|
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام
مصباح الهدى وسفينة النجاة
بشارة مولد الإمام الحسين عليه السلام روي عن أم الفضل زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت عن مولد الإمام الحسين عليه السلام: رأيت في منامي قبل مولده كأن قطعةً من لحم رسول الله صلى الله عليه وآله قطعت فوضعت في حجري، فعبرت ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال «خيراً رأيت، إن صدقت رؤياك فإن فاطمة ستلد غلاماً فأدفعه إليك لترضعيه». قالت: فجرى الأمر على ذلك. فجئت به يوماً، فوضعته في حجره، فبال، فقطرت من بوله قطرةٌ على ثوب النبي صلى الله عليه وآله، فقرصته، فبكى، فقال النبي صلى الله عليه وآله: «مهلاً يا أم الفضل، فهذا ثوبي يغسل، وقد أوجعت ابني». كان مولد الحسين عليه السلام لخمس ليالٍ خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. وقيل: اليوم الثالث منه. وقيل: في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة. وروي غير ذلك. وعن أبي أيوب الأنصاري قال : دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والحسن والحسين يلعبان بين يديه وفي حِجْره ، فقلت :( يا رسول الله أتحبُّهُما ) قال :( وكيف لا أحبُّهُما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمُّهُما ؟!) وقال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- :( من أراد أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنة ، فلينظر الى الحسين بن عليّ) كما قالت زينب بنت أبي رافع : رأيت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أتت بابنيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في شكواه الذي توفي فيه فقالت :( يا رسول الله ! هذان ابناك فورّثْهُما ) فقال :( أما حسنٌ فإن له هيبتي وسؤددي ، وأما حسين فإن له جرأتي وجودي) يقول ابن عساكر : أنبأنا عفان ، أنبأنا وهيب ، أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم : عن سعيد بن أبي راشد ، عن يعلى العامري أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طعام دعوا إليه ، قال : فاستمثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - قال : عفان ، قال وهيب : فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أمام القوم وحسين مع غلمان يلعب فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذه ، قال : فطفق الصبي يفر ها هنا مرة وها هنا مرة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضاحكه حتى أخذه ، قال : فوضع احدى يديه تحت قفاه ، والاخرى تحت ذقنه فوضع فاه عليه فيه فقبله وقال : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الاسباط
خُلُق الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) ومن خلقه عليه السلام أنه مرَّ يوماً بمساكين يأكلون في الصّفّة ، فقالوا :( الغداء )، (أي يدعونه ليأكل معهم فنزل وقال :( إن الله لا يحب المتكبرين ) فتغدى ثم قال لهم :( قد أجبتكم فأجيبوني ) قالوا :( نعم ) فمضى بهم الى منزله فقال للرّباب: أخرجي ما كنت تدخرين وكان الحسين يشبه جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذات يوم دخل الحسين (عليه السلام) المسجد، فقال جابر ابن عبد الله -رضي الله عنه-: (من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله.
وكان الحسين (عليه السلام) عابدًا يكثر الصوم
والصلاة والحج والصدقة، وكان يحسن المعاملة مع مواليه وخدمه، فيروى أنه
دخلت عليه
جارية وبيدها باقة من الريحان فحيته بها، فقال لها الحسين: أنت حرَّة لوجه
الله تعالى-، فقيل له: جارية تحييك بطاقة (باقة) ريحان فتعتقها؟
كان الحسين (عليه السلام) يلقي دروسًا في مسجد رسول الله، وكان
الصحابة والتابعون يحرصون على حضور حلقته واستماع العلم منه، فإن كانت حلقة
فيها قوم كأن
على رءوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). شيء من جهاده عليه السلام وقد عُرف عنه (سلام الله عليه) شجاعته وجهاده العظيم في سبيل الله لنصْرة الدين، فاشترك في فتح شمال ، وساهم في فتح طبرستان، وجاهد وقاتل تحت إمرة الإمام علي عليه السلام في الجمل صفين والنهروان.
موت معاوية بن أبي سفيان وتوريث يزيد بن معاوية فلما مات معاوية بن أبي سفيان ـ وذلك في رجب سنة ستين من الهجرة ـ كتب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة وكان أميراً بالمدينة يأمره بأخذ البيعة له على أهلها وخاصةً على الحسين بن علي عليهما السلام، ويقول له: إن أبى عليك فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه. فأحضر الوليد مروان بن الحكم (وهو ابن الحكم بن العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) واستشاره في أمر الحسين عليه السلام. فقال: إنه لا يقبل، ولو كنت مكانك لضربت عنقه. فقال الوليد: ليتني لم أك شيئاً مذكوراً. ثم بعث إلى الحسين عليه السلام، فجاءه في ثلاثين رجلاً من أهل بيته ومواليه، فنعى الوليد إليه معاوية، وعرض عليه البيعة ليزيد. فقال: «أيها الأمير، إن البيعة لا تكون سراً، ولكن إذا دعوت الناس غداً فادعنا معهم». فقال مروان: لا تقبل أيها الأمير عذره، ومتى لم يبايع فاضرب عنقه. فغضب الحسين عليه السلام ثم قال: «ويلي عليك يابن الزرقاء، أنت تأمر بضرب عنقي، كذبت والله ولؤمت». ثم أقبل على الوليد فقال: «أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجلٌ فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ليس له هذه المنزلة، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة». ثم خرج عليه السلام، فقال مروان للوليد: عصيتني. فقال: ويحك يا مروان، إنك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب أن ملك الدنيا بأسرها لي وأنني قتلت حسيناً، والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذابٌ أليمً.
توجه الإمام الحسين الى مكة المكرمة ومراسلات أهل الكوفة فلما كان الغداة توجه الحسين عليه السلام إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين. فأقام بها باقي شعبان وشهر رمضان وشوال وذي القعدة. وجاءه عبدالله بن العباس رضي الله عنه وعبدالله بن الزبير، فأشارا عليه بالإمساك. فقال لهما: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمرني بأمرٍ، وأنا ماضٍ فيه». قال: فخرج ابن عباس وهو يقول: واحسيناه! ثم جاءه عبدالله بن عمر، فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال. فقال له: «يا أبا عبدالرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، أما علمت أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجل الله عليهم، بل امهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، إتق الله يا أبا عبدالرحمن ولا تدعن نصرتي».
وسمع أهل الكوفة بوصول الحسين عليه السلام إلى مكة وامتناعه من البيعة ليزيد، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلما تكاملوا قام فيهم خطيباً. وقال في آخر خطبته: إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك وصار إلى ربه وقدم على عمله، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد، وهذا الحسين بن علي عليهما السلام قد خالفه وصار إلى مكة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان، وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه. فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام، من سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وعبدالله بن وائل وسائر شيعته من المؤمنين. سلام الله عليك، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبل، الجبار العنيد الغشوم الظلموم الذي ابتز هذه الأمة أمرها، وغصبها فيأها، وتأمر عليها بغير رضىً منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها، فبعداً له كما بعدت ثمود. ثم أنه ليس علينا إمامٌ غيرك، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق، والنعمان ابن بشير في قصر الامارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا أنك قد أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يابن رسول الله وعلى أبيك من قبل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم سرحوا الكتاب، ولبثوا يومين آخرين وأنفذوا جماعة معهم نحو ماءة وخمسين صحيفة من الرجل والإثنين والثلاثة والأربعة، يسألونه القدوم عليهم. وهو مع ذلك يتأنى فلا يجيبهم. فورد عليه في يوم واحدٍ ستمائة كتاب، وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده منها في نوب متفرقة إثنى عشر ألف كتاب. ثم قدم عليه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي بهذا الكتاب، وهو آخر ما ورد عليه السلام من أهل الكوفة، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام. من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام. أما بعد، فان الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يابن رسول الله، فقد أخضر الجناب، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم علينا إذا شئت، فإنما تقدم على جندٍ مجندة لك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك. فقال الحسين عليه السلام لهاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي: «خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي ورد علي معكما؟». فقالا: يابن رسول الله شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد. فعندها قام الحسين عليه السلام، فصلى ركعتين بين الركن والمقام، وسأل الله الخيرة في ذلك.
الإمام الحسين يرسل مسلم بن عقيل الى الكوفة ثم دعا بمسلم بن عقيل وأطلعه على الحال، وكتب معه جواب كتبهم يعدهم بالوصول إليهم ويقول لهم ما معناه: «قد نفذت إليكم ابن عمي مسلم ابن عقيل ليعرفني ما أنتم عليه من الرأي ». فسار مسلم بالكتاب حتى دخل إلى الكوفة، فلما وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بإتيانه إليهم، ثم أنزلوه في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وصارت الناس تختلف إليه. فلما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً.
وكتب عبدالله بن مسلم الباهلي وعمارة بن الوليد وعمر بن سعد إلى يزيد يخبرونه بأمر مسلم بن عقيل ويشيرون عليه بصرف النعمان بن بشير وولاية غيره. فكتب يزيد إلى عبيدالله بن زياد ـ وكان والياً على البصرة ـ بأنه قد ولاه الكوفة وضمها إليه، ويعرفه أمر مسلم بن عقيل وأمر الحسين عليه السلام، ويشدد عليه في تحصيل مسلم وقتله، فتأهب عبيدالله للمسير إلى الكوفة. وكان الحسين عليه السلام قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتاباً مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته، منهم يزيد بن مسعود النهشلي والمنذر بن الجارود العبدي. فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلما حضروا قال: يا بني تميم كيف ترون موضعي منكم وحسبي فيكم؟ فقالوا: بخٍّ بخٍّ، أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً، وتقدمت فيه فرطاً. قال: فإني قد جمعتكم لأمرٍ أريد أن أشاوركم فيه وأستعين بكم عليه. فقالوا: والله إنما نمنحك النصيحة ونجهد لك الرأي، فقل نسمع. فقال: إن معاوية قد مات، فأهون به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وإنه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعةً عقد بها أمراً وظن أنه قد أحكمه، وهيهات والذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام ابنه يزيد ـ شارب الخمور ورأس الفجور ـ يدعي الخلافة على المسلمين ويتأمر عليهم بغير رضىً منهم، مع قصر حلمٍ وقلة علمٍ، لا يعرف من الحق موطئ قدمه، فأقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين. وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، له فضلٌ لا يوصف وعلمٌ لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر، لسابقته وسنه وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية وإمام قوم، وجبت لله به الحجة وبلغت به الموعظة. فلا تعشوا عن نور الحق ولا تسكعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر ابن قيس قد انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته، والله لا يقصر أحدٌ عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده والقلة في عشيرته. وها أنا قد لبست للحرب لامتها وأدرعت لها بدرعها، من لم يقتل يمت ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب.
فتكلمت بنو حنظلة، فقالوا: يا أبا خالد نحن نبل كنانتك وفارس عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرةً إلا خضناها، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا، فانهض لما شئت. وتكلمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: يا أبا خالد إن أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتك برأينا.
وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك، لا نرضى إن غضبت ولانقطن إن ضعنت، والأمر إليك، فادعنا نجبك ومرنا نطعك، والأمر إليك إذا شئت.
فقال: والله يا بني سعد لئن فعلتموها لا يرفع الله عنكم السيف أبداً، ولا يزال سيفكم فيكم. ثم كتب الى الحسين عليه السلام. بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وأن الله لم يخل الأرض من عاملٍ عليها بخير ودليل على سبيل النجاة، وأنتم حجة الله على خلقه ووديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر ن فقد ذللت لك أعناق بني تميم وتركتهم أشد تتابعأً لك من الإبل الظلماء يوم خمسها لورود الماء، وقد ذللت لك رقاب بني سعد وغسلت لك درن صدورها بماء سحابة مزن حتى استهل برقها فلمع. فلما قرأ الحسين عليه السلام الكتاب قال: «آمنك الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر». فلما تجهز يزيد بن مسعود للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير، فجزع من انقطاعه عنه. وأما المنذر بن الجارود، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيدالله بن زياد، لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيساً من عبيدالله بن زياد، وكانت بحرية بنت المنذر زوجة لعبيدالله، فأخذ عبيدالله الرسول فصلبه، ثم صعد المنبر فخطب وتوعد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الإرجاف.ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد، وأسرع هو إلى قصد الكوفة. عبيد الله بن زياد في الكوفة وقتال مع مسلم بن عقيل فلما قاربها نزل حتى أمسى، ثم دخلها ليلاً، فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام، فتباشروا بقدومه ودنوا منه، فلما عرفوا أنه ابن زياد تفرقوا عنه، فدخل قصر الامارة وبات ليلته إلى الغداة، ثم خرج وصعد المنبر وخطبهم وتوعدهم على معصية السلطان ووعدهم مع الطاعة بالإحسان . فلما سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه من الاشتهار، فخرج من دار المختار وقصد دار هاني بن عروة، فآواه وكثر اختلاف الناس إليه، وكان عبدالله بن زياد قد وضع المراصد عليه. أمسك عبيد الله بن زياد هانيء بن عروة بمكيدة مولاه معقل وطلب اليه تسليم مسلم بن عقيل فأبى ذلك وحبسه في دار الإمارة بعد أن هدده هانيء بعشيرته الكبيرة مذحج، إلا أن شراء عبيد الله بن زياد لعمرو بن الحجاج كان ثبط تصور هانيء الذي قال: والله إن علي في ذلك الخزي والعار، أنا أدفع جاري وضيفي ورسول ابن رسول الله إلى عدوه وأنا صحيح الساعدين وكثير الأعوان! والله لو لم أكن إلا رجلاً واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه
وجعل أصحاب عبيدالله الذين معه في القصر يحذرون أصحاب مسلم ويتوعدونهم بجنود الشام، فلم يزالوا كذلك حتى جاء الليل. فجعل أصحاب مسلم يتفرقون عنه، ويقول بعضهم لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة، وينبغي أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم. فلم يبق معه سوى عشرة أنفس، ودخل مسلم المسجد ليصلي المغرب، فتفرق العشرة عنه. فلما رأى ذلك خرج وحيداً في سكك الكوفة، حتى وقف على باب امرأة يقال لها طوعة، فطلب منها ماءً فسقته، ثم استجارها فأجارته، فعلم به ولدها، فوشى الخبر إلى عبيدالله بن زياد، فأحضر محمد بن الأشعث وضم إليه جماعة وأنفذه لإحضار مسلم. فلما بلغو دار المرأة وسمع مسلم وقع حوافر الخيل، لبس درعه وركب فرسه وجعل يحارب أصحاب عبيدالله. ولما قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه محمد بن الأشعث: يا مسلم لك الأمان. فقال له مسلم: وأي أمان للغدرة الفجرة، ثم أقبل يقاتلهم ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن حيث يقول: أقسمــت لا أقتل إلا حراً * وإن رأيت الموت شيئـاً نكرا أكــره أن أخدع أو أغرا * أو أخلط البارد سخنـاً مـرا كل امرىءٍ يوماً يالقي شرا * أضربكم ولا أخــاف ضرا فقالوا له: إنك لا تخدع ولا تغر، فلم يلتفت إلى ذلك، وتكاثروا عليه بعد أن أثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه، فخر إلى الأرض، فأخذ أسيراً. فلما أدخل على عبيدالله بن زياد لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: سلم على الأمير. فقال له: اسكت يا ويحك والله ما هو لي بأمير. فقال ابن زياد: لا عليك سلمت أم لم تسلم، فإنك مقتول. فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هو شرٌّ منك من هو خيرٌ مني، وبعد فإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة، لا أحد أولى بها منك. فقال له ابن زياد: يا عاق يا شاق، خرجت على إمامك وشققت عصى المسلمين، وألقحت الفتنة بينهم. فقال له مسلم: كذبت يابن زياد، إنما شق عصى المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأما الفتنة فإنما ألقحها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف، وأنا أرجوا أن يرزقني الله الشهادة على يدي أشر البرية. فقال ابن زياد: منتك نفسك أمراً، حال الله دونه ولم يرك له أهلاً وجعله لأهله. فقال مسلم: ومن أهله يابن مرجانة؟ فقال: أهله يزيد بن معاوية! فقال مسلم: الحمد الله، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم. فقال ابن زياد: أتظن أن لك من الأمر شيئاً. فقال مسلم: والله ما هو الظن، ولكنه اليقين فقال ابن زياد: أخبرني يا مسلم لم أتيت هذا البلد وأمرهم ملتئمٌ فشتت أمرهم بينهم وفرقت كلمتهم؟ فقال له مسلم: ما لهذا أتيت، ولكنكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف وتأمرتم على الناس بغير رضىً منهم وحملتموهم على غير ما أمركم به الله، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة، وكنا أهل ذلك كما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله. فجعل ابن زياد لعنه الله يشتمه ويشتم علياً والحسن والحسين عليهم السلام! فقال له مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتم، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله. فأمر ابن زياد بكير بن حمران أن يصعد به إلى أعلا القصر فيقتله، فصعد به ـ وهو يسبح الله تعالى ويستغفره ويصلي على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ـ فضرب عنقه، ونزل وهو مذعور. فقال له ابن زياد: ما شأنك؟ فقال: أيها الأمير رأيت ساعة قتله رجلاً أسوداً شنيء الوجه حذاي عاضاً على إصبعه ـ أو قال شفتيه ـ ففزعت فزعاً لم أفزعه قط. فقال ابن زياد: لعلك دهشت. ثم أمر بهاني بن عروة، فأخرج ليقتل، فجعل يقول: وامذحجاه وأين مني مذحج! واعشيرتاه وأين مني عشيرتي! وكتب عبيدالله بن زياد بخبر مسلم وهاني إلى يزيد بن معاوية. فأعاد عليه الجواب يشكره فيه على فعاله وسطوته، ويعرفه أن قد بلغه توجه الحسين عليه السلام إلى جهته، ويأمره عند ذلك بالمؤاخذة والإنتقام والحبس على الظنون والأوهام.
رحلة الحسين عليه السلام من المدينة الى الكوفة
وكان قد توجه الحسين عليه السلام من مكة يوم الثلاثاء لثلاث مضين من ذي الحجة، وقيل: لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين من الهجرة، قبل أن يعلم بقتل مسلم، لأنه عليه السلام خرج من مكة في اليوم الذي قتل فيه مسلم رضوان الله عليه. ولما عزم الحسين بن علي عليهما السلام على الخروج إلى العراق قام خطيباً، فقال: «الحمد لله ما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى اشتياق أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها ذئاب الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا وأجربةً سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقر بهم عينه وينجز بهم وعده، من كان باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله».
ورويت بالإسناد عن محمد بن داود القمي، بالاسناد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: جاء محمد بن الحنفية إلى الحسين عليه السلام في الليلة التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة. فقال له: يا أخي، إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعز من بالحرم وأمنعه. فقال: «يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت». فقال له ابن الحنفية: فان خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد. فقال: «أنظر فيما قلت». فلما كان السحر ارتحل الحسين عليه السلام، فبلغ ذلك ابن الحنفية، فأتاه، فأخذ زمام ناقته وقد ركبها فقال: ياأخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ فقال: «بلى». قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فقال: «أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعدما فارقتك، فقال: يا حسين، أخرج، فإن الله قد شاء أن يراك قتيلاً». فقال محمد بن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟ قال: فقال له: «قد قال لي: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا»، وسلم عليه ومضى.
محطاتالحسين عليه السلام في الطريق الى الكوفة
ثم سار الحسين عليه السلام حتى مر بالتنعيم، فلقي هناك عيراً تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية فأخذ عليه السلام الهدية، لأن حكم أمور المسلمين إليه. ثم قال لأصحاب الجمال: «من أحب أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا أعطيناه كراه بقدر ما قطع من الطريق». فمضى معه قوم وامتنع آخرون. ثم سار عليه السلام حتى بلغ ذات عرق، فلقى بشر بن غالب وارداً من العراق، فسأله عن أهلها. فقال: خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية. فقال عليه السلام: «صدق أخو بني أسد، إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد».
ثم سار عليه السلام حتى أتى الثعلبية وقت الظهيرة، فوضع رأسه، فرقد ثم استيقظ، فقال: «قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسيرون والمنايا تسير بكم إلى الجنة». فقال له ابنه علي: يا أبه أفلسنا على الحق؟ فقال: «بلى يا بني والذي اليه مرجع العباد». فقال له: يا أبة إذن لا نبالي بالموت. فقال له الحسين عليه السلام: «فجزاك الله يابني خير ما جزا ولداً عن والده». ثم بات عليه السلام في الموضع، فلما أصبح، فإذا هو برجلٍ من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي، فلما أتاه سلم عليه. ثم قال: يابن رسول الله ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدك رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال الحسين عليه السلام: «ويحك يا أبا هرة، إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن الله عليهم من يذلهم، حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم حتى أذلتهم». ثم سار عليه السلام، وحدث جماعة من بني فزارة وبجيلة قالوا: كنا مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكة، فكنا نساير الحسين عليه السلام، وما شيء أكره إلينا من مسايرته، لأن معه نسوانه، فكان إذا أراد النزول اعتزلناه، فنزلنا ناحية. فلما كان في بعض الأيام نزل في مكان، فلم نجد بداً من أن ننازله فيه، فبينما نحن نتغدى بطعام لنا إذا أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم علينا. ثم قال: يا زهير بن القين إن أبا عبدالله عليه السلام بعثني إليك لتأتيه، فطرح كل إنسان منا ما في يده حتى كأنما على رؤوسنا الطير. فقالت له زوجته وهي ديلم بنت عمرو: سبحان الله، أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه، فلو أتيته فسمعت من كلامه. فمضى إليه زهير، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه فقوض وبثقله ومتاعه فحول إلى الحسين عليه السلام. وقال لامرأته: أنت طالق، فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير، وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي وأقيه بنفسي، ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها. فقامت إليه وودعته وبكت، وقالت: خار الله لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام. ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يصحبني، وإلا فهو آخر العهد مني به. ثم سار الحسين عليه السلام حتى بلغ زبالة، فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل، فعرف بذلك جماعة ممن تبعه، فتفرق عنه أهل الأطماع والإرتياب، وبقي معه أهله وخيار الأصحاب. وارتج الموضع بالبكاء والعويل لقتل مسلم بن عقيل، وسالت الدموع عليه كل مسيل. ثم أن الحسين عليه السلام سار قاصداً لما دعاه الله إليه، فلقيه الفرزدق، فسلم عليه وقال: يابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته؟ قال: فاستعبر الحسين عليه السلام باكياً، ثم قال: «رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيته ورضوانه، أما أنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا»، ثم أنشأ يقول:
«فــإن تكــن الدنيا تعد نفيسة * فــإن ثواب الله أعـلا وأنبـــل وإن تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل»
وكتب الحسين عليه السلام كتاباً إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وجماعة من الشيعة بالكوفة، وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي. فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيدالله بن زياد ليفتشه، فأخرج الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد. فلما مثل بين يديه قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه عليهما السلام. قال: فلماذا مزقت الكتاب؟ قال: لئلا تعلم ما فيه. قال: ممن الكتاب وإلى من؟ قال من الحسين بن علي عليهما السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم. فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتلعن الحسين وأباه وأخاه، وإلا قطعتك إرباً إرباً. فقال قيس: أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأما لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل. فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله، وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات الله عليهم، ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه، ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم. ثم قال: أيها الناس، أنا رسول الحسين بن علي عليهما السلام إليكم، وقد خلفته بموضع كذا وكذا، فأجيبوه. فأخبر ابن زياد بذلك، فأمر بإلقائه من أعلا القصر، فألقي من هناك، فمات رحمة الله. فبلغ الحسين عليه السلام موته، فاستعبر باكياً ثم قال: «اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك إنك على كل شيءٍ قدير». وروي أن هذا الكتاب كتبه الحسين عليه السلام من الحاجز، وقيل: غير ذلك.
بين الحسين عليه السلام والحر بن يزيد الرياحي
وسار الحسين عليه السلام حتى صار على مرحلتين من الكوفة، فاذا بالحر بن يزيد في ألف فارس. فقال له الحسين عليه السلام: «ألنا أم علينا؟» فقال: بل عليك يا أبا عبدالله. فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ثم تراد القول بينهما، حتى قال له الحسين عليه السلام: «فإذا كنتم على خلاف ما أتتني به كتبكم وقدمت به علي رسلكم، فإني أرجع إلى الموضع الذي أتيت منه». فمنعه الحر وأصحابه من ذلك، وقال: لا، بل خذ يا بن رسول الله طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يوصلك إلى المدينة لأعتذر إلى ابن زياد بأنك خالفتني الطريق. فتياسر الحسين عليه السلام، حتى وصل إلى عذيب الهجانات. قال: فورد كتاب عبيدالله بن زياد إلى الحر يلومه في أمر الحسين عليه السلام، ويأمره بالتضييق عليه. فعرض له الحر وأصحابه ومنعوه من المسير. فقال له الحسين عليه السلام: «ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق؟» فقال الحر: بلى، ولكن كتاب الأمير عبيدالله بن زياد قد وصل يأمرني فيه بالتضييق عليك، وقد جعل علي عيناً يطالبني بذلك.
الحسين عليه السلام يعض أصحابه وينعى نفسه الزكية
فقام الحسين عليه السلام خطيباً في أصحابه، فحمدالله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه، ثم قال: «إنه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تنكرت وتغيرت وأدبر معروفها واستمرت جذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الضالمين إلا برما». فقام زهير بن القين، فقال: لقد سمعنا هدانا الله بك يابن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين لآثر النهوض معك على الاقامة فيها. ووثب هلال بن نافع البجلي، فقال: والله ما كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك ونعادي من عاداك. وقام برير بن حصين، فقال: والله يابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
الحسين عليه السلام يصل كربلاء
ثم أن الحسين عليه السلام قام وركب، وصار كلما أراد المسير يمنعونه تارةً ويسايرونه أخرى، حتى بلغ كربلاء، وكان ذلك في اليوم الثاني من المحرم. فلما وصلها قال: «ما اسم هذه الأرض؟» فقيل: كربلا. فقال: «انزلوا، هاهنا والله محط ركابنا وسفك دمائنا، هاهنا والله مخط قبورنا، وهاهنا والله سبي حريمنا، بهذا حدثني جدي». فنزلوا جميعاً، ونزل الحر وأصحابه ناحية، وجلس الحسين عليه السلام يصلح سيفه ويقول:
«يا دهر أفٍّ لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيــل
فسمعت زينب ابنت فاطمة عليهما السلام ذلك، فقالت: يا أخي هذا كلام من قد أيقن بالقتل. فقال: «نعم يا أختاه». فقالت زينب: واثكلاه، ينعى إلي الحسين نفسه. فعزاها الحسين عليه السلام وقال لها: «يا أختاه تعزي بعزاء الله، فإن سكان السموات يموتون، وأهل الأرض لا يبقون، وجميع البرية يهلكون». ثم قال: «يا أختاه يا أم كلثوم، وأنت يا زينب، وأنت يا رقية، وأنت يا فاطمة، وأنت يا رباب، أنظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن علي جيباً ولا تخمشن علي وجهاً ولا تقلن علي هجراً».
عبيد الله بن زياد يجمع جيشه لقتال الحسين عليه السلام
وندب عبيدالله بن زياد أصحابه إلى قتال الحسين عليه السلام، فاتبعوه، واستخف قومه فأطاعوه، واشترى من عمر بن سعد آخرته بدنياه ودعاه إلى ولاية الحرب فلباه، وخرج لقتال الحسين عليه السلام في أربعة آلاف فارس، وأتبعه ابن زياد بالعساكر، حتى تكاملت عنده إلى ست ليال خلون من المحرم عشرون ألفاً، فضيق على الحسين عليه السلام حتى نال منه العطش ومن أصحابه. فقام عليه السلام واتكى على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته، فقال: «أنشدكم الله هل تعرفونني؟» قالوا: اللهم نعم، أنت ابن رسول الله وسبطه. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن أمي فاطمة ابنت محمد؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلاماً؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن حمزة سيد الشهداء عم أبي؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عمي؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله صلى الله عليه وآله أنا متقلده؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله أنا لا بسها؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن علياً عليه السلام كان أول الناس إسلاماً وأجزلهم علماً وأعظمهم حلماً وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟» قالوا: اللهم نعم. قال: «فبم تستحلون دمي وأبي صلوات الله عليه الذائد عن الحوض غداً، يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر على الماء، ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة؟!!» قالوا: قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً!!!
وورد كتاب عبيدالله على عمر بن سعد يحثه على القتال وتعجيل النزال، ويحذره من التأخير والإمهال، فركبوا نحو الحسين عليه السلام. وأقبل شمر بن ذي الجوشن لعنه الله فنادى: أين بنو أختي عبدالله وجعفر والعباس وعثمان؟ فقال الحسين عليه السلام: «أجيبوه وإن كان فاسقاً، فإنه بعض أخوالكم». فقالوا له: ما شأنك؟ فقال: يا بني أختي أنتم آمنون، فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين، وألزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية. فناداه العباس بن علي: تبت يداك ولعن ماجئت به من أمانك يا عدو الله، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء أولاد اللعناء. فرجع الشمر إلى عسكره مغضباً. ولما رأى الحسين عليه السلام حرص القوم على تعجيل القتال وقلة انتفاعهم بالوعظ والمقال قال لأخيه العباس: «إن استطعت أن تصرفهم عنا في هذا اليوم فافعل، لعلنا نصلي لربنا في هذه الليلة، فانه يعلم أني أحب الصلاة له وتلاوة كتابه». فسألهم العباس ذلك، فتوقف عمر بن سعد، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: والله لو أنهم من الترك والديلم وسألوا ذلك لأجبناهم، فكيف وهم آل محمد، فأجابوهم إلى ذلك. وجلس الحسين عليه السلام فرقد، ثم استيقظ وقال: «يا أختاه إني رأيت الساعة جدي محمداً صلى الله عليه وآله وأبي علياً وأمي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون: يا حسين إنك رائحٌ إلينا عن قريب».
ليلة التمحيص مع الحسين عليه السلام
ثم جاء الليل، فجمع الحسين عليه السلام أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أقبل عليهم وقال: «أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً خيراً منكم، ولا أهل بيتٍ أفضل وأبر من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري». فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء عبدالله بن جعفر: ولم نفعل ذلك، لنبقي بعدك! لا أرنا الله ذلك أبداً، وبدأهم بهذا القول العباس بن علي، ثم تابعوه. ثم نظر إلى بني عقيل وقال: «حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، إذهبوا فقد أذنت لكم».
وروي كذلك: فعندها تكلم إخوته وجميع أهل بيته وقالوا: يابن رسول الله فماذا يقول الناس لنا وماذا نقول لهم، إذ تركنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وإمامنا وابن بنت نبينا، لم نرم معه بسهم ولم نطعن معه برمح ولم نضرب معه بسيف، لا والله يابن رسول الله لا نفارقك أبداً، ولكنا نقيك بأنفسنا حتى نقتل بين يديك ونرد موردك، فقبح الله العيش بعدك.
ثم قام مسلم بن عوسجة وقال: نحن نخليك هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذ العدو، لا والله لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي، ولو لم يكن لي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولم أفارقك أو أموت دونك. وقام سعيد بن عبدالله الحنفي فقال: لا والله يابن رسول الله لا نخليك أبداً حتى يعلم الله أنا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمد صلى الله عليه وآله، ولو علمت أني أقتل فيك ثم أحيى ثم أحرق حياً ثم أذرى ـ يفعل بي ذلك سبعين مرة ـ ما فارقتك حتى ألقى حمامي من دونك، فكيف وإنما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟!
ثم قام زهير بن القين وقال: والله يابن رسول الله لوددت أني قتلت ثم نشرت ألف مرة وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن هؤلاء الفتية من إخوتك وولدك وأهل بيتك. وتكلم جماعة من أصحابه بمثل ذلك وقالوا: أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربنا وقضينا ما علينا.
وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد أسر إبنك بثغر الري. فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحب أن يوسر وأن أبقى بعده. فسمع الحسين عليه السلام قوله فقال: «رحمك الله، أنت في حل من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك». فقال: أكلتني السباع حياً إن فارقتك. فأعط إبنك هذه البرود يستعين بها في فكاك أخيه. فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار. وبات الحسين عليه السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً.
وركب أصحاب عمر بن سعد، فبعث الحسين عليه السلام برير بن حصين فوعظهم فلم يسمعوا وذكرهم فلم ينتفعوا. فركب الحسين عليه السلام ناقته ـ وقيل: فرسه ـ فاستنصتهم فأنصتوا، فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله، وصلى على محمد صلى الله عليه وآله وعلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأبلغ في المقال، ثم قال: «تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علنا سيفاً لنا في ايمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتد حناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم أولياء لأعدائكم على أوليائكم بغير عدلٍ أفشوه فيكم ولا أملٍ أصبح لكم فيهم. فهلا ـ لكم الويلات ـ تركتمونا والسيف مشيمٌ والجأش ضامرٌ والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطير الدبا، وتداعيتم إليها كتهافت الفراش. فسحقاً لكم يا عبيد الأمة، وشرار الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرفي الكلم، وعصبة الآثام، ونفثة الشيطان، ومطفئ السنن. أهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون؟! أجل والله غدرٌ فيكم قديم وشحت عليه أصولكم، وتأزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث شجاً للناظر وأكلة للغاصب. ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة، والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية: من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر». ثم أوصل كلامه عليه السلام بأبيات فروة بن مسيك المرادي:
«فـإن نهزم فهزامن قدما * وإن نغلب فغيــر مغلبينا
ثم قال: «أما والله لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى يدور بكم دور الرحى ويقلق بكم قلق المحور عهدٌ عهده إلي أبي عن جدي، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضو إلي ولا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم. اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسنين يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسومهم كأساً مصبرةٌ، فإنهم كذبونا وخذلونا، وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير».
ثم نزل عليه السلام ودعا بفرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز، فركبه وعبى أصحابه للقتال. وروي عن الباقر عليه السلام: «أنهم كانوا خمسة وأربعين فارساً وماءة راجل». وروي غير ذلك. فتقدم عمر بن سعد ورمى نحو عسكر الحسين عليه السلام بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير: أني أول من رمى، وأقبلت السهام من القوم كأنها القطر.
الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه وقتال الأبطال
فقال عليه السلام لأصحابه: «قوموا رحمكم الله إلى الموت، إلى الموت الذي لابد منه، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم ».
قاتل أصحاب الحسين عليهم السلام ساعة رجل بعد رجل وبطل بعد بطل وحملةً بعد حملةَ، حتى قتل من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة. فقال الامام الحسين عليه السلام وهو يرى هذا المشهد: «اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم. أما والله لا اجيبنهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضب بدمي». نادى الحسين عليه السلام: «أما من مغيثٍ يغيثنا لوجه الله، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله». فإذا الحر بن يزيد الرياحي قد أقبل على عمر بن سعد، فقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ فقال: إي والله قتالاً أيسره أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدي. فمضى الحر ووقف موقفاً من أصحابه وأخذه مثل الإفكل. فقال له المهاجر بن أوس: والله إن أمرك لمريب، ولو قيل: من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟ فقال: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وأحرقت. ثم ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين عليه السلام ويده على رأسه وهو يقول: اللهم إني تبت إليك فتب علي، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيك. وقال للحسين: جعلت فداك أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع وجعجع بك، والله ما ظننت أن القوم يبلغون بك ما أرى، وأنا تائب إلى الله، فهل ترى لي من توبة؟ فقال الحسين عليه السلام: «نعم يتوب الله عليك فانزل». فقال: أنا لك فارساً خيرٌ مني راجلاً، وإلى النزول يؤول آخر أمري. ثم قال: فإذا كنت أول من خرج عليك، فأذن لي أن أكون أول قتيل بين يديك، لعلي أكون ممن يصافح جدك محمداً غداً في القيامة. وأراد رضوان الله عليه أنه سيكون أول قتيل من الساعة لأن جماعة قتلوا قبله كما ورد. فأذن له الحسين عليه السلام، فجعل يقاتل أحسن قتال حتى قتل جماعة من شجعان القوم، ثم استشهد، فحمل إلى الحسين عليه السلام، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: «أنت الحر كما سمتك أمك، حر في الدنيا وحر الآخرة». وخرج برير بن خضير، وكان زاهداً عابداً، فخرج إليه يزيد بن معقل واتفقا على المباهلة إلى الله: في أن يقتل المحق منهما المبطل، فتلاقيا، فقتله برير، ولم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه
وخرج وهب بن حباب الكلبي، فأحسن في الجلاد وبالغ في الجهاد، وكان معه زوجته ووالدته، ولم يزل يقاتل حتى قطعت يداه، فأخذت امرأته عموداً، فأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل ليردها إلى النساء، فأخذت بثوبه، وقالت: لن أعود دون أن أموت معك. فقال الحسين عليه السلام: «جزيتم من أهل بيتٍ خيراً، ارجعي إلى النساء يرحمك الله»، فانصرفت إليهن. ولم يزل الكلبي يقاتل حتى قتل، رضوان الله عليه. ثم خرج مسلم بن عوسجة، فبالغ في قتال الأعداء، وصبر على أهوال البلاء، حتى سقط إلى الأرض وبه رمق، فمشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر. فقال له الحسين عليه السلام: «رحمك الله يا مسلم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلو تبديلاً». ودنا منه حبيب، فقال: عز والله علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة. فقال له بصوت ضعيف: بشرك الله بخيرٍ. ثم قال له حبيب: لولا أنني أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك. فقال له مسلم: فإني أوصيك بهذا ـ وأشار بيده إلى الحسين عليه السلام ـ فقاتل دونه حتى تموت. فقال له حبيب: لأنعمنك عيناً.ثم مات رضوان الله عليه. فخرج عمرو بن قرظة الأنصاري، فاستأذن الحسين عليه السلام، فأذن له، فقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً من حزب ابن زياد، وجمع بين سداد وجهاد، وكان لا يأتي إلى الحسين عليه السلام سهمٌ إلا اتقاه بيده ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين عليه السلام سوء، حتى أثخن بالجراح. فالتفت إلى الحسين عليه السلام وقال: يابن رسول الله أوفيت؟ قال الحسين عليه السلام: «نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله عني السلام وأعلمه أني في الأثر». فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. ثم برز جون مولى أبي ذر، فقال له الحسين عليه السلام: «أنت في إذنٍ مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا». فقال مما قال: يا بن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم، ثم قاتل حتى قتل، رضوان الله عليه. ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي، فقال للحسين: يا أبا عبدالله، جعلت فداك قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف فأراك وحيداً فريداً بين أهلك قتيلاً. فقال له الحسين عليه السلام: «تقدم فإنا لا حقون بك عن ساعة». فتقدم فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. وجاء حنظلة بن سعد الشبامي، فوقف بين يدي الحسين عليه السلام يقيه السهام والسيوف والرماح بوجهه ونحره. وأخذ ينادي: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم التناد، يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم، يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذابٍ وقد خاب من افترى. ثم التفت إلى الحسين عليه السلام وقال: أفلا نروح إلى ربنا ونلحق بأصحابنا؟ فقال له: «بل رح إلى ما هو خيرٌ لك من الدنيا وما فيها وإلى ملكٍ لا يبلى». فتقدم فقاتل حتى قتل، رضوان الله عليه. وحضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين عليه السلام زهير بن القين وسعيد بن عبدالله الحنفي أن يتقدما أمامه بنصف من تخلف معه، ثم صلى بهم صلاة الخوف. فوصل إلى الحسين عليه السلام سهمٌ، فتقدم سعيد بن عبدالله الحنفي، ووقف يقيه بنفسه ما زال، ولا تخطى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عادٍ وثمود، اللهم أبلغ نبيك عني السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك، ثم قضى نحبه رضوان الله عليه، فوجد به ثلاثة عشر سهمأً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح. وتقدم سويد بن عمر بن أبي المطاع، وكان شريفاً كثير الصلاة، فقاتل حتى سقط بين القتلى وقد أثخن بالجراح، ولم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين، فتحامل وأخرج من خفه سكيناً، وجعل يقاتلهم بها حتى قتل، رضوان الله عليه. قتال علي بن الحسين عليهما السلام وأهل بيته وحين استشهد كل أصحاب الحسين عيه السلام لم يبق معه إلا أهل بيته، خرج علي بن الحسين عليه السلام ـ وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً ـ فاستأذن أباه في القتال، فأذن له. ثم نظر إليه نظرة آيسٍ منه، وأرخى عليه السلام عينيه وبكى. ثم قال: «اللهم اشهد، فقد برز إليهم غلامٌ أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك صلى الله عليه وآله، وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه». فصاح الحسين عليه السلام وقال: «يابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي». فتقدم عليه السلام نحو القوم، فقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً ثم رجع إلى أبيه وقال: يا أبه، العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل؟ فبكى الحسين عليه السلام وقال: «واغوثاه يا بني، من أين آتي بالماء قاتل قليلاً، فما أسرع ما تلقى جدك محمداً عليه السلام، فيسقيك بكأسه الأوفى شربةً لا تظلمأ بعدها». فرجع عليه السلام إلى موقف النزال، وقاتل أعظم القتال، فرماه منقذ بن مرة العبدي بسهمٍ فصرعه، فنادى: يا أبتاه عليك مني السلام، هذا جدي يقرؤك السلام ويقول لك: عجل القدوم علينا، ثم شهق شهقة فمات. فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه، ووضع خده على خده وقال: «قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله، على الدنيا بعدك العفاء». ثم جعل أهل بيته يخرج منهم الرجل بعد الرجل، حتى قتل القوم منهم جماعة، فصاح الحسين عليه السلام في تلك الحال: صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي صبراً، فوالله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً. وخرج غلام كأن وجهه شقة قمر ( وروي أنه القاسم بن الحسن عليهما السلام)، فجعل يقاتل، فضربه ابن فضيل الأزدي على رأسه، ففلقه، فوقع الغلام لوجهه وصاح: يا عماه. فجلى الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر، وشد شدة ليثٍ أغضب، فضرب ابن فضيل بالسيف، فاتقاها بساعده فأطنها من لدن المرفق، فصاح صيحة سمعه أهل العسكر، فحمل أهل الكوفة ليستنقذوه، فوطأته الخيل حتى هلك. وانجلت الغبرة، فرأيت الحسين عليه السلام قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله، والحسين عليه اللسلام يقول: «بعداً لقومٍ قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك». ثم قال: «عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك صوته، هذا يوم والله كثر واتره وقل ناصره». ثم حمل الغلام على صدره حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
قتال الإمام الحسين وأخيه العباس بن علي عليهما السلام ولما رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبته، عزم على لقاء القوم بمهجته، ونادى: «هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟ هل من موحدٍ يخاف الله فينا؟ هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا؟ هل من معينٍ يرجو ما عند الله في إعانتنا؟». وقال لزينب: «ناوليني ولدي الصغير حتى أودعه»، فأخذه وأومأ إليه ليقبله، فرماه حرملة بن الكاهل بسهم، فوقع في نحره فذبحه، فقال لزينب: «خذيه». ثم تلقى الدم بكفيه حتى امتلأتا، ورمى بالدم نحو السماء وقال: «هون علي ما نزل بي، إنه بعين الله». واشتد العطش بالحسين عليه السلام، فركب المسناة يريد الفرات، والعباس أخوه بين يديه، فاعترضتهما خيل ابن سعد، فرمى رجل من بني دارم الحسين عليه السلام بسهمٍ فأثبته في حنكه الشريف، فانتزع صلوات الله عليه السهم وبسط يده تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم، ثم رمى به وقال: «اللهم إني أشكوه إليك ما يفعل بابن بنت نبيك». ثم اقتطعوا العباس عنه، وأحاطوا به من كل جانب ومكان، حتى قتلوه سلام الله عليه، فبكى الحسين عليه السلام بكاءً شديداً ثم أن الحسين عليه السلام دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كل من برز اليه، حتى قتل مقتلة عظيمة، وهو في ذلك يقول: «القتل أولى من ركوب العار * والعار أولى من دخول النار» قال بعض الرواة: والله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه، وإن الرجال كانت لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم، وقد تكملوا ثلاثين ألفاً، فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». ولم يزل عليه السلام يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله. فصاح بهم: «ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون». فناداه شمر: ما تقول يابن فاطمة؟ قال: «أقول: أنا الذي أقتاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا أعتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً». فقال شمر: لك ذلك يا بن فاطمة. وقصدوه بالحرب، فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه، وهو مع ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد، حتى أصابه اثنتان وسبعون جراحة. فوقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف اذ أتاه حجر، فوقع على جبهته، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته، فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب، فوقع على قلبه، فقال عليه السلام: «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله». ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: «اللهم إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره». ثم أخذ السهم، فأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كأنه ميزاب، فضعف عن القتال ووقف، فكلما أتاه رجل انصرف عنه، كراهية أن يلقى الله بدمه. حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر لعنه الله، فشتم الحسين وضربه على رأسه الشريف بالسيف، فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه وامتلأ البرنس دماً. فاستدعى الحسين عليه السلام بخرقة، فشد بها رأسه، واستدعى بقلنسوة فلبسها واعتم عليها. فلبثوا هنيئة، ثم عادوا إليه وأحاطوا به، فخرج عبد الله بن الحسن بن علي ـ وهوغلام لم يراهق ـ من عند النساء، فشهد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام، فلحقته زينب ابنت علي لتحبسه، فأبى وامتنع امتناعاً شديداً وقال: والله لا أفارق عمي. فأهوى بحر بن كعب ـ وقيل: حرملة بن الكاهل ـ إلى الحسين بالسيف. فقال له الغلام: ويلك يا بن الخبيثة أتتقل عمي. فضربه بالسيف، فاتقاها الغلام بيده، فاطنها إلى الجلد، فإذا هي معلقة. فنادى الغلام: يا عماه. فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إليه وقال: «يا بن أخي، إصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين». فرمه حرملة بن الكاهل لعنه الله بسهم، فذبحه وهو في حجر عمه الحسين عليه السلام. ثم أن شمربن ذي الجوشن لعنه الله حمل على فسطاط الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح، ثم قال: علي بالنار أحرقه على من فيه. فقال له الحسين عليه السلام: «يابن ذي الجوشن، أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي، أحرقك الله بالنار». وجاء شبث فوبخه، فاستحى وانصرف. وقال الحسين عليه السلام: «إيتوني بثوب لا يرغب فيه أجعله تحت ثيابي، لئلا أجرد منه». فأتي بتبان، فقال: «لا، ذاك لباس من ضربت عليه الذلة». فأخذ ثوبا خلقاً، فخرقه وجعله تحت ثيابه، فلما قتل جردوه منه عليه السلام. ثم استدعى عليه السلام بسراويل من حبرة، ففرزها ولبسها، وإنما فرزها لئلا يسلبها، فلما قتل سلبها بحر بن كعب لعنه الله وترك الحسين عليه السلام مجرداً، (فكانت يدا بحر بعد ذلك تيبسان في الصيف كأنهما عودان يابسان وتترطبان في الشتاء فتنضحان قيحاً ودماً، إلى أن أهلكه الله تعالى).
شهادة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام
ولما أثخن الحسين عليه السلام بالجراح، وبقي كالقنفذ، طعنه صالح بن وهب المزني لعنه الله على خاصرته طعنة، فسقط الحسين عليه السلام عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن، ثم قام صلوات الله عليه. وخرجت زينب من باب االفسطاط وهي تنادي: وا أخاه، وا سيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء انطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل. وصاح شمر باصحابه: ما تنتظرون بالرجل. فحملوا عليه من كل جانب. فضربه زرعة بن شريك لعنه الله على كتفه اليسرى، فضرب الحسين عليه السلام زرعة فصرعه. وضربه آخر على عاتقه بالسيف ضربة كبا عليه السلام بها على وجهه، وكان قد أعيى، فجعل عليه السلام ينوء ويكبو. فطعنه سنان بن أنس النخعي لعنه الله في ترقوته، ثم انتزع الرمح فطعنه في بواني صدره. ثم رماه سنان أيضاً بسهم، فوقع السهم في نحره، فسقط عليه السلام، وجلس قاعداً، فنزع السهم من نحره، وقرن كفيه جميعاً، وكلما امتلأتا من دمائه خضب بها رأسه ولحيته وهو يقول: «هكذا ألقى الله مخضباً بدمي مغصوباً على حقي». فقال عمر بن سعد لعنه الله لرجل عن يمينه: إنزل ويحك إلى الحسين فأرحه. فبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه، فأرعد. فنزل إليه سنان بن أنس النخعي لعنه الله فضربه بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول: والله إني لأحتز رأسك وأعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أباً وأماً!!! ثم احتز رأسه الشريف صلواة الله وسلامه عليه. (وروي: أن سناناً هذا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة، ثم قطع يديه ورجليه، وأغلى له قدراً فيها زيت، ورماه فيها وهو يضطرب). وارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لا يرى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم أن العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة، ثم انجلت عنهم. وروى هلال بن نافع قال: إني لواقف مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ صارخ: أبشر أيها الأمير، فهذا شمر قد قتل الحسين عليه السلام. قال: فخرجت بين الصفين، فوقفت عليه، فإنه ليوجد بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاً مضمخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيأته عن الفكر في قتله. فاستسقى في تلك الحال ماءً، فسمعت رجلاً يقول له: والله لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها!!! فقال له الحسين عليه السلام: «لا، بل أرد على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشرب من ماء غير آسن، وأشكو إليه ما ارتكبتم مني وفعلتم بي». قال: فغضبوا بأجمعهم، حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً، فاحتزوا رأسه وإنه ليكلمهم، فعجبت من قلة رحمتهم وقلت: والله لا أجامعكم على أمر أبداً. قال: ثم أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام، فأخذ قميصه إسحاق بن حوبة الحضرمي لعنه الله، فلبسه فصار أبرص وامتعط شعره. وروي: أنه وجد في قميصه عليه السلام ماءة وبضع عشرة ما بين رمية وضربه وطعنه. قال الصادق عليه السلام: «وجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة». وأخذ سراويله بحر بن كعب التيمي لعنه الله، (وروي: أنه صار زمناً مقعداً من رجليه). وأخذ عمامته اخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي لعنه الله، وقيل: جابر ابن يزيد الأودي لعنه الله، فاعتم بها فصار معتوهاً. وأخذ نعليه الأسود بن خالد. وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي لعنه الله، فقطع إصبعه عليه السلام مع الخاتم، (وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط في دمه حتى هلك). وأخذ قطيفة له عليه السلام كانت من خز قيس بن الأشعث لعنه الله. أخذ درعه البتراء عمر بن سعد لعنه الله، فلما قتل عمر بن سعد وهبها المختار لأبي عمرة قاتله. وأخذ سيفه جميع بن الخلق الاودي، وقيل: رجل من بني تميم يقال له الأسود بن حنظلة لعنه الله. وفي رواية ابن سعد أنه أخذ سيفه الفلافس النهشلي، وزاد محمد بن زكريا: أنه وقع بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بديل. وهذا السيف المنهوب ليس بذي الفقار: فإن ذلك كان مذخوراً ومصونا مع أمثاله من ذخائر النبوة والإمامة، وقد نقل الرواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه. وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين عليه السلام. فقال لها رجل: يا أمة الله إن سيدك قتل. قالت الجارية: فاسرعت الى سيداتي وأنا اصيح، فقمن في وجهي وصحن. وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول وقرة عين الزهراء البتول، حتى جعلوا ينتزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وخرج بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وحريمه يتساعدن على البكاء ويندبن لفراق الحماة والأحباء. فروى حميد بن مسلم قال: رأيت امرأة من بني بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد، فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام في فسطاطهن وهم يسلبونهن، أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط وقالت: يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله؟!! لا حكم إلا لله، يالثارات رسول الله، فأخذها زوجها فردها إلى رحله. ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره؟ فانتدب منهم عشرة، وهم: إسحاق بن حوبة الذي سلب الحسين عليه السلام قميصه، وأخنس بن مرثد، وحكيم بن طفيل السبيعي، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي، وصالح بن وهب الجعفي، وواحظ بن غانم، وهاني بن ثبيت الحضرمي، وأسيد بن مالك لعنهم الله فداسوا الحسين عليه السلام بحوافرخيلهم حتى رضوا ظهره وصدره. وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد لعنه الله، فقال أسيد بن مالك أحد العشرة: نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * بكل يعبوب شديد الأسر
فقال ابن زياد لعنه الله: من أنتم؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا حناجر صدره. فأمر لهم بجائزة يسيرة. قال أبو عمر الزاهد: فنطرنا في هؤلاء العشرة، فوجدناهم جميعاً أولاد زنا. وهؤلاء أخذهم المختار، فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا. وروى ابن رباح قال: لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الحسين عليه السلام. فسئل عن ذهاب بصره؟ فقال: كنت شهدت قتله عاشر عشرة، غير أني لم أطعن ولم أضرب ولم أرم، فلما قتل رجعت إلى منزلي وصليت العشاء الآخرة ونمت. فأتاني آت في منامي، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله. فقلت: مالي وله. فأخذ بتلابيبي وجرني إليه، فإذا النبي صلى الله عليه وآله جالس في صحراء، حاسر عن ذراعية، آخذ بحربة، وملك قائم بين يديه وفي يده سيف من نار يقتل أصحابي التسعة، فلما ضرب ضربة التهبت أنفسهم ناراً. فدنوت منه وجثوت بين يديه وقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، ومكث طويلاً. ثم رفع رأسه وقال: يا عدو الله أنتهكت حرمتي وقتلت عترتي ولم ترع حقي وفعلت ما فعلت. فقلت: يا رسول الله، والله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم. فقال: صدقت، ولكن كثرت السواد، أدن مني، فدنوت منه، فاذا طشت مملو دماً، فقال لي: هذا دم ولدي الحسين عليه السلام، فكحلني من ذلك الدم، فانتبهت حتى الساعة لا أبصر شيئاً.
قال الصادق عليه السلام: «رحم الله شيعتنا، هم والله المؤمنون وهم المشاركون لنا في المصيبة بطول الحزن والحسرة».
قال التابعي المعروف ابن سيرين (وهو أبوبكر محمد بن سيرين البصري التابعي ) :( لم تبكِ السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلا على الحسين بن عليّ ) وعن خلف بن خليفة عن أبيه قال :( لمّا قُتِلَ الحسين اسودت السماء ، وظهرت الكواكب نهاراً ، حتى رأيت الجوزاء عند العصر وسقط التراب الأحمر ) وقالت أم خلاّد :( كنّا زماناً بعد مقتل الحسين ، وإن الشمس تطلع محمَّرة على الحيطان والجُدر بالغداة والعشيّ ) وكانوا لا يرفعون حجراً إلاّ يوجد تحته دمٌ!! وروي عن ابن عباس أنه استيقظ من نومه ، فاسترجع وقال :( قُتِلَ الحسين والله ) فقال له أصحابه :( كلا يا ابن عباس ، كلا ) قال :( رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ومعه زجاجة من دم فقال :( ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعدي ؟ قتلوا ابني الحسين ، وهذا دمه ودم أصحابه ، أرفعها الى الله عزّ وجلّ ) فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه ، وتلك الساعة ، فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قُتِل ذلك اليوم وتلك الساعة!!
وقد روي عن الحسين عليه السلام: يا بن آدم تفكر وقل اين ملوك الدنيا واربابها الذين عمروا واحتفروا انهارها وغرسوا اشجارها ومدنوا مدائنها، فارقوها وهم كارهون وورثها قوم اخرون ونحن بهم عما قليل لاحقون، يا بن آدم اذكر مصرعك وفي قبرك مضجعك، وموقفكم بين يدي الله تشهد جوارحك عليك يوم تزل فيه الاقدام وتبلغ القلوب الحناجر، وتبيض وجوه وتسود وجوه وتبدو السرائر ويوضع الميزان القسط، يا بن آدم اذكر مصارع آبائك وابناءك كيف كانوا وكيف حلوا، وكأنك عن قليل قد حللت محلهم وصرت عبرة للمعتبر).
|