الفقيه المجاهد
عمر من الجهاد بالسيف والقلم والمنبر والمحراب
السيرة المختصرة لحياة آية الله العظمى المرجع الشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي الكاظمي الأسدي (طاب ثراه)
جمع وتوثيق محمد حسن قاسم الخالصي
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه)
الفقيه المجاهد
عمر من الجهاد بالسيف والقلم والمنبر والمحراب

بهديك والزهـــد قال التقــــى*****وحزمك من حزم أهل الكســا
وذبك بالحق عن شـــــــــرعة*****إلهـــية الوحي مما أســـــى
فيا آيـــة اللــــه في أرضــــــه*****وطود الإمامــة علما رســــــا
سـيبقى رحيلك طول المدى*****على منبر الدهر مهما قسى
الفهرست
2- الفصل الثاني: المشاركة في حركة الجهاد ومقاومة الاحتلال البريطاني عام 1914م
3- الفصل الثالث: ثورة العشرين وخطاب إعلانها
4- الفصل الرابع: نفي الشيخ محمد الخالصي قبل والده
5- الفصل الخامس: جهاده الديني والسياسي في منفاه في ايران
7- الفصل السابع: دور الشيخ محمد الخالصي في مواجهة النفوذ البريطاني في إيران
8- الفصل الثامن: الشيخ محمد الخالصي في مواجهة طغيان رضا البهلوي
9- الفصل التاسع: الإمام الخالصي بعد عودته إلى العراق
10- الفصل العاشر: محاولات السياسية البريطانية تحجيم حركة الإمام الخالصي
11- الفصل الحادي عشر: نموذج من مؤلفاته باللغة العربية
12- الفصل الثاني عشر: وفاته وتشييعه
مقدمة الكاتب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الكائنات والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين وكل من تبعهم بإحسانٍ ليوم الدين.
أما بعد، فقد مرت على الأمة الاسلامية جمعاء والعراق على وجه الخصوص أشد الأحداث وأعظم الخطوب خلال القرن المنصرم وبداية هذا القرن، ولابد لكل باحث عن طريق النجاة و الخلاص أن يعود ويقرأ أوراق تاريخ العراق الحديث مرات ومرات من أجل اكتشاف مواضع القوة والبناء من جهة، وكذلك مواضع الخطأ والزلل من جهة أخرى والتي أدت بهذه الأرض الطيبة وهذا الشعب المعطاء العزيز الى ما هو عليه اليوم، فما يظهر للناظر من حال العراق وشعبه بالعيان ينفي الحاجة الى الوصف والبيان.
فصاحب الذكرى في هذه السيرة المختصرة، وهو الفقيه الراحل والمرجع المجاهد الإمام الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه) كان قد شارك في الكثير من الأحداث التي مرت على العراق وشعبه منذ مطلع القرن العشرين وحتى رحيله نهاية العام 1963م، بل وصنع الكثير منها ووضع بصمته على أحداث أخرى في العراق وعموم منطقة المشرق الإسلامي، ولم يدخر جهداً من أجل العمل على رفعة العراق وسؤدده واستقلاله بكل ما أوتي من قوة.
لقد كانت حياته (رحمه الله) خلاصة عن عمل مخلص وصالح دؤوب لا يكل ولا يمل من أجل إعلاء كلمة الله ونشر العلم والمعرفة والدعوة للإستقلال والتحرر، وتحمل في هذا السبيل النفي والتشريد ومحاولات القتل والاغتيال وحملات التجني والإفتراء.
يرزق الله تبارك وتعالى الأمم بقادة كبار ومخلصين، همهم الأول والأخير إعلاء كلمة الله وسيادة واستقلال ومنعة وتطور بلادهم وشعوبهم، فإذا ما سارت معهم أممهم وانتهجت السبيل القويم الذي اختطه هؤلاء القادة المراجع الكبار، فلا شك أن القوة والمنعة هي مستقبل هذه الأمم، ونرى كيف أن أمة ايران التي وثقت وانتهجت سبيل قائدها الراحل وهو الامام الخميني (طاب ثراه) قد حققت استقلالها الداخلي ومٍنعًتٍها من التدخل الخارجي وبنت اقتصادها في الزراعة والصناعة والتجارة والتطور التقني والمنعة الاقتصادية والعسكرية، حتى صارت قوى العالم الكبرى تحسب حسابها، وما كان ذلك ليحدث لولا الإنقياد الواعي لعموم أمة إيران لهذا القائد الفذ. ولولا ذلك لبقي نظام الشاه السابق مهيمناً على تلك البلاد وما يتبع ذلك من الهيمنة المطلقة للنفوذ الصهيوني الأمريكي على المنطقة، وخلافاً لما نرى اليوم من انتشار الصحوة الإسلامية وتنامي إيمان الشعوب بخيار المقاومة الفاعلة كما هو مشهود في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان.
في حين عندما تسند الأمور لقادة مهزوزين، تأتي بهم الدول الأجنبية حسب مصالحها وتسلطهم على البلاد سواء بنفوذها كما حصل قبل احتلال العراق عام 2003 أو بالإحتلال العسكري المباشر بعد غزو العراق في ذلك العام، فإن النتيجة ستكون ما نراه في بلادنا حيث الشقاق والخلاف والنزاع من أجل المصالح الشخصية أو الفئوية في أحسن الأحوال، وتعشعش العرقية والطائفية والفساد الاداري والسرقة والاختلاس والحطام في كل مكان.
كان صاحب الذكرى (رضوان الله عليه) ممن يملكون الثقة بالله والهمة العالية لجعل العراق وطناً مستقلاً منيعاً يحكمه أبناؤه وينعمون بخيراته ويهابه أعداؤه والطامعون به، ولكن الإحتلال البريطاني وبنفوذه ونفوذ سائر الحكام الذين سلطهم على البلاد المجاورة وبوسائل الإعلام التضليلية التي استخدمها لدس الدعايات المغرضة وتلفيق الأكاذيب وتصديق السذج لتلك الأكاذيب، كل ذلك ساهم في إبعاد الشعب العراقي عن قادته المخلصين وكبار مراجعه المجاهدين الذين خشيت تلك الجهات أن يبنوا للعراق كياناً مستقلاً لا يخضع لإرادتهم.
وفي مقارنة بسيطة بين الأمتين في ايران والعراق، نرى إيران قد حصلت على ما هي عليه مما ذكرنا سابقاً من المنعة والإستقلال، بينما حل في العراق إحتلال جديد بقيادة أمريكا وحلفائها وبخيانة من بعض المحسوبين على العراق من الذين جندتهم في مؤتمر لندن عام 2002م.
رحل الفقيه المجاهد الشيخ محمد الخالصي (طاب ثراه) الى بارئه جل وعلا، كما رحل الكثيرون من تلامذته ومحبيه، وكذلك خصومه ومن ساهم في إبعاد الشعب العراقي عنه، وبقيت لنا النتائج والعبر.
يحق لكل عراقي أن يرجع الى أحداث التاريخ القريب ويقرأها مرات ومرات، ويسأل نفسه ومن حوله عن تلك الأحداث التي أدت لهذه النتائج التي نراها اليوم في بلادنا. فهو شأننا جميعاً ومستقبل أبنائنا ولا أحد أولى بقراءتها والإعتبار بها منا، فالأرض التي احتلت هي أرضنا، والدماء التي سفكت هي دماؤنا والثروات التي سرقت وبددت هي ثرواتنا.
أحاول أن أسهم في نقل صورة ولو مختصرة عن فقيه إسلامي كبير ومرجع مجاهد وأب بار للعراق وكل المسلمين. أما الصورة الأشمل والأوضح فسوف تكون في مذكراته التي كتبها بنفسه الزكية طوال ستة عقود تحت اسم (في سبيل الله)، وتتحدث عن أحداث العراق الكبرى، في احتلاله الأول عام 1914م، والتحضير لثورة العشرين، والجهاد السياسي الذي تبعها وسنوات النفي والسجن في ايران ثم العودة الى العراق بعد حوالي ثلاثة عقود وأحداث حلف بغداد والمد الأحمر وتغييرات الحكم في البلاد وأحوال الناس فيها.
أدعو الله العلي القدير ان يأخذ بيد شعبنا وأهلنا من أجل الخلاص والتحرير وجعل العراق بلداً يليق بأبنائه بعد هذه السنوات العجاف الطويلة من الحكومات التعسفية والأنظمة الظالمة وعهد الاحتلال المظلم الذي مازال ليله يكتنف سماء العراق بكل تفاصيله البغيضة وفق مشروعه الذي أراد به ترسيخ تسلطه عن طريق أزلامه على كل مفاصل الحياة وهيمنته على القرار السياسي في بلادنا واستباحتهم لدمائنا وأعراضنا واستئثارهم بثروات وطننا وشعبنا، ولا يمكن الخلاص من كل ذلك إلا بالوعي والعمل المخلص الدؤوب والمنهج الصالح واليد النظيفة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
الراجي عفو ربه
محمد حسن قاسم الخالصي
29 جمادي الثانية 1430 هـ
الموافق 20 حزيران 2009م.
ولد الإمام الشيخ محمد الخالصي عام 1888م (1306 هـ) في مدينة الكاظمية المقدسة، وتربى في كنف ورعاية والده الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكاظمي الأسدي (طاب ثراه)، علم العراق المعروف وشخصيته الفذة إبان الربع الأول من القرن العشرين، ووالدته العلوية نائلة الأعرجي والتي تذكر لها أجيال الكاظمية طردها رسول المندوب السامي البريطاني " سر برسي كوكس" من على باب دارها مقدما كيساً من المال بعد نفي زوجها الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير من العراق إثر رفضه الانتداب البريطاني ومعاهدته وقتها ومن ثم تحريم المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي الذي كانت مهمته التصديق على المعاهدة وشرعنة الاحتلال البريطاني.
درس الإمام الشيخ محمد الخالصي على كبار علماء عصره: الآيات المراجع العظام وهم والده الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير والشيخ مهدي المراياتي، والشيخ محمد حسين الكاظمي، والآخوند محمد كاظم الخراساني، والشيخ راضي الخالصي، والشيخ صادق الخالصي، والميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي (رحمهم الله) دروس الفقه والأصول واللغة والحديث وسائر العلوم الدينية.
وكان رحمه الله ولنبوغه قد حاز على درجة الاجتهاد في سنٍ مبكرة جداً، وكان متبحراً في العلوم الدينية إلى جانب سعيه لكسب العلوم الحديثة كالطبيعيات والرياضيات و قراءته الدائمة في الطب. وإلمامه باللغات الفارسية والتركية والفرنسية إلى جانب تعمقه بالعربية.
شارك
الشيخ محمد الخالصي في أحداث
((
الجهاد))
ضد الانكليز منذ أن وطأت قواتهم ارض العراق عام 1914م، فهب بمعية والده
وجمع من
العلماء للتصدي لهم، وقد خرج رحمه الله على رأس ثلة من المجاهدين إلى سوح القتال في
19 تشرين الثاني 1914
وكان له من
العمر خمسة وعشرون عاماً
تحت إمرة
والده
الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي (طاب ثراه) الذي قاد بنفسه ورغم كبر سنه جبهة
الحويزة في حرب مقاومة الاحتلال إبان الحرب العالمية الأولى وقدوم القوات
البريطانية ونزولها في الفاو جنوب البصرة لغزو العراق، بينما قاد جبهة الشعيبة
الإمام السيد محمد سعيد الحبوبي (طاب ثراهم).
قاتل الشيخ محمد الخالصي في مختلف الجبهات وشارك في أشرس المعارك ضد القوات الغازية وعرف بشدة بأسه ونشاطه ضد المحتلين البريطانيين، وأدى دوراً هاماً كم