الإمام الخالصي في خطبة الجمعة: حين يستحضر الإنسان تقوى الله في  سيرته، يرجى خيرُه و يُؤمن شرُّه و يُوفّق لاختيار الأصلح

 

قال الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي في خطبة الجمعة: إننا نتعجب للحلول المعلبة والديمقراطية المصنعة التي يتم فرضها على بلادنا، وما هي في الحقيقة إلا تشويه واضح لمبادئ الديمقراطية التي يدعون الرغبة في تطبيقها في العراق، فالديمقراطية في بلدانهم تعني احترام رأي الناخب واختيار رؤوس النظام من اللوائح الفائزة، وهو أقل ما يمكن عمله لاحترام رأي الناخب، إلا أن ما نراه في العراق يختلف تماماً، إذ تفرز صناديق الاقتراع شيئا وتفرض أمريكا شيئاً آخر، لذلك فهي إفساد للحياة الديمقراطية وليس تطبيقاً لها.

نحن ابعد ما نكون فكرياً و عملياً عن التبعيض العرقي و الطائفي، ولهذا لا يهمنا إلاّ  أن يكون في موضع الحكم الأنسان الأصلح و الأنفع للمهمة الموكلة إليه سواءً كان سنياً أو شيعياً عربياً أو كردياً أو تركمانياً،  مؤمناً بوحدة أمته و وطنه ملتزماً بإرادة شعبه غير خاضع لإرادة الأجنبي المحتل. إما  أن يُفرض  رئيس للدولة و اخر للمجلس و ثالث للحكومة لمجرد كونه من عرق معين او طائفة بذاتها خلاقاً للأكثرية الواقعية وعل نقيض ما أفرزته حتى صناديق إقتراعهم ذاتها، فهو منحى طائفي عرقي تقسيمي  يحمل بذور الفتنة و التقسيم في النظام الجديد الذي يسعى الاحتلال إلى فرضه على العراق ، ولن يكون في مصلحة أحد، لا الشيعة ولا السنة و لا العرب و لا الأكراد ولا حتى السائرين في ركاب العدو، بل هو مشروع أعداء الجميع؛ الاحتلال و من ورائه الصهيونية صاحبة المصلحة العليا في تحطيم مقومات الأمّة. نقول هذا ونحن واثقون بنصر الله،  و بأنّ العاقبة للمتقين.

إنّ ما يجري في العراق المحتل إنمّا هو بعض ملامح الديمقراطية المصنّعة في الدوائر الإمبريالية معدّاً بالخصوص للتصدير الى العالم الثالث بواسطة القوة الأمريكية الغاشمة، و في هذا ما فيه من مؤشر على أمرين خطيرين؛على غياب الديمقراطية بمعناها الحقيقي من جهة،لمخالفته لنتائج الإنتخابات التي أجروها هم بأنفسهم وكما يريدون، و من جهة أخرى فيه مؤشر على حضور إرادة الاحتلال، لفرضه من يشاء على رأس المؤسسات السيادية دون أدنى إعتبار للأكثرية الواقعية و لا حتى لقواعد لعبتهم الديمقراطية كما يحلو لهم أن يسموها. والمؤكد إنّه  أمر ليس في منفعة الوطن، و لا منفعة أحد فيه من السنة أو الشيعة أو العرب أو الاكراد أو التركمان، بل هو لصالح  الاحتلال و الرابطين وجودهم بوجوده. وليصدق قول ربنا فيهم : " و من يتولهم منكم فإنّه منهم".  و لهذا نراهم أحرص الناس على دوام الاحتلال من الاحتلال نفسه، و يصرحون بأن رحيله يكون كارثة، نعم قد يكون كارثة و لكن على الذين تولوهم و ربطوا مصيرهم بمصيره، فهم لا يجرأون على الظهور للشعب مع وجود مئات الألوف من قواته فكيف بهم إذا رحل.      

هذه هي ملامح الديمقراطية المصنعة خصيصا للتصدير للآخرين، أو كما قال الرئيس الامريكي "من بيروت الى طهران"، و هي ديمقراطية المحاصصة لمنفعة الاحتلال و العناصر المنحازة له، أما ارادة الشعب الحقيقية فليست في حسبانهم أبدا.

 وكان سماحته قد أفرد الخطبة الأولى وجزءً من الثانية للحديث عن استحضار التقوى ومخافة الله في كل مسيرة الإنسان العملية اليومية، وفي كل شؤونه الشخصية والاجتماعية والأسرية والاقتصادية وبطبيعة الحال السياسية ليرجى خيره و يؤمن شره، و ليكون مثلاً يقتدى به، وقال سماحته أن السياسة عندنا هي فن رعاية شؤون الأمة و تحقيق مصالحها، وهي بهذا المعنى جزء من الدين الذي نتدين به و الذي ينصّ على " أنّ من أصبح لا يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم"، وليست السياسة فن الاستحواذ على السلطة ولو بالغدر و الخيانة و التعاون مع العدو المحتل وبكل طريقة سانحة، فالتقوى هي المحرك الأساس للإنسان المسلم في سلوكه السياسي و غير السياسي، و ليست السياسة إشباع شهوة الحكم على كل حال و بكل وسيلة، بدعوى ( أنّ السيلسة فنّ الممكن)، كما يحلو للبعض أن يردد ببغاوياً هذا الشعار الإنتهازي اللأأخلاقي في هذه الأيام.