بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ العبودي في خطبة الجمعة في مدرسة الإمام الخالصي :- لمن نصوت؟ لحكومة عجزت عن عزل وزير فاسد وصل فساده إلى كل الأرض أم لحكومة عجزت عن توفير الصابون في الحصة التموينية لمدة كذا سنة؟



قال سماحة الشيخ علي العبودي في خطبة الجمعة المباركة بالمدرسة الزهراء في جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس) في الكاظمية المقدسة بتاريخ4صفر 1430هـ الموافق 30 كانون الثاني 2009م .
بمناسبة قرب ما يسمى بالانتخابات:

• إن من أهم الأمور هي أن يفهم الإنسان حقه... فليس من المعقول أن يأتي شخص يريد أن نصوت له في الانتخابات مقابل (بطانية)...أمر جيد أن نحصل على بطانية كل أربع سنوات، ألا ترون ثمن الديمقراطية....كم يحترمون المواطن العراقي!!!..... علينا أن نعرف وان نتساءل هل إن الديمقراطية (( رغم الكثير من اشكالياتنا على مسألة الديمقراطية)) ولكن أريد أن أتكلم عن تطبيقها.... فهل هي انتخابات ؟؟.... الانتخابات أمر يمكن أن يحدث في أي بلد... حتى في اشد البلاد دكتاتورية في الأرض ولكن ليس فيها حرية، هل إن الديمقراطية أن نصوت وينتهي الأمر؟!! ألا يجب قبل ذلك (( وهذا ما يقوله المنظرون للديمقراطية)) أن اشبع حاجة المواطن لكي يذهب إلى الاقتراع ويصوت لمن يختاره بقناعته لا لحاجته ولا لأجل بطانية، ولا لأنه إذا لم يصوت إلى القائمة الفلانية يمكن أن يتعرض إلى الخطر، هذا ما يحدث في العراق .... شراء الأصوات، استغلال العواطف الدينية رغم أن القانون الذي وضعوه يحرم استعمال الرموز الدينية. هل يمكن لنا أن نسمي ما يحدث في العراق ديمقراطية؟ قبل شهر تقريباً نشرت إحدى الصحف الأمريكية مقالاً قالت فيه: إن ما يحدث في العراق أشبه بدراما شكسبيرية حزينة منها إلى ديمقراطية وليدة.
• لمن نصوت؟ لحكومة عجزت عن عزل وزير فاسد وصل فساده إلى كل الأرض أم لحكومة عجزت عن توفير الصابون في الحصة التموينية لمدة كذا سنة؟
• ليس من حق احد أن يفرض على الأمة ويقول لها أن تنتخب أو لا....كل إنسان عليه أن يفكر ويقدّر مسؤوليته أمام الله... لكن يجب أن لا يستخف بنا أحد في هذا الموقف، فما هذا الفرض على الناس؟ يجب أن أنتخب أو لا يجب أن انتخب! ، ليس من حق أي مجتهد أن يفرض على الأمة قراراتها السياسية... ليس من حقه أساسا في منصبه الذي جلس فيه وفُرض فيه على الأمة أن يقول انتخب فلاناً أو لا تنتخب فلاناً.... هذه قضية ترجع إلى قناعتي كانسان.... فعندما تقول لي انتخب أو لا تنتخب فأنت لا تحترم قناعتي وعقلي أنت تستغل الدين أبشع استغلال، أنت تستغل الدين لحماية السارقين والمجرمين. الذين يحثون الناس بطريقة علنية أو سرية لتأييد قائمةٍ ما... هؤلاء مسؤولون أمام الله. لماذا لمْ توقفوا المفسدين عند فسادهم إذا كانوا خاضعين لكم ويأتمرون بأوامركم ويرجعون إليكم؟! لماذا لم تحاسبوهم على هذه الأموال التي بدّدوها وعلى هذه الجرائم التي اقترفوها وعلى الأنفس التي أزهقوها وعلى الويلات التي جلبوها على العراق منذ ست سنوات؟؟! أين كنتم؟! لماذا تقولون الدستور يرُجع فيه إلى الشعب والاتفاقية الأمنية من اختصاص البرلمان وعندما تحتاجون قوى معينة لكي تتحركوا... تتحركون في قضية الانتخابات؟ أهكذا يكون موقف الرجل الربّاني الذي يخاف أن يقف يوماً أمام الله فيسأل عن رعيته وعن الناس الذين تحت مسؤوليته؟.
• لقد رأينا في هذه الفترة عجائب وغرائب... رأينا مسؤولين كباراً ينتقدون خدمات الحكومة. وهذا أمر عجيب هل انتم في المعارضة أم خارج عمليتكم السياسية؟ انتم في الحكومة... في العملية السياسية... فمَنْ تنتقدون؟ لقد كشفت الانتخابات عن زيف شعاراتكم المبرقعة كذباً بالإسلام، انتم الذين شاركتم في القتل وفي التهجير وفي السرقة وفي الفرقة. الآن فرّقتكم الدنيا بعد أن جمعتكم المصالح سابقاً، إن ما يحدث في العراق ليس ديمقراطية كالتي نسمع بها في العالم، بل هو مهزلة مضحكة فالكل يهدف إلى تحقيق مكسب معين.
• وعن قضية الغلو في موعظة الخطبة قال سماحته : ـ لقد ترك النبي(صلى الله عليه واله وسلم) الكثير من الثوابت التي ترجع إليها الأمة بعد نبيها (صلى الله عليه واله وسلم)، وكان من أهم هذه الثوابت وأوضحها هم آل بيت الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) الذين أرادهم الله تعالى أن يكونوا المثابة التي ترجع الأمة إليها وتتمسك بها لتهتدي إلى أمر دينها وطريقتها المثلى ... وعلى امتداد القرون تعرض خط أهل البيت عليهم السلام إلى الكثير من محاولات التشويه الداخلي والخارجي... وكما قال رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم) حينما خاطب علياً (عليه السلام) (( يهلك فيك اثنان محب غال ومبغض قال)) فأشار (صلى الله عليه واله وسلم) إلى وجود هذين الخطرين خطر المحبين و خطر المبغضين والناصبين العداء له عليه السلام. هذان الخطران ابتدأ تأثيرهما منذ وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وإلى هذا اليوم وإذا نظرنا إلى التاريخ والى التغيرات والتقلبات التي حصلت فسوف نرصد بعض الأمور التي أثرت على مدرسة أهل البيت التي هي لب الإسلام وأثرت على عقائد الناس وتصوراتهم وحاولت صرف تلك الرسالة العظيمة عن مسارها لولا وجود المصلحين الذين بذلوا أنفسهم وأقلامهم لخدمة هذا الدين، إضافة إلى هذين الخطرين هناك أخطار أخرى، أهمها الأخطار السياسية التي حصلت عندما استولى بعض من حارب الإسلام إلى آخر لحظة على السلطة في مراحل متفاوتة ... ولكني هنا أريد أن أقف على خطر الغلو الذي هو من أهم الأمور التي تمزق العقيدة بل تمحق الدين وتقلب رسالته رأساً على عقب، ولهذا حذرنا الله تعالى عندما خاطب أهل الكتاب وخاطبنا من خلالهم { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ }.
• الغلو هو تجاوز الحد... وان نعتقد في إنسان أموراً جعلها الله لنفسه... وهو ليس مختصاً بمذهب معين كما يحلو للبعض أن يضلل، بل هو موجود عند جميع المذاهب إلا إن خطورته عندنا أكثر من غيرنا بسبب المكانة الرفيعة التي يتمتع بها أمير المؤمنين وأبناؤه الطاهرون... فإذا أردنا أن نذكر في أمير المؤمنين من الصفات الكثيرة فأن النفس تميل إلى تصديقها لما كان عليه أمير المؤمنين من درجة عظيمة في تثبيت أركان الدين الإسلامي وفي إنسانيته ومكانته...... وقد ازداد الغلو في هذه الأيام بسبب تدخل العامل السياسي لذا نرى الغلو يزداد يوماًُ بعد يوم وسنة بعد سنة... كما نلاحظه في هذه السنوات. يتحمل العلماء مسؤولية الغلو والأفعال التي هي ليست من العقيدة الإسلامية الصافية التي أمرنا بها أهل البيت عليهم السلام، مسؤولية العلماء كبيرة وهم الذين خاطبهم الله تعالى بقوله { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }. إن الغلو يرجع في حقيقته إلى النفس الإنسانية التي تنبهر بالرموز الكبرى الذين يكون لهم من الأثر شيءً واضح وقوي في الدنيا فتخرجه عن حده.... ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى الغلو هو الخلل النفسي الذي نجده عند كثير من أهل هذا الغلو ... ومن الأمور التي تدفع نحو الغلو هو العامل السياسي فإذا لاحظنا ما حصل من تطور وتغيّر كبيرين في حكم الدول التي حاولت أن تنهض باعتبارها مدافعة عن خط أهل البيت فإذا بها تنقلب إلى اكبر عدو لأهل البيت!!!. فدولة المشعشعين التي ظهرت في الأهواز من جهة، والدولة الصفوية والدولة البويهية كان لها الكثير من الأمر الخطير في تشويه معالم مدرسة أهل البيت والشريعة وضياع أحكامها وإخراج البدع المستحدثة التي ما زلنا نعاني منها إلى الآن... والتي أصبحت مصداقاً لقوله (صلى الله عليه واله وسلم) (( كيف بكم إذا أظلتكم فتن يشب عليها الصغير ويحرم عليها الكبير ويتخذها الناس سنة، فإذا غُير منها شيء قيل غُيرت السنة وقد أتى الناس شيئاً منكراً ولا يعلمون أنها بدعة وضلالة)) ... ومن أسباب الغلو أيضا الهروب من العبادات ومن التجرد في الدرس والبحث..... وكذلك الحروب والضغوطات التي تعرض لها أهل البيت (عليهم السلام) .
• إن للغلو أخطارا كثيرة منها: انه يؤدي إلى خلل في العقيدة ونحن نعلم أن المنظومة الإسلامية على ضخامتها ترتكز على العقيدة...فإذا وقع خلل في العقيدة فمعناه أن البناء تهدم كله ... ومن أخطاره انه يؤدي إلى تفريق الأمة... فكل جماعة لها عقائدها وطقوسها ومنهجيتها..... ومن أضراره أيضا انه ينشر الجهل بين أبناء الأمة.... فالجهل والغلو أمران متلازمان، فالأمة الجاهلة لا تفرق بين من ينفعها ويريد خيرها وبين من يضرها ويجرها إلى البوار، ومن آثاره الأخرى انه يؤدي إلى استغلال الجمهور، فتصبح الأمة عاجزة فكرياً عن مجابهة أي خطر يقع عليها فتنطلي عليها الأكاذيب وتحسب العدو صديقاً والصديق عدواً .... وللغلو صور وأشكال مختلفة منها أن الأئمة عليهم السلام يعلمون الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، كفانا القرآن مؤونة الرد ... بعض الأشخاص يقول لا يعلم الغيب استقلالاً هكذا يحاول أن يدخل على الآية من هذا المكان!!. أتى رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له يقولون انك تعلم عدد قطرات المطر وعدد النجوم وورق الشجر وعدد التراب فقال (عليه السلام) سبحان الله والله ما يعلم الغيب إلا الله.
• ومن صور الغلو الأخرى التي ظهرت في حياة الأئمة (عليهم السلام) إنكار موتهم (سلام الله عليهم) لان مَنْ يجرؤ على الله يجرؤ على الأئمة. قال الشيخ المفيد (رض) في الرد على هذه الشبهات (( لو رواه ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب الجهالات ))، وهكذا نرى أن أئمتنا (سلام الله عليهم) وعلماءنا الأعلام (رضوان الله عليهم) قد وقفوا موقفاً صلباً وحاربوا أهل الغلو والانحراف حرباً لا هوادة فيها ولولا خوف الإطالة لذكرنا مواقف أخرى كثيرة لكن ما أشرنا إليه كافٍ لما أردناه.

المكتب الإعلامي
لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير (قدس) في الكاظمية المقدسة
4 صفر 1430هـ الموافق 30 كانون الثاني 2009م