، فأقامها في صحن الامام الحسين في كربلاء وفي مسجد الكوفة قرب النجف الأشرف، داعياً العلماء والخطباء الى إقامة هذه الصلاة حيثما يمكن. فكانت صلاته في مسجد الكوفة في أوائل الخمسينات بعد عودته من المنفى أول جمعة تقام في ذلك المسجد منذ أن تركت من بعد علي أمير المؤمنين عليه السلام.

 

  وكسائر خطوات الشيخ الإصلاحية حوربت صلاة الجمعة أيضاً من قبل بعض الغافلين وبعض الذين تحركهم الأيادي التي تخشى من هذه الفريضة السياسية الدينية، وغاية ما كان يستند اليها المخالفون لإقامتها هي دعوى أن صلاة الجمعة من مناصب صاحب الزمان فلا ينبغي إقامتها في غيبته، وأو بدعوى أن من شرائطها وجود السلطان العادل،ولكن ما زال الشيخ مصراً على إحيائها داعياص اليها فبقيت غفي أكثر الاماكن التي أقامها بالرغم من كل المضايقات والشبهات التي يثيرها المخالفون. وبقي الامر كذلك بين مد وجزر حتى تنتصار الثورة الاسلامية في ايران وإقدامها على إقامة صلاة الجمعة فلما اعتادوا على اقامة هذه الصلاة، لا سيما بعد أن أقامها الشهيد السيد محمد بن محمد صادق الصدر (طاب ثراه) سارع الكثيرون الى التصدي لاقامتها والتزاحم على منابرها، حتى من قبل العديد من الذين كانوا يخالفون الامام الشيخ محمد الخالصي حين كان يقيمها. وهكذا انتصرت مناهج الامام الخالصي الراحل الواحد تلو الأخرى مثلها مثل رأيه في وجوب تصدي العالم الديني لشؤون الأمة السياسية.

 

وكما حوربت دعونه لإقامة صلاة الجمعة فقد حورب منهاجه في الدعوة للوحدة الاسلامية وعده أتباع مدرسة الخانعين المتأثرين بوساوس الاحتلال وأتباعهم تنكراً لمذهب الشيعة الامامية مثلاً، واشاعوا بين الجهلة بأنه غير مذهبه!

 

 

 

 

 

 

 

10-        الفصل العاشر: محاولات السياسية البريطانية تحجيم حركة الإمام الخالصي

 

 

يقول البعض أن مما أضر بمكانة الامام الخالصي عند جمهور الشيعة إقدامه الصريح وبلا مواربة على بيان أن ما هو شائع بين عامة الشيعة من إضافة فصل في الأذان بالشهادة لعلي عليه السلام بالولاية، هنا ينبغي الكلام عن مسألتين: المسألة الأولى أن ما يزعمه هؤلاء صحيح ولكن الى حد ما. فإن هذه المسألة حساسة جداً عند جماهير عامة الشيعة وقد تولعوا بها الى حد كبير حتى أصبح التعرض لبيان الحقيقة في حكم هذه الزيادة أمراً يعرض قائله لكثير من النقد والتجريح، ومما يزيد هذا الأمر اشكالاً سكوت الخاصة من المتأخرين عن بيان هذا الحكم واستغلال المنافسين والخصوم لتحريض العامة على من يتصدى لبيان هذا الحكم. هذا المقدار صحيح من كلام هؤلاء لأن أي انسان يقدم على هذا الامر، ولكن بما يتعلق بشخص الامام الخالصي لتاريخه الجهادي ضد الظلم الداخلي والاحتلال الاجنبي يظيف عاملاً آخر وهو رغبة القوى الظالمة من الحكامالمحليين والقوى الاجنبية لشخص الشيخ واستعمال مافي حوزتهم من نفوذ ومال وامكانيا للتحريض ضد الشيخ الخالصي انتقاماً منه ومشاغلة له وايقاعاً بينه وبين الجماهير التي يريد الشيخ توعيتهم لمقاومة الاحتلال وأعوانه. والموضوع الآخر هو حقيقة هذه الزيادة التي لابد من بيانها لكي يكون الأمر واضحاً. ويتبين من استعراض حكم الأذان وبيان فصولة المحدودة من الشارع المقدس في روايات الأئمة عليهم السلام عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يتبين أن الشيخ ليس هو الوحيد الذي حكم بكون هذه زيادة لم تكن في أذان رسول الله (ص) ولا أذان علي (ع) وأولاده اأئمة المعصومين، وأنها أضيفت لاحقاً وقد تصدى لإنكار هذه الزيادة في الأذان علماء الشيعة المتقدمون ومحدثوهم المعتمدون في كتبهم المعتبرة مثل رئيس المحدثين الشيخ الصدوق في كتابه من ر لا يحضره الفقيه) وهو أحد الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة ومثل شيخ الطائفة الطوسي في كتابه (المبسوط) والشهيدين الأول والثاني والحر العاملي في كتابه (وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة) كما أطبق جميع العلماء المتأخرين في رسائلهم الفقهية على أنها ليست جزءً من الأذان ولا من تمتم فصوله، وإن كان الاعتقاد به من واجبات الايمان، كما ورد في عبارة الشهيد أن الشهادة بالولاية من أصول الايمان وليس من فصول الأذان. وهذا الحكم هو نفس ما بينه الامام الخالصي في كتبه منذ عقود، ومنها كتابه (احياء الشريعة في مذهب الشيعة) الذي كتبه في بعض سجون ايران أثناء نفيه، وطبع في العراق بعد قدومه اليه سنة 1949م . وكان من الطبيعي أن يكون الموضوع لحساسيته وتعلق العامة به موضوعاً للأخذ والرد والتساؤل والنقاش، وفي بعض الأحيان اتخذ منه الخصوم وسيلة لتحريض الهامة على سماحته.

ولكن الجالب للنظر في هذه القضية أن إثارتها بزخمٍ عال سنة 1952م كانت ورائها دوافع سياسية متميزة، وأسبابها المتعلقة بهذا الزمن. ففي مشارف هذه السنة أدرك سماحته أن السياسة الأجنبية تتمادى في التدخل المغرض في الشؤون الداخلية لبلدان المنطقة والعراق بالذات وهي لتحقيق أغراضها تسعى لتكوين تحالفات إقليمية تحت سيطرتها لخدمة أهدلفها وتركيز نفوذها. وعلى هذا المسار كان مشروع حلف بغداد الاستعماري قيد الانجاز. إزاء هذا الواقع الساسي نشط سماحته لمجابهة هذه الأغراض الاستعمارية في خطبه في صلاة الجمعة ومحضاراته في حوزته العلمية  وبياناته في المشورات و الصحف. وقد بلور سماحته موقفه في بيان مكتوب موجه الى الرأي العام مطالباً أعضاء البرلمان العراقي والحكومة على العمل المخلص لخدمة الوطن ورفض القواعد البريطانية في العراق وتحقيق استقلاله الكامل وتجنب الدخول في التحالفات الاستعمارية التي ترمي الى جعل العراق مجرد منطقة للنفوذ البريطاني  وحلفائها. وقد وجه سماحته مشروعه السياسي هذا تحت عنوان: (أجيبوا داعي الله ) وقام بطبعه ونشر للرأي العام في كتيب بهذا العنوان.  

إزاء هذا النشاط من سماحته ولما تعرفه السياسة البريطانية عن شخصيته وماضيه الجهادي في معارضة السياسة الاستعمارية وما يكونه من خطر على مساعيها لإقامة حلف بغداد الاستعماري أدركت أن مشروعها الاستعماري هذا لابد أن يجد معارضة من الرأي العام وأدركت أيضاً أن المرشح لقيادة هذه المعارضة هو خصمها العنيد الشيخ محمد الخالصي فلابد في نظرها من مشاغلته ومشاغلة الرأي العام المرشح لمتابعته بقضية تصرفه عن التصدي الفعال لمشروعها الاستعماري الجديد، فاختارت وهي خبيرة بالوضاع الدينية في الحوزة معتمدة على عناصر دستهم فيها، فاختارت موضوع الشهادة الثالثة لتحريض الناس على الشيخ وإثارة ما يشغل الناس عن سياستها الاستعمارية لسببين: السبب الأول حساسية الموضوع بالنسبة للرأي العام والثاني أن للشيخ رأياً فيها سابقاً، فجندت كل امكاناتها من أموال وعملاء لإثارة الغوغاء وتهييجهم مستغلة جهل العامة وحسد بعض الخاصة من رقاة المنبر وحملة الأقلام. والذي كان يراقب الاوضاع في ذلك الوقت كان يجد أن كل الدلائل تشير الى أن الإثارة مفتعلة ومنظمة وبإمكانيات واسعة لا تتوفر في الأحوال العادية وبأساليب شطانية ماكرة غاية في الخبث والدهاء بالتركيزعلى تحويل الموضوع من مجرد رأي فقهي بأدلته الى التغرير بالعامة بالزعم على أن الشيخ قد تنكر لمذهبه وأنه يسعى لنصرة مذهب مخالف. وهكذا تتبين الجوانب الحقيقية للموضوع والمؤثرات المختلفة فيه مما يوضح بجلاء أن الموضوع حساس ...نعم...ولكن إثارته في هذا الزمان وعلى هذا الشخص وبهذا الأسلوب وبهذه الامكانيات كان له خصوصية تتعلق بأغراض بعيدة كل البعد عن الدفاع عن طائفة أو الغيرة على حقيقة ايمانية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

11-        الفصل الحادي عشر: نموذج من مؤلفاته باللغة العربية

 

بالرغم من المضايقات التي كان يتعرض لها الشيخ الخالصي واعتقالاته المتكررة في العراق وايران، والتحريكات التي كانت تثار ضده، وفقده للبصر في سنيَّ حياته الاخيرة نتيجة لسقيه السم مرات في هذين البلدين فقد ترك الإمام  الراحل مؤلفات عديدة باللغتين العربية والفارسية في الفقه واصوله والعقائد والتاريخ والفلسفة الاسلامية والتفسير منها:

 

·        الإسلام سبيل السعادة والسلام (رسالته العملية المختصرة (11))

·        إحياء الشريعة في مذهب الشيعة (رسالته العملية في عدة أجزاء)

·        المعارف المحمدية

·        الوقاية من أخطاء الكفاية

·        الجمعة

·        النيروز (في بدعية عيد النوروز)

·        الإقتصاد والدولة في الإسلام

·        بطل الإسلام (عن حياة والده الراحل الخالصي الكبير)

·        العروبة في دار البوار فهل من منقذ

·        في سبيل الله (سيرة حياته الحافلة)

·        أجيبو داعي الله

·        تفسير دعاء كميل

·        من ذا (عن الامام المهدي عليه السلام في جزء وسفر روحي وقت السحر في جزء آخر)

·        هدى وشفاء (في حجية القرآن الكريم)

·        تفسير سورة الحجرات

 

ومؤلفات اخرى عديدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

12-        الفصل الثاني عشر: وفاته وتشييعه

 

كان الإمام الخالصي قد دعا الى حفل أقامه في الحرم الكاظمي المطهر بمناسبة المولد النبوي الشريف، وقد حضر الحفل علماء الدين الشيعة والسنة وسياسيون وممثلون عن دول اسلامية.

وبعد العودة من الاحتفال بدت عليه آثار المرض، ولازمته الحمى الشديدة وعلامات التسمم، ولما اشتد به المرض نقل الى مدينة الخالص، ثم اُعيد الى بغداد ورقد في مستشفى الرازي، بقي فيها عدة أيام الى أن فاضت روحه الزكية ورجعت الى ربها راضية مرضية في آخر ساعات ليلة الجمعة 21 كانون الأول 1963م (19 رجب 1343هـ).

وفي صباح الجمعة قطعت الاذاعة العراقية برامجها واكتفت ببث القرآن الكريم معلنة نبأ وفاته والحداد العام. عندها توافد الوف المشيعين والمودعين على مسجد براثا، وحملت الجموع جثمانه الطاهر بعد أدائها صلاة الجمعة حتى الكاظمية، مروراً بالاعظمية التي خرجت باهلها للتشييع، فدفن في حجرته في الصحن الكاظمي الشريف.

فسلام عليه يوم ولد، ويوم فاضت روحه الزكية الى ربها، ويوم يبعث حياً

                                                                                                     

                                                                                                     

              

                                                                          

 

1- إقرأ نص الخطاب في »الحقائق الناصعة في الثورة العراقية عام 1920م« فريق مزهر آل‌ فرعون- ص 149-158 بغداد1952م. والنص الكامل للخطاب مذكور ضمن الملحق 1 في نهاية هذا الكتاب

2- »مرگي در نور« عبد المجيد كفائي- ص 416 طهران1359.

3- »لمحات اجتماعية‌ من تاريخ العراق الحديث« علي الوردي- ج 6، ص 107-110 و 141-142.

4- المصدر السابق- ص 194-195  

5- المصدر السابق- ص 236.

6- المصدر السابق- ص 237.

7- الوثيقة البريطانية رقم: F.O.5371/9047  

8- الوثيقة البريطانية رقم:  F.O. 416/73  JULY  16.1923 . NO.64 وكذلك راجع كتاب "التشيع والمشروطة" تأليف الدكتور عبد الهادي الحائري نجل المرجع الديني عبد الكريم الحائري (أستاذ الإمام الخميني طاب ثراه).

9- »شرح زندگاني من« عبد الله مستوفي ج 3، ص 595 طهران 1341ش

10- مجلة »كيهان فرهنگي« العدد 9، آذرماه 1364ش (تشرين الثاني كانون الاول 1985م) ص 30 طهران.

11- نشرت  الطبعة الرابعة من كتاب الإسلام سبيل السعادة والسلام مع ملحق بأحاديث الأحكام  في طهران هذا العام.

الملاحق

----------------------------------------------------------------------------------------------

الملحق 1: خطاب اعلان ثورة العشرين الذي القاه سماحة آية الله العظمى الإمام المجاهد الشيخ محمد الخالصي (١٨٨٨-١٩٦٣م ) في صحن الإمام الحسين عليه السلام.

الخطاب الذي القاه الإمام الشيخ محمد الخالصي في صحن الإمام الحسين عليه السلام بتاريخ ٢١/٦/١٩٢٠ اي قبل تسعة ايام من اندلاع الثوره المسلحه، بحضور قائدي الثوره والده الخالصي الكبير و الشيرازي الكبير منقول عن كتاب "الحقائق الناصعة" لمؤلفه فريق مزهر آل فرعون المطبوع في بغداد ١٩٥٢، و كذلك عن كتاب "مشهد الحسين(ع) و بيوتات كربلاء" لمجيد الشيخ حميد الهر، يقول الهر بعد ان نقل الخطبه: و لما انهى الشيخ الأجل الفاضل من خطابه تقدم اليه الشيخ علوان ابن الحاج حسين ابو هر و وقف امامه و قد اخذه الحماس و سل مسدسه و اطلق عيارا ناريا في الهواء و قال: هذه رصاصة الثورة، و فيما يلي نص الخطاب:



بسم الله الرحمن الرحيم



{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }



السلام عليكم و رحمةالله و بركاته.

ايها الساده! ان الله قد وصفكم بكتابه بصفتين بأنكم الأعلون، و هذا المقام مختص بكم و لا يشمل غيركم بدلالة الحصر المستفاد من الجمله الأسميه و اللام، و علق ذلك على الأيمان فقال: ان كنتم مؤمنين، و حكم على من هذه صفته، ان لا يهن و لا يحزن، كذلك انتم في كتاب الله.

و قد جاءتكم بريطانيا بخيلها و رجلها و عزمها و شكيمتها، تقول انتم الاذلون و نحن الأعلون، لذلك يجب ان نكون قيمين على شؤونكم و ارادتكم و اموالكم و انفسكم، و استعيذ بالله و أقول ما قالته بريطانيا بان العراق يحتاج الى قيم و ولي و وليه و قيمه بريطانيا.

هكذا ارادت بكم تلك الدوله القاسيه التي لا ترى غيرها في العالم، و تحسب صنوف البشر عبيدا ارقاء اذلاء لا يملكون لأنفسهم تجاه بريطانيا نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حياة.

و أنتم واقفون بين بريطانيا و خالقها، خالقها يصفكم بصفة الأعلون، و المخلوق يصفكم بصفة الأدنون، فان قبلتم صفة المخلوقين ذللتم و خزيتم و اصابتكم الدناءة و اشتريتم بعد ذلك مرضاة المخلوق بسخط الخالق، و ان قبلتم صفة الخالق ذل لكم المخلوق، و ان من كان لله كان الله له، و عشتم اعزاء اعلون في بلادكم و لا يصيبكم حزن و لا وهن. و شرط ذلك خلوص الأيمان، كما شرط الله عليكم عدم الرصوخ الى نزعات الشيطان الذي يخوف الياءه {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعرج بكم الى أوج السعادة و منتهى درجات العزة، ومتابعة الشيطان تهوي بكم الى الحضيض و أسفل دركات الذل، ان تابعتم بريطانيا و عشتم أدنين في بلادكم.

فما تطلبون من هذه الحياة الدنيا؟ أترضون ان تعيشوا اياما قلائل أذلاء صاغرين خاضعين لسلطان المفسدين و من ورائكم غضب الرحمن و عذاب النيران؟ أهذا من الفطنة و الحكمه؟ أم من العقل الرشيد؟

و اذا لم يكن من الموت بد فمن العار ان تعيش جبانا

تنصب بريطانيا عليكم قيما و وليا و هي الولي و القيم، فهل انتم مجانين حتى تفتقروا الى الولي و القيم؟

(وتتعالى هتافات و صرخات عاليه..لا، لا، لسنا مجانين، لا نريد بريطانيا قيما و لا وليا).

ايها الساده لا يدرك العز و الشرف و الهيبه و الأستقلال بصراخ و صياح.انما العزم و الماضي البتار بيد الاعزاء الأحرار، هذا الذي يضمن للأمه عزها و شرفها و استقلالها.

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه****** يهزم و من لم يظلم الناس يظلم

الموت أدنى لك يا بريطانيا من ان نذل لك و نخزى، و ان وسوسة الشيطان لاتقف امام امر الرحمن اذ ليس للشيطان سلطان على أولياء الله المقربين و عباده الصالحين. و ان طعم الموت في سبيل العز احلى للأحرار و عباد الله الأبرار من العيش في الذل.

 

ان هذا المقام، و هذا الصحن الشريف، و هذا القبر الكريم، هو قبر من قال واقفا في ميدان النضال:

(ألا و ان الدعي ابن الدعي، قد ركز بين اثنتين، بين السلة و الذله، و هيهات منا الذله، نفوس ابيه، وانوف حميه، من ان نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام)

اجل.....فالله الله، مصارعنا اهون علينا من ذلنا و خضوعنا لسلطان غير القاهر الملك الجبار.ان صاحب هذا القبر هو سيد أهل الأباء، الذي علم شيعته و مواليه كيف يموتون تحت ظلال السيوف في سبيل العز و الشرف، حيث يقول في ميدان قل ناصره، و كثر واتره:

(و الله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل و لا اقر اقرار العبيد).

حكمة قالها بلسانه و ايدها بحسامه حتى استشهد في سبيل الله و نال اقصى درجة الكرامه و سعد بها عند الله و الزلفى لديه و نحن تابعوه، لا نعطي بايدينا اعطاء الذليل و لا نقر لمن يريد بنا الذل اقرار العبيد.

نحن لا نريد حربا مع بريطانيا و لا مع احد من الناس، و لكن الدوله التي تعتدي علينا نقاومها بأرواحنا و نفوسنا.و اذا كانت بريطانيا و خيلها و خيلاؤها بلغت من القوة ما لا نستطيع اخضاعها، فان لنا من الشكيمه و ثبات الجأش و طلب الشرف و السؤددعزما يسوقنا الى أزهاق نفوسنا و التخلص من سلطان الطغاة، اذا لم يكن سبيل الخلاص من الذل الا به، و هو خير من العيش في الذل ، ان الحياة حلوة و لكنها اذا كانت مع الذل مرة قذرة.



اذ لم نغلب بريطانيا فسوف لن تغلبنا و نحن احياء، بل ستدوس على اجداثنا و نحن مستشهدون في سبيل الله و العز و الشرف (هتافات...... الله اكبر، الى ساحات العز و الجهاد ايها المسلمون.....الموت للأنجليز)

يمكن لبريطانيا ان تملك ارض العراق بقوتها، و لكن لا يمكنها ان تخضع عراقيا لسلطانها، فسوف لا يبقى عراقي واحد حيا اذا اصرت بريطانيا ان تكون ولية قيمة و العراقي مولى و مقاما عليه.

نحن ايها السادة متمسكون بحبل الأسلام، و الأسلام لا يرضى بنا الذل فقد حصر العزة بنا اذ قال:{.. وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ..}.

ايها المسلمون لا ترهبوا السلطان من غيركم و لا تخضعوا لقوة عدوعن قلة عدد:{ .. فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا..} { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } { وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } { إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ..} { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }.

فكونوا ممن لا يخشى الا الله، و ان اخوف ما اتخوفه عليكم ضعف الأيمان فانكم لا تغلبون مادمتم مؤمنين {.. وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }.

فتمسكوا اخواني بعرى الأيمان وانصروا الله ينصركم، فانتم بين اثنتين ، بين ان تعيشوا عبيداً أذلاء أو تموتوا احرارا اعزاء فاي الحالتين تختارون؟ (وتتعالى هتافات الحضور....لا نختار الا العز او الموت)

صبرا.. صبرا، ايها الساده الكرام، مهلا.... مهلا.... استمعوا الى مقالي، ان علم الله منكم صدق النيه و حسن الطوية و العزم على نصر دين الله فأنكم حزب الله { ..أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } {.. فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }

و انا الان ايها الساده استطيع ان ابشر نفسي و العراق بأنه سيعيش عزيزا مستقلا، و ابشركم بالفوز و النصر، وعد الله، و الله لا يخلف الميعاد.(هتافات...ليحيى العراق...الموت او الإستقلال).

سادتي مهلا....مهلا، ثبتكم الله و قوى عزمكم و اخضع لكم عدوكم الجبار، ان امامنا عقبات لا يذللها الا العزم الصادق و الأيمان الصريح ، فهل انتم على ذلك؟(اصوات..نعم، نعم).

نعم يا سادتي النبلاء ابطال العراق، لا اطلب منكم الا صدق الايمان وثبات الجأش و الصبر على الشدائد، و الله لا يرضى عنكم بغير ذلك، فهبوا وانهضوا نهضة الابطال المستميتين، ولا تتوانوا و لا يقعدكم شيء حتى تنالوا بغيتكم المقصوده رضا الله و استقلال العراق.

و ان اضعفكم جسما و اكبركم سنا و اقواكم عزما و اصرحكم ايمانا هما ( الإمامان المتبعان الميرزا و ابي) و قد بذلا انفسهما بعزم راسخ و ايمان صادق، فهل تبخلون بأنفسكم بعدهما؟(هتافات متتاليه...نفديهما بانفسنا...... نفديهما بانفسنا.... نفديهما بانفسنا و اموالنا و اولادنا).
جزاكم الله عن انفسكم خيرا و ثبت عزمكم و ابقى بايديكم بلادكم و دفع عنكم عدوكم الذي يريد بكم السوء.

و انني من فوق هذا المنبر، اصرخ ببريطانيا قائلا: احسني و لا تبغي بنا السوء و ايأسي من ان نذل لك و ارجعي من حيث اتيت، فأن لم يكن لنا سلاح فصدورنا و رؤوسنا تستقبل ما لديك من المعدات.

ادام الله حياة الأمة العراقيه و قادتها و علمائها العالمين الآيتين الشيرازي و الخالصي و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

(يقول الشيخ محمد الخالصي في مذكراته {في سبيل الله}: ان الحماس اشتد بالحاضرين و كثر البكاء بينهم و علت الضجه و قطع الرؤساء - رؤساء العشائر- رباط عقالهم بسيوفهم ايذانا بأنهم مستميتون في سبيل الدفاع عن العراق.ثم انفض الاجتماع و الرؤساء مستعدون جميعا للحرب عازمون على الموت في سبيل حفظ حقوق العراق ان اصر الأنجليز على غصبها).