خطاب (أنا مسلم) التاريخي، الذي القاه سماحة الامام المجاهد الشيخ محمد الخالصي رحمه الله ابان حكم طاغية العراق عبد الكريم قاسم.

 

 عرف الخطاب باسم (انا مسلم) لترديد سماحة الامام الشيخ محمد الخالصي رحمه الله هذه الكلمات مرات متعددة فيه. القي هذا الخطاب في الجامع الكبير في الصحن الكاظمي المطهر ( مسجد الصفوي سابقا، و مسجد الجوادين حاليا):

حاربت الاستعمار اكثر  من خمسين سنة و لله الحمد، ولما رايت الالحاد حاربته ولله الحمد... انا مسلم و ارجوا ان تكونوا مسلمين، ما هذه الدماء التي تسفك بين المسلمين، قوميات متآخية اكراد و تركمان و عرب ولكن القوميات المتآخية يقتل بعضها بعضا ويسفك بعضها دم بعض، هذه هي القوميات المتآخية؟ في سبيل من تسفك هذه الدماء... فلم يقتل المسلم المسلم. اقول انا مسلم و المسلم يحرم عبادة الفرد، فمن ذا يحكم العراق هل تحكمه جمعية او هيئة او مجلس، ام ان ارادة الفرد الواحد تتحكم بالدماء، تتحكم في الاعراض، تتحكم في الاموال، وتدعو المسلمين الى ان يحارب بعضهم بعضا، ويسفك بعضها دم بعض، فهل هذا موقف الاسلام؟ عبادة الفرد!! هل  هو الله  يحكم فيحكم ما يشاء، ويفعل مايريد، ولا يرد عليه احد، انا مسلم وارد هذا الحكم واحاربه جهدي بما اتمكن[1] ، انا مسلم وليفعل القانون ما شاء ان يفعل... فمال ناصر الالحاد يدعي الاسلام، هذا هو الاسلام، انا مسلم واقول ان من سعي في ان يحمل الناس على هتك الاعراض ويشوق الى ذلك فلا يحق له ان يعيش في بلاد الاسلام، مئات الوف الدنانير ليلة وفاة رسول رب العالمين تبذل لراقصات يرقصن[2] من اول الغروب الى بعد طلوع الفجر وفي كل بيت تلفزيون.

  انا مسلم وانكر ذلك وانتم مسلمون فانكروه معي ما بالكم تخافون ان تقولوا انا مسلمون، انا مسلم وهذه احكام الاسلام، هل خدعت نفسي فقلت انا مسلم ورضيت بالكفر والفسوق و الفجور و الالحاد وتبذير الاموال وقتل النفوس وهدم الديار على ساكنيها[3]...

انا مسلم ولا اخاف ان اقول انا مسلم فماذا تخافون ومن ذا تخشون (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ - آل عمران ١٧٥) ايها السريون[4] اكتبوا ما شئتم، عندنا مسجل خذوه فاقرؤوه على من خالف الاسلام، وان كتبتم كذبا كما سبق ان كتب بعضكم كذبا فهذه الخطبة تحفظ بالمسجل خذوه و اعرضوه على من شئتم. انا مسلم و لا اخاف شرطة ولا اخاف امنا ولا داخلية، ولا وزارة دفاع او حرب ولا ولا دبابات ولا صواريخ... وانا فوق ذلك فاني معتقد بقولي الله اكبر... ذل اعداء الله.

و اشهد ان لا اله الا الله، ومن يدعي الالوهية غيره فيتحكم في رقاب العباد واموالهم ودمائهم و اعراضهم ولينتظر بعوضة تدميه فتوقعه في الملاريا، او قملة تاتيه فتلقي ميكروب التيفو في بدنه فينفطر قلبه، ليقل اني اله ، انني اقوى من الموت [5]، اذا قاوم القملة صدق.

 اشهد ان لا اله الا الله، لا اله الا الله ولينكره المنكرون،... انها آيات الله ظاهرة في ابداننا وما يحيط بنا من خلق وفي الآفاق وفي الانفس وفي كل شيء فليذهب الملحدون الى جهنم و بئس المصير بجهلهم وعنادهم وغرورهم، واشهد ان محمدا رسول الله خاتم الرسالة الصادقة لا ان مخالفتها خطوة تقدمية، الذكر و الانثى سواء [6]، صحييح تقدمية مخالفة الرسول، اللهم صل على محمد وآله والعن من عادى محمدا و آل محمد وابدهم ولا تجعل على الارض منهم ديارا، رب انهم اظلوا عبادك...، عباد الله كونوا مسلمين ولا تخافوا، تقولون انا مسلمين وتخافون ان تجهروا باحكام الاسلام، اهذا اسلام...؟ فاتقوه وارهبوه يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا، احصاه الله ونسوه، فان كنت تنسى اعمالك فالله لا ينسى، والله قد احصى كل عمل لك من صغير و كبير، فاتق الله ايها الوثن الكبير[7]، اتق الله واخش الله واعلم ان العذاب نازل لا محالة مع هذه الاعمال، واعلموا انا لا نعادي احدا لشخصه، انما نعادي من عادى القرآن، من عادى الاسلام، من خالف الاسلام ونعلم ان الدبابات لديهم والصواريخ و المدافع و الطائرات... هذا نعلمه ولكن نعلم، ماذا نعلم؟ الله اكبر... اللهم انصر الاسلام، اللهم ابد الكفر بجميع شقوقه، ابد الالحاد، ابد الاستعمار، ابد الظالمين...

اللهم انصر دينك، واصلح بلادك واعمرها، وارشد عبادك واهدهم الى رضوانك، وحارب من حاربك واهلكه وانت مهلكه لا شك[8].

 


 


[1] ساق قاسم الكثير من احرار العراق الى ساحات الاعدام واعواد المشانق ومنهم الذين قاسموه لقموة العيش، واكتظت سجونه باكثر من ١٠٠٠٠٠ مئة الف من احرار العراق رفضوا ظلمه و طغيانه.

 [2]  اقيمت هذه الحفلة الماجنة في ليلة ذكرى وفاة رسول الله (ص) و بحضور عبد الكريم قاسم في قاعة الشعب في باب معظم ونقلها التليفزيون على الهواء مباشرة مما اثار الكراهية لدى الامة تجاه السلطة و راسها الاوحد، وقد صرفت على هذه الحفلة مئات الالوف  من الدنانير في وقت كانت ميزانية العراق آنذاك (٣٠٠) ميليون دينار وكان من الاولى ان تصرف على فقراء العراق، وصرف هذا المبلغ الضخم على حفلة واحدة فقط لاشباع نزعة الغطرسة و التجبر عند الزعيم الملهم!!

[3] اشارة الى الحرب التي كان يشنها قاسم على الاكراد في شمال العراق

[4] رجال الامن والشرطة

[5] كان عبد الكريم قاسم يكرر هذه العبارة في خطبه بعد نجاته من محاولة اغتياله في شارع الرشيد ببغداد معتقدا جهلا انه كذلك، وقد انتبه حتما لغروره وجهله ساعة اعدامه وتوضح له بشكل قاطع انه ليس اقوى من الموت، والعياذ بالله من الجهل والغرور و الغفلة.

[6] اشاره الى القانون الذي اصدره عبد الكريم المتضمن المساواة بين الذكر و الانثى في الميراث رادا بذلك على القرآن الكريم الذي يقول في سورة النساء آية ١١ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وهو الحاكم الوحيد في العراق الذي تجرا على مخالفة القرآن الكريم بهذه الوقاحة.

[7] الخطاب موجه الى عبد الكريم قاسم.

[8] طالما كان الامام الخالصي يوجه اليه الخطاب قائلا: (اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في وزارة الدفاع) تسفيها لما كان يدعيه من انه اقوى من الموت، ولم يكن عند الامام الخالصي وهو ينظر بنور الله ادنى شك ان عبد الكريم قاسم هالك لا محالة بسبب مظالمه و فرعونيته وكفره، بينما كان هو يدعي الاوحدية و الالهام وانه اقوى من الموت، وعندما قامت الثورة وانهالت الحمم و القذائف على مقره في وزارة الدفاع وكان آنذاك خارج الوزارة و توجه اليها ليدخلها وهو يلوح بيديه مشيرا الى انه سيقضي على الثورة ضده في ساعتين ولم يدر بخلده انه داخل الى المصيدة وان الله تعالى انزل عليه غضبه و سخطه. يقول الحاج اللواء الركن عبد الغني الراوي الذي تولى محاكمته انه امر عبد الكريم قاسم قبل اعدامه بالنطق بالشهادتين فتيبست شفتاه ولم يستطع ان ينطق بهما و العياذ بالله تعالى من سوء العاقبة لا سيما عاقبة مثل هذه، وما اكثر العبر و اقل المعتبر. بعد القاء هذه الخطبة ضد مظالم عبد الكريم قاسم ومفاسده اقدم على اعتقال الامام وارسل قوات كبيرة من الامن و الشرطة الى مدينة الكاظمية المقدسة واحاطت بمبنى (جامعة مدينة العلم للامام الخالصي الكبير) حيث مقر الامام، وتهيا الؤمنون لتصدي لهذه القوات الا ان الامام منعهم قائلا: انا لا اخشى الاعتقال و السجن. وتم اعتقال الامام في مديرية الامن العامة في بغداد قرب القصر الابيض، وبعد لقاء صاخب مع مدير الامن العام الجلواز عبد المجيد جليل حيث حذره الامام الخالصي من التمادي في الظلم و الكفر وايذاء الناس وخدمة الطغاة ومن سوء العاقبة وذكره بسلفه بهجت العطية والذي اعدم بعد ثورة ١٤ تموز عام (١٩٥٨) واخذ العبرة منه، وهذا ماكان حيث اعدم بعد قيام ثورة رمضان المبارك عام ١٣٨٣هـ - ١٩٦٣م.

وعلى اثر اعتقال الامام الخالصي خرجت الجماهير الغاضبة في مدينة الكاظمية المقدسة يتقدمها العلماء بعد ان اجتمعت في الصحن الكاظمي المطهر قاصدة وزارة الدفاع مقر قاسم، وقامت السلطة بزج عدد كبيرجدا من الجيش والامن و الشرطة مع آلياتهم المدرعة وتم اغلاق جسر الائمة الذي يربط مدينة الكاظمية المقدسة ببغداد حيث وزارة الدفاع بالمدرعات، و بعد مصادمات عنيفة بين الجماهير الثائرة وقوات السلطة فرض على المدينة نظام منع التجول، وجرح الكثير من المتظاهرين واعتقل آخرون وقدموا للمحاكمة العسكرية و يقول سماحة الشيخ هادي معلقا على هذه الحادثة في تحقيقه لكتاب سبعة و عشرون شهرا في طهران: ومن مشاهداتي التي لا تنسى على مدى  الاعوام في هذه المظاهرة هي رؤية المرحوم البطل السيد الجليل مهدي عطيفة و قد اشرف عمره على الثمانين محمولا على اكتاف احد المجاهدين الشاب- عبد الاله عبد الرزاق- بسبب صعوبات في المشي وقد طوى عمامته السوداء بيديه الطاهرة وهو يتقدم الجماهير مقتحما وملوحا لهم بالهجوم على جلاوزة الطاغية و التقدم نحو وزارة الدفاع مقر قاسم...