|
قصة الطفل الشهيد در يونس الجبوري
نكتب
في هذا القسم عن سيرة حياة الشهداء، من الولادة وحتى الشهادة، ولكن ماذا
نكتب عن سيرة حياة لم تطل أكثر من تسع سنوات!...فقد أستشهد (در) في التاسعة
من عمره القصير ورأسه في خضن والده حين أطلق أحد جنود الاحتلال الأمريكي
النار من أجل التسلية والضحك على موكب مشيعين إرعاباً وإرهاباً لهم حين
عودتهم إلى الكاظمية مساء الخميس الحزين ليوم 24 شباط 2005.
ولد الطفل الشهيد (در) يوم 19 كانون الثاني 1996 في منطقة الكريعات المقابلة لمدينة الكاظمية على الجانب الآخر لنهر دجلة. والده السيد يونس الجبوري الرجل الكاد الكادح البسيط المؤمن، والذي لم يرزق من الأولاد غير (در)...الطفل الشهيد.
كان (در) طالباً في المرحلة الابتدائية في مدرسة الإمام الحسين... حين خطفت طفولته تلك اليد الآثمة لجندي الاحتلال البغيض. وحين كان يصطحبه والده إلى صلاة جمعة الكاظمية في جامعة مدينة العلم، كان يقف ببراءة الأطفال ويرفع صوته بالصلاة على النبي وآله عند دخول المشايخ مقلداً الكبار. خرج صبيحة يوم 24 شباط 2005 موكب لتشييع عقيلة الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب عطيفة رضوان الله عليه (أحد تلامذة الإمام الراحل الشيخ محمد الخالصي قدس سره وأحد الأساتذة المميزين في جامعة مدينة العلم، والذي أعدمه نظام البعث الإجرامي البائد).
انطلق المشيعون لتجهيز الراحلة ودفنها في وادي السلام إلى جوار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مدينة النجف الأشرف. واصطحب السيد يونس الجبوري ولده الوحيد (در) معه في ذلك الموكب. وعند العودة من مراسم التشييع والدفن إلى مدينة الكاظمية، كان الموكب يمر على الطريق السريع إلى الشمال من بوابة التاجي من أجل العودة، فمر رتل من مصفحات قوات الاحتلال الأمريكي الإجرامي بجانب الباص الصغير الذي يقل بعض المشيعين وكان بينهم الطفل (در) واضعاً رأسه وببراءة الطفولة في حضن والد من شدة الإعياء والتعب وكانت الشمس قد غابت وانطلق صوت الأذان من مساجد الكاظمية. يقول السيد يونس الجبوري أن طفله نظر إليه في تلك اللحظة وقلب يده ودعا دعوة كتبها الله تعالى في كتابه مستجابة ويرددها العراقيون كثيراً: (اللهم صلي على محمد وآل محمد)... ليدوي صوت الرصاص بعدها بجانب السيارة ويخترقها. انحنى يونس على جسد ولده ليمنع الأذى عنه... وسمع ركاب السيارة قهقهات الضحك التي انطلقت عالياً من حناجر جنود الاحتلال المجرمين الذين مروا سريعاً بجانبهم...كان الهلع الذي سببوه بركاب السيارة العراقيين مسلياً لهم!!
فوجيء ركاب السيارة بالدماء منتشرة في كل مكان، وتصور يونس لوهلة أن ولده (در) بأمان وقد انحنى عليه حامياً له بجسده النحيل... ولكن الأمر لم يكن كما تصور.
كانت رصاصة من العيار الثقيل قد اخترقت رقبة (در)... والدماء المنتشرة في كل أرجاء السيارة إنما كانت دماء طفله المذبوح. لم يصدق يونس بصره وهو ينظر إلى وجه ولده جامداً مفتوح العينين وقد فارق الحياة من فوره. صرخ من أعماق قلبه صرخة ألم على ولده الوحيد،... تجد صداها ولا شك في بطنان عرش الباري تبارك وتعإلى وكذلك في قلوب اخوانه المؤمنين ولكن ليس في قلوب جنود الاحتلال الإرهابيين أو مرتزقتهم من العاملين في خدمتهم... أجانب وعراقيين.
سجي الجسد الصغير على حمالة في مستشفى الكاظمية، وعوضاً عن مواساة الأب المفجوع بابنه قام جنود الاحتلال وبمساعدة بعض الرسميين المحليين الذين استخدمهم الاحتلال كمرتزقة ينفذون أوامره.... قاموا بتكتيف يونس ووضع العصابة على عينيه حتى التاسعة ليلاً أمام مستشفى الكاظمية حيث حضرت أربع همرات لجيش الاحتلال الأمريكي للتتابع الأمر عن كثب.
وفي خطوة فيها الكثير من الاستعلاء والغرور والتكبر والاستهانة بحياة العراقيين وأطفالهم، في ظل الحصانة القضائية التي يتمتع بها جنود الاحتلال الأمريكي حتى يومنا هذا، حقق جنود الاحتلال بمساعدة مرتزقتهم مع الاب المفجوع وكأنه ارتكب جرماً، حتى أنهم وبصلف لا حدود له سألوه عن رقم الهمر الذي أطلق النار على طفله!! وكأن أحداً كان يمكنه في السابق... أو ما يزال حتى يومنا هذا، يستطيع الاقتراب من همر محتل أمريكي ليأخذ رقمه.
أنكر المحتلون في البداية أنهم مسؤولون عن قتل الطفل الشهيد (در) ولكن الرصاصات التي ذبحت الطفل الشهيد واستقرت في السيارة والشهود الكثيرون الذين أرهبهم المحتلون وهم ويطلقون قهقهات الضحك حين ارتكابهم الجريمة كانت كفيلة بإثبات الحقيقة.
كرر المحتلون ذهابهم إلى بيت يونس مرات متعددة للتحقيق معه مصطحبين مترجمات لهم!... واستخدموا مرتزقتهم من بعض الرسميين المحليين لأجل الضغط على يونس لقبول التعويض التافه الذي يشبههم.
ومن أجل إماتة قضية (در) أرسل المحتلون مبلغاً تافهاً قبالة دم (در)، ويعرف العراقيون جيداً كيف يتعامل المحتلون الأمريكيون في هذه الظروف. وزع يونس المبلغ على الفقراء وقال للناس من حوله: هذا الثمن التافه لقاء دم (در) أوزعه بين بعض الناس...ولدي (در) هو ابنكم جميعاً وهذا ثمن دمه من المحتلين أدفعه إليكم...
صارت دماء (در) عندكم جميعاً
إنا لله وإنا إليه راجعون
|