بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الشهيدين السعيدين محسن وأياد أبناء الحاج جميل عبد المالك المنذري

 

بقلم: والد الشهيدين جميل المنذري

 

ولد الشهيد السعيد محسن الحاج جميل بتاريخ 11/6/1959 ونشأ في أحضان أسرته في مدينة الكاظمية المقدسة وعُنى بتربيته تربية دينية على الإيمان به وتوحيده ومحبته تبارك وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

كان أول ما علمناه حين بدأ النطق أن يقول: الله ربي، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيي، وعلي (عليه السلام) إمامي والقرآن كتابي والكعبة قبلتي والجنة مآبي والحوض شرابي والمسلمون أخوتي.

 

وكان كل من يراه من أفراد العائلة في مقتبل طفولته يلقون عليه الأسئلة فيبدأ بإجابتها: الله تعالى، فيجيب: ربي.... محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيجيب: نبيي..... علي (عليه السلام)، فيجيب، إمامي...وهكذا.

 

كنت كثيراً ما أصطحبه معي عند الذهاب إلى أداء فريضة الجمعة في مسجد الجوادين الجامع (الصفوي سابقاُ) والكائن في الصحن الكاظمي الشريف بإمامة المغفور له الإمام المجاهد الشيخ محمد الخالصي (رحمه الله) وسائر الأيام لصلاة الجماعة وإلى مدرسة (جامعة مدينة العلم).

 

لقد حضي محسن (رضوان الله عليه) بحب سماحة الإمام الراحل والمصلين المؤمنين، وأذكر أن العلامة المغفور له الشيخ باقر الخالصي عندما كان جالساً في ديوانه الكائن بجانب داره في البقجة ( وهي بستان وحديقة صغيرة تعود ملكيتها لآل الخالصي في الكاظمية) سأل محسن ممازحاً له: ما هو الشيء الذي نصفه في بطنك والنصف الآخر في فمك؟....وعندما عجز عن الإجابة ضحك الشيخ وأخبره الجواب: المح في البطن والسن في الفم، إنه اسم محسن.

 

في نهاية خمسينيات القرن الماضي كان على رأس النظام الجمهوري في العراق الزعيم عبد الكريم قاسم حيث يظهر على شاشة التلفزيون في الاحتفالات ويخطب ويصفقون له، وهو ما جذب انتباه محسن الذي حفظ مقطعاً من كلمته التي كان يرددها.... وهي:  ( إننا سوف نقضي على الاستعمار)، وكنا كثيراً ما نسأله: كيف يخطب الزعيم؟... فكان يقف على الفور ويرفع يده ويقول: (إننا سوف نقضي على الاستعمار) ثم يقول: صفكولة... فنصفق له.

 

كما أذكر أنني اصطحبته معي في أحدى ليالي شهر رمضان المبارك حيث يجتمع المصلون بعد صلاتي المغرب والعشاء في باحة مدرسة (جامعة مدينة العلم) للاستماع إلى القرآن والدعاء وما يلقى الإمام المجاهد الشيخ محمد الخالصي (رحمه الله) من دروس وأحكام شرعية، حيث كان يوضح في تلك الأيام ظلم تدخل السلطة في أحكام الأحوال الشخصية المنصوصة في القرآن الكريم وزعمها مساواة الرجل والمرأة في الميراث، حيث حرم هذا التدخل حصول المرأة على الثلث من التركة وهو أكثر مما يحصل عليه الرجل المكلف أصلاً وشرعاً بالإنفاق عليها، وكان رحمه الله قد رفع مذكرة وقع عليها علماء الفريقين في العراق إلى السلطة يومها موضحاً خطئها وظلمها في هذا التدخل. أراد سماحته أن يلطف الأجواء المشحونة يومها بتقديم خطيب بارع يحاكي الزعيم الأوحد الذي يرونه في القمر كما يزعمون ، وبعد أن نوه عن ذلك اشرأبت أعناق الحاضرين وأخذوا يتساءلون من يكون هذا الخطيب؟.... وأوعز لي رحمه الله أن أحمل محسن إلى منصة الخطابة حيث مكبرات الصوت داخل وخارج مبنى مدرسة (جامعة مدينة العلم)، وإذا بالمفاجأة أن هذا الطفل يقف خلف المنصة ويرفع يده اليمنى مشيرا بسبابته ويقول: (إننا سوف نقضي على الاستعمار....صفكولة) فصفق الجميع وضحكوا لهذا المشهد ( وفي ذلك مغزى لا يخفى على على العارفين).

 

في مثل هذه البيئة والأجواء الإيمانية نشأ وترعرع فقيدنا الغالي وسار في حياته على النهج الذي رسمه سماحة الشيخ المجاهد محمد الخالصي (قدس سره) مستنيراً بكتاب الله وسنة نبيه وأله الطيبين الطاهرين.

 

أنهى محسن دراسته الابتدائية في مدينة الكاظمية والمتوسطة في العامرية، وبعدها تخرج من المركز المهني للدراسات الصناعية والهندسية، وعين في منشأة صناعية تابعة لوزارة الصناعة والمعادن في محافظة ديإلى، ومن ثم نقل إلى منشأة نصر للتصنيع العسكري في التاجي وتدرج في وظيفته واتسعت خبرته في مجال اختصاصه وأوفد إلى خارج العرق: ألمانيا وسويسرا  وانجلترا للتدرب على على أحدث المكائن والآليات الصناعية وعاد يعدها يدرب الفنيين العراقيين ممن يعينون حديثاً، وكانت الحاجة تزداد لخبرته حتى من قبل قدامى المهندسين في كل جديد.

 

تعرض رحمه الله أثناء عمله الوظيفي إلى الكثير من الضغوط والمضايقات بسبب عدم انتمائه لحزب البعث، حيث دبرت له مكيدة بتقرير رفع إلى إدارة المنشأة وعلى أثره أجري تحقيق أمني معه وأودع في معتقل خاص لأسابيع تعرض خلالها لأضرار جسدية ومعنوية.

 

أستدعي للخدمة العسكرية إبان الحرب التي شنها النظام السابق على إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية فيها، ثم استدعي مرة أخرى لخدمة الاحتياط في البصرة والناصرية، وتعرض بسبب ذلك إلى ضنك العيش ومرارة الحياة مع أفراد عائلته ولذلك ترك الوظيفة وتوجه للعمل في القطاع الخاص....ذهب إلى الأردن من أجل ذلك وبعد فترة عاد إلى العراق...وبعد مدة سافر إلى الجزائر وعمل في إحدى الشركات الصناعية حيث لم تصرف له استحقاقات الرواتب مما اضطره للعودة إلى الوطن وصار يبحث عن عمل في كل مكان في البلاد والحالة الاقتصادية فيها تسير من سيء إلى أسوأ جراء سياسة الحكومة والحصار المفروض من قبل أمريكا وحلفائها.

 

شرع بالتعاون مع أخيه الأصغر الشهيد (أياد) في إدارة وتطوير المحل التجاري الذي هو قسم من الدار التي نسكنها في العامرية وأدار حياته وأسرته بهذه الطريقة،...... وحدث الغزو الأجنبي والاحتلال الأمريكي والهروب المخزي للنظام الحاكم وسقوط صنم بغداد عام 2003م حيث دخلت البلاد في دوامة هذا الاحتلال.

حاول رحمه الله العودة إلى الوظيفة في وزارة الصناعة دون جدوى للاضطراب الكبير في البلاد وانهيار الدولة العراقية بسبب الاحتلال، فبقي رحمه الله يعمل مع أخيه في المحل التجاري الذي استشهد فيه.

 

كان المغفور له مؤدباً خلوقاً باراً بوالديه محباً لأقاربه وذويه وأصدقائه، وكان يعود المريض ويتفقد البعيد ويصل  رحمه، وكان في الفترة الأخيرة كلما يلقاني يسلم علي ويقبل يدي وكذلك الحال مع والدته المرحومة وكأنه أحس بأنه مفارقنا إلى يوم لقاء عند رب رحيم، فنعم الولد البار بوالديه.

 

أما الشهيد أياد فهو أصغر الأولاد سناً، فقد ولد بتاريخ 18/5/1976م وكان رحمه الله الولد المدلل بين أفراد العائلة، غذي مكارم الأخلاق منذ أبصر النور في هذه الحياة، وحضي بحب والديه وأخوته الخمسة وأخواته الثلاث.

 

أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية الصناعية، وأكمل دورة في مركز صناعي يؤهله للتعيين في منشأة للتصنيع العسكري بصفة عقد ودخلها لأنها توفر له فرصة الإعفاء أو التأجيل للخدمة العسكرية بعد ستة أشهر من التدريب، وهذا ما حصل له فعلاً.

لم يلعب ويلهو كغيره من الشباب وهو في سن المراهقة، بل كان عصامياً مثابراً محباً للعمل في وظيفته، وبعد أوقات الدوام افتتح المحل التجاري للمواد الغذائية (أسواق) اقتطعه من الدار التي كنا نسكن فيها في العامرية كما أسلفت.

تزوج قبل استشهاده ببضعة أشهر من بنت مؤمنة من عائلة كريمة تخرجت لتوها من دار المعلمات حالماً ببناء أسرة سعيدة فاستكثر المنحرفون الإرهابيون عليه ذلك فقتلوه.

 

كان رحمه الله خلوقاً متديناً مطيعاً لوالديه ومحباً لأفراد عائلته وأصدقائه ومحبوباً لدى الجميع، يؤثر اخوانه وأصدقائه على نفسه، فكان وردة تفوح عطراً وشذى بيننا.

 

سبق وأن ذكرت أن الأوضاع الأمنية تدهورت بعد الاحتلال، ووقع الناس في هرج ومرج وأصبح عاليهم سافلهم وكثر النهب والسلب واختلت القيم والموازين وتحركت النفوس الشريرة لإثارة الفوضى والاضطراب بين الناس والتصيد في الماء العكر في ظروف الاحتلال البغيضة، وتسللت بواسطة و بسبب الاحتلال إلى البلاد زمر وعصابات تحت عناوين مختلفة تشيع أفكاراً متطرفة وتكفر كل من لا يخضع لهم، ولا تقف عند حد التكفير والحكم على النوايا بل تتعدى ذلك إلى الحكم بوجوب قتل من لا يخضع لهم وذبحهم وقطع رقابهم، ومما يؤسف أن هؤلاء ورغم أن الاحتلال الأجنبي هو حاضنتهم الطبيعية، فإنهم وجدوا كذلك من تنطلي عليه أفكارهم المريضة ويحتضنهم في داخل البلاد ويساعدهم ويوفر المأوى والمال والسلاح سواء كان مجنداً من قبل المحتلين مباشرة أو أنه يحمل نفس الأفكار المريضة التي تهدف لتمزيق المجتمع العراقي.

ظهرت في البلاد وفي هذه الظروف مجاميع مختلفة تحمل أسماء متنوعة وتبث خطاباً طائفياً مقيتاً ويتستر بعضها بعنوان الجهاد ضد المحتل وهي في الحقيقة تنفذ خطته في تمزيق المجتمع العراقي وتساعده على البقاء، واتخذ بعضها من المساجد والجوامع مخابئ لهم..... عشنا في العامرية سنوات طويلة وتربطنا بالجيران علاقات المودة والمحبة والاحترام والأخوة التي تسمو على كل شيء وقد مررنا بأوقات عصيبة ودموية أيام حكم حزب البعث والنظام البائد، ولكن في ظل هذه الظروف المستجدة بعد الاحتلال كانت المرة الأولى التي نواجه فيها خطاباً طائفياً مقيتاً وجديدا علينا يقول: (ارحلوا عن ديارنا أيها الروافض)، رغم أننا من قلب الكاظمية ومن عائلاتها العريقة التي هي قسم أساسي من بغداد، فإلى أين يرحل أبناء بغداد منها؟

أثيرت الفتنة الطائفية وأغلقت المحال التجارية وابتدأت موجة القتل والنهب والسلب على أساس طائفي واعتبرت أموالها غنائم لشديد الأسف، وهدمت المساجد ودور العبادة وتقطعت الطرق وساد الخطاب الطائفي المقيت في البيانات وقد أشار بعضها إلى مرقد الإمامين العسكريين بعد العمل الإجرامي بتفجيره بأنه (الوثن المعبود) والعياذ بالله!

أقدمت مجموعة إجرامية يعلم الله وحده من أي مستنقع طائفي جاءت على جريمة قتل أبنائي محسن وأياد.... ففي اللحظة التي وصل فيها أياد إلى المنزل وكان ما يزال في سيارته حاملاً بضاعة اشتراها من السوق للمحل، دخل المجرمون إلى المحل وأطلقوا النار على محسن.... وحين حاول أياد الخروج من السيارة واللجوء إلى البيت عاجلوه بإطلاق النار هو الآخر وأردوه في باحة الدار....نقلناهما إلى مستشفى اليرموك حيث فارقا الحياة وسط الفوضى والإهمال المتعمد....وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

نقلنا جثماني الشهيدين إلى النجف الأشرف ليدفنا في أرض الغري في جوار أمير المؤمنين وإمام المتقين على بن أبي طالب عليه السلام في يوم السبت 13/5/2006.

ترك محسن ثمانية قلوب منكسرة تقطر دماً حزناً عليه وهم خمسة أولاد وبنتين وأمهم، وترك أياد زوجته وهي تحمل في أحشائها الأمل في الامتداد والعيش في ذكرى زوجها وزواجها الذي مر كالحلم القصير فأنجبت بنتاً حرمت ومنذ لحظة ولادتها من رؤية أبيها وحرم لسانها من قول كلمة بابا.

في يوم استشهاد أولادي هجرت سبعة أسر من منطقتنا في العامرية تعيش جميعها تحت نجمة وتحفهم عناية الله تبارك تعالى وحفظه وحده لا شريك له. وبعد مضي ثمانية أشهر رحلت أمهما كمداً وحزناً عليهما في 17/1/2007م، وأدعو الله العلي القدير أن يكتب لها أجر الشهداء وهي من عشرات الآلاف من أهل لا إله إلا الله الذين قتلوا وأخرجوا من ديارهم بغير حق ظلماً وبغياً وعدواناً. وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

جميل عبد المالك المنذري

والد الشهيدين السعيدين محســـن وأيــــــاد

 

10/12/2009