بسم الله الرحمن الرحيم
|
|
أُقيمَ في جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير(قدس) في الكاظمية المقدسة احتفالٌ ديني بمناسبة ذكرى استشهاد إمام المجاهدين ورمز الاستقلال والتحرر آية الله العظمى الشيخ المجاهد محمد مهدي الخالصي الكبير وهو احتفالٌ اعتادت الجامعة أن تقيمه في هذه الذكرى العظيمة والعطرة منذ الخمسينيات من القرن المنصرم : افتتح الحفل بتلاوة آي من الذكر الحكيم ثم قراءة دعاء الافتتاح لشهر رمضان المبارك ، بعدها قام الشاب جعفر صادق جعفر بقراءة مقتطفات مختارة من قصائد الرثاء التي انشدها الشعراء والأدباء سواء ما قيل منها عند ورود خبر استشهاده (رضوان الله عليه) أو التي قيلت عند مرور عام على استشهاده في مختلف جمعيات ومنتديات بغداد آنذاك وعلى النحو التالي : ـ
قصيدة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والتي منها :
قومي البسي بغداد ثوب الأسى إن الذي ترجينه غيبّا
إن الذي كان سراج الحمى يشع في غيهبه كوكبا
بات على نهضة أوطانه ملتهب الجمرة حتى خبا
قصّر من أيامه همُّه أن ينقذ الموطن والمذهبا
قومي افتحي صدرك قبراً له وطرزيه بورود الرُبى
خطي على صفحته (( هكذا يرفع من كان شهيد إلابــا ))
ودرسي نشأك تأريخه فان فيه المنهج الأصوبا
كان صليب العود في دينه وكان في آرائه أصلبا
يمنعه المبدأ أن ينثني والدين والجرأة أن يكذبا
محّص بالتجريب أيامه وكيّس الأقوام من جربا
ما الجود في أعمارنا طولها وإنما الجود بأن توهبا
سيان طال العمر أو لم يطل ما دامت الغاية أن يسلبا
وله قصيدة أخرى قالها بمناسبة مرور عام على استشهاد الراحل العظيم ومنها هذه الأبيات : ـ
الليل مغبرُّ النجوم حزينهـا والصبح في حبل الدجى موصولُ
والشمس كاسفةُ الْجبين مشيحةٌ والبدرُ حيرانُ السُّرى مذهول
حزناً ليومِ أبي محمدَ إنـــه يومٌ على يوم ِ الحساب ِ يطول
الله يجزيكَ الجميلَ فكلُّ مـا خلفتــه في المسلمينَ جميل
وطنْتَ نفسَك للصعاب فذُلْلت إن الصعابَ يروضُها التذليل
وبذرت للأوطان ِ أشرفَ بذرةٍ ستطول أفراعٌ لها وأصـول
كن آمناً أن لا تضيع متاعبٌ سيُقيمُها التمثالُ والتمثـيل
مهدتَ للنشءِ الجديد سبيله فليشكرنَّك بعد جيلك جـيل
حملت لنا الأسلاك ُ نعيك موجزاً حتى كأن لم يوحش ِ التنزيل
أو أنَّ دين محمدٍ لم ينصدعْ حتى بكى قرآنه الانجــل
قد قلتُ فيك ثانيَ مـرةٍ ولسوف أرجع كــرتي فأقول
أما العراق ، وقد قضيتَ،فكفهُ مشلولةٌ وحسامهُ مفلــول
إنْ ينتفضْ فبقوةٍ مستغلبٌ أو ينتهض فبذلَّةٍ مغلول .
ورثاه الاستاذ عبد الحسين الأزري بقصيدة منها : ـ
عهدتك غير مكترث لخطب ولو هوت السماء على الوهادِ
تمر بك الخطوب فتزدريها كأنك قد أمنت من العوادِ
ويعروك الآسى فتزيد بشراً كأنك منه ترغب بازدياد
فما للحق بعدك من حليف ولا للبغي بعدك من معادِ
ولا للدين بعدك من يُرجّى ويدفع عنه غارات الاعادي
أردت لصالح الأسلام امراً فحال الموت من دون المرادِ
وغادرت الحياة وكنت فيها تعد الى رحيلك خير زاد
ورثاه السيد صادق الهندي بقصيدة منها : ـ
هل أنت يا أعجوبة الأكوان ملك تجلبب صورة الإنسان
أم أنت مثلك الجليل لكي ترى فيك الأنام حقيقة الإيمان
أبقيت سيرتك الحميدة في الورى يتلونها كتلاوة القرآن
ورحلت للفردوس والدار التي قد ازلفت بالروح والريحان
يانوح هذا العصر كيف تركتنا من لجة الاخطار في طوفان
احييت ميتَ شعبنا فكانما عيسى أُعيد بهذه الازمان
ونشرت دعوتك التي اثبتها للمنكرين بساطع البرهان
لم تألُ جهدك في الجهاد كأنما خوطبت وحدك فيه في القرآن
وثاه الشاعر جميل صدقي الزهاوي بقصيدة منها :
فجعتنا حوادث الايام بأبي الشعب حجة الإسلام
بمحب الاسلام بالمصلح الاكبر بالحبر بالعميد الهمام
بعد ان فاض يملأ الارض خصباً غاض بحرٌ باللرزية طامي
وهوى من علوه في دويّ علمٌ شامخ من الاعلام
كان فرداً ورب فرد عظيم هو قومٌ وليس كالاقوام
وحد الشعب في العراق جميعاً بعد خلف فيه وبعد انقسام
قد وجدنا شهر الصيام كئيباً لنعي أتى بشهر الصيام
ورثاه الكثير من الشعراء الآخرين امثال الشاعر معروف عبد الغني الرصافي والسيد جعفر الموسوي والشاعر عبد الكريم العلاف والشاعر الشيخ محمد علي آل يعقوب والشاعر حسين ظريف الاعظمي وجلال محمد سعيد والشاعر عبد الرحمن البناء والشاعر صالح بحر العلوم وغيرهم من الشعراء والادباء كثير لا يسع المجال هنا لذكرهم .
وبعد الانتهاء من تلاوة هذه القصائد ألقى الدكتور حميد مجيد هدو كلمة بالمناسبة جاء فيها : ـ
نستذكر في هذا اليوم علماً من اعلام الجهاد والكفاح في سبيل الله ومصلحة الأمة والوطن سماحة الإمام الشهيد القائد الروحي والوطني الشيخ محمد مهدي الخالصي . حديثي هذه الليلة سيقتصر على جهاده العلمي وفتواه الشرعية وتفكيره الحر الذي لم تحده حدود فقد صال وجال في عالم كبير من العطاء الروحي الثر حتى أصبحت فتواه اليوم غرة في جبين الدهر وهي الانموذج الصحيح لمسيرة فقهائنا وعلمائنا الذين لا تاخذهم في الله لومة لائم الذين رفعوا العصا على الدوام بوجه المستعمر الظالم والمحتل الغاشم الذي يناصب العداء لفكر هذه الامة وعقيدتها ويقف عقبة كأداء في تنفيذ ما تصبوا له العناصر الخيرة المؤمنة .
عمل الامام الراحل على الاهتمام بالدراسة الحوزوية حيث التنظيم والمادة الدراسية مما يسهل على الطالب طريق التحصيل واختصار المراحل بعد ان حدد مدة زمنية لا تتجاوز الأثني عشر عاماً يكمل فيها الطالب دروسه لكي يصل الى مرحلة الاجتهاد في الفقه والاصول وعلم الرجال والحديث والتفسير والحكمة والمنطق والرياضيات وعلم الهيئة والفلك ناهيك عن علوم العربية وما يتعلق بها .
كان (رضوان الله عليه) يفتي على الدليل العلمي وان خالف جميع الناس ـ المهم كان يفتي بما لا يتنافى والاصول العامة للشريعة الاسلامية بكل جرأة ودقة فرسالته الفتوائية خالية من التردد والاحتياط والتوقف في موارد الفتيا .
بعد ذلك ألقى سماحة آية الله المجاهد الشيخ جواد الخالصي (سلّمه الله) كلمة بالمناسبة جاء فيها :
في هذا الجو المملوء بالغبار والمشحون بالعواصف والأحداث ولا ادري كم تسنح لي الفرصة لكي أتحدث عن هذه الذكرى خصوصاً أنني أتذكر قولاً قاله المرحوم (الوالد) عند الحديث عن ذكرى أبيه ـ قال إن القول الذي اشتهر بين العرب ( كل فتاة بأبيها معجبة ) يمنعني عن الاستمرار بالحديث عن سيرة أبي وانا أيضا من الذين يحاصرون بهذا القول لأنني أخشى أن يكون هنالك تصور عند البعض أن العلاقة النسبية هي السبب في الحديث عن هذه الحقائق دون العلاقة السببية وهي علاقة الانتماء وعلاقة الفكر وعلاقة المواقف ولكننا سنتحدث هنا بدليل وبرهان وما عداه مردود ومرفوض والله تعالى يقول {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} هذه نقطة، ونقطة أخرى مهمة هي أننا لا نقف من ذكرى الشيخ الكبير موقفاً يتيماً، فبالنسبة لنا ذكرى كل عالم مجاهد وكل عالم عامل وكل إنسان يضحي في سبيل مبدئه وعقيدته وان لم يكن عالماً، وكل شهيد يسقط في المواجهة ولو كان طفلاً صغيراً، يسقط بين يدي والده أو في زوايا بيته كل هؤلاء في موضع تقدير وتبجيل واعتزاز بالنسبة لنا.
|
|
نحن عندنا في الكاظمية مجموعة من العلماء خرجوا للجهاد آنذاك إضافة للشيخ الخالصي أمثال السيد الجليل السيد مهدي آل السيد حيدر الذي خرج هو ومجموعة من أبنائه وأقربائه وقد استشهد بعضهم في جبهات القتال وخرج أيضا الشيخ عبد الحميد الكلدار (رحمه الله) وخرج الكثير من أبناء هذه المدينة ولكن لم تثبتهم صحائف التاريخ ، والتاريخ كما يقول بعض الكتّاب له صانعوه المجهولون. أما في مدرسة الإيمان فليس هنالك مجهول في التاريخ، فكل إنسان مهما كان صغيراً أو كبيراً معروف عند الله، مُجازى على أفعاله ومحاسب على ما قام به.
من النجف الأشرف خرج مجموعة من العلماء في مقدمتهم السيد المجاهد الشاعر والفارس (محمد سعيد الحبوبي) والشيخ باقر حيدر والسيد عبد الرزاق الحلو والشيخ الكبير (شيخ الشريعة) .
نحن كتوجه وكمدرسة ننظر إلى هؤلاء نظرة واحدة ونعتز بهم جميعاً ونقف أمامهم وقفة إجلال وإكبار، وإنما نجدد ذكرى الشيخ الكبير(الشيخ محمد مهدي الخالصي) لشيئين :
الأول : كان هو آخر المعاقل العلمائية التي صمدت في وجه مخططات الاحتلال وبنفيه واستشهاده وتغييبه عن الواقع اليومي للناس بدأ المخطط يفرض نفسه على العراقيين وعلى أبناء المنطقة ظانين أن المعركة قد انتهت بعد أن حُذف اسم الشيخ الكبير حتى من تأريخ المرجعية الدينية.
كان المحتلون والسائرون في ركابهم ومؤرخو الاحتلال وكتابه والمدارس التي أنشأها الاحتلال كانت تحاول أن لا تذكر اسم الشيخ الخالصي، وإذا ذكرته... ذكرته كشخصية وطنية قام بشيء وقد اشتبه في بعض مواقفه لأنه كان متطرفاً!!! فالبعض يحاول أن يبرر الخطأ التاريخي الذي وقع فيه البعض في تحالفه مع الاحتلال البريطاني بتوجيه الخطأ إلى خصوم الاحتلال، هذا كله ليبرروا الخطأ الحالي الذي وقعوا فيه، هذا اذكره لكي أشير إلى المخطط الاحتلالي في صرف الأنظار عن العلماء المجاهدين العاملين، خصوصاً أن مدرسة الشيخ الخالصي لم تنتهِ..... شاء الله لها أن تستمر على يد ابنه الكبير الشيخ محمد الخالصي، وان تؤتي ثمارها وهو في منفاه إيران عندما كان هناك، وداخل العراق عندما عاد إليه، استمرار المدرسة سبب من أسباب الصراع وهي ما زالت تقارع وتقاتل ولله الحمد.
نحن اذا كنا نحمل هذه الرسالة فنحن مطمئنون أن ذكر هذه الرسالة لن ينطفئ، وإذا ابتعدنا عنها يمكن أن ينطفئ ذكرنا. الموضوع الحقيقي في الوجود أن نثبت على المسيرة، لا أن نتغير ذات اليمين وذات الشمال وهذا يذكرنا بموقف الإمام الحسين(عليه السلام)، ولو كان (عليه السلام) يريد أن يبدل لما كان لدينا إباء ولا ثورة ولا كربلاء ولا مسيرة .
الثاني : أنا حسب متابعتي لا توجد مناسبة في تأريخ العراق المعاصر نظم فيها الشعراء كمناسبة وفاة الشيخ الخالصي وهذا يدل على ضخامة الحدث لان الأدب انعكاس للواقع .
نعود هنا إلى قصيدة الزهاوي التي تُليت على مسامعكم
فجعتنا حوادث الأيام بأبي الشعب حجة الإسلام
هذا الشاعر نفسه عندما يستقبل برسي كوكس ( الحاكم البريطاني للعراق يومها) يقول له :
عُدْ للعراق وأصلح منه ما فسدا وابثث به العدل وامنح اهله الرغدا
ان العراق لمسعود برؤيته أباً له من بلاد العدل قد وردا
فمن هو أبو الشعب ؟ برسي كوكس أم الشيخ الخالصي؟
هل هي صحوة ضمير من الزهاوي هذه تحتاج الى بحث.
طبعاً لم يكن برسي كوكس اباً للشعب، إنما كان مستعمراً مذلاً مستعبداًُ مذلاً لهذه الأمة، والذين استقبلوه بهذه الكلمات خانوا الله والأمة والوطن. لم تكن لندن بلاد عدل إنما هي بلاد عصابات وجريمة واستعباد وظلم للشعوب.
الشاعر معروف عبد الغني الرصافي الشاعر المعروف له قصيدة شعرية في رثاء الشيخ الخالصي يقول في مطلعها :
ادهق الدهر بالمنية كاسه من قديم وطاف يسقي اناسه
كيف يرجى طول البقاء لحي جعل الله عمره انفاسه
ثم يقول بعد ذلك وهو محل الشاهد:
انا ابكيه من جهة العلم واغضي عن خوضه بالسياسة
لا لاني أراه فيها ملوماً بل لاني أُعيب فعل الساسة
طبعاً نحن نعيب فعل الساسة ولكن ليس كل من دخل في السياسة يُعاب بفعل الساسة الآخرين، لان من دخل في السياسة وثبت على مبادئه ومواقفه ولم يسقط فهذا محل فخر واعتزاز، هذا ايضاً موضوع مهم في قضية فصل الدين عن السياسة، الذي يشير إليه الرصافي، والشيخ كما تعلمون هو إمام المدرسة المعاصرة في إثبات وحدة الدين والسياسة ووجوب أن تقاد السياسة ويقاد المجتمع من خلال الاسلام وهو الذي مهد لقيام الصحوة الإسلامية المعاصرة وما أعقبها من انتصارات وثورات في زماننا الحالي.
والحرب كلها اليوم في العراق والمنطقة هي ضد هذه الصحوة الإسلامية، حتى تحاصر هذه الصحوة وتمنعها من تحقيق أهدافها، وأهداف الصحوة واضحة: هي وحدة الأمة ونهضتها بمشروعها الموحد تحت راية الإسلام .
علينا أن نركز على أهداف الشهداء ومواقفهم وجهادهم وعملهم وان نتابع المسيرة.
الأستاذ عبد الحسين الازري لم يذكر في كتب الأدب المعاصر... لماذا ؟ لأنه من الذين ثبتوا على مواقفهم ولم يستسلموا للموجة الاستعمارية البريطانية .
قال في رثائه للشيخ :
خدمت الدين لا طلباً لجاهٍ ولا طمعاً بمال او عتاد
هذا الانسان الذي يجب ان يقتدى به... فليست مهمة عالم الدين جمع المال. الخلاصة أن الثبات على المبدأ والعقيدة له ثمن فمن كانت عقيدته غالية عليه .... عليه أن يكون مستعداً لدفع الثمن .
المكتب الإعلامي
لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير الكاظمية المقدسة
14 رمضان 1429هـ الموافق 15 ايلول 2008م