|
العلامة آية الله الشهيد السعيد السيد عبد الصاحب عطيفة (رضوان الله عليه)
نسبه الشريف : هو السيد عبد الصاحب بن السيد جواد بن السيد رضا آل عطيفة الحسني. وإلى عطيفة تنتمي كثير من الأسر الحسنية المعروفة في العراق كآل الحبوبي في النجف وآل الحسني وآل حمندي وآل عطيفة وآل كشكش وآل الحيدري في الكاظمية . وعطيفة هو بن الشريف حميضة بن الشريف أبي نمي الأول احد اكبر شرفاء مكة المشهورين تولى الشرافة عام (651) هـ وتوفي سنة (701)ه وكان له ثلاثون ولدا ذكرا وأنثى
ولادته ونشأته :
ولد أعلى الله مقامه عام 1934م الموافق1351 هـ في مدينة الكاظمية المقدسة مدينة التضحية والجهاد والصبر والثبات والمقاومة والتحدي. ففيها قبر الإمام الصابر موسى بن جعفر (ع) الذي آثر العيش في غياهب السجون وظلمات المطامير على مسايرة الحكام الجائرين وتأييدهم في سياستهم الجائرة وإلى جانبه حفيده النقي الزكي الإمام محمد الجواد (عليه السلام). كذلك هي مدينة الإمام الثائر بطل الإسلام الشيخ محمد مهدي الخالصي والإمام مهدي السيد حيدر (رضوان الله عليهم) وغيرهم من الأفذاذ الذين بثوا الروح الإسلامية واقتدوا بأئمة الهدى في رفض الباطل والإعراض عن الدنيا وزخارفها وخدعها وأباطيلها فلم ينغمسوا في الملذات ولم يقبلوا على الشهوات بل تحملوا الأذى في سبيل الله.
في هذه المدينة ولد الشهيد السيد عبد الصاحب (أعلى الله مقامه) وكان والده رحمه الله من أنصار وثقات الإمام الخالصي الكبير ونجله الإمام الشيخ محمد(قدس سرهما الشريف) ومن الطبيعي أن يقص الوالد على ولده المواقف الجهادية لهذين الإمامين الكبيرين وعظيم ما أصابهم في سبيل الله من إبعاد وتشريد وحرب متواصلة من الظالمين وأتباعهم و أذنابهم وخدمهم ممن باعوا ضميرهم ورضوا بخسيس العيش في دنياهم الزائلة.
دخل الشهيد الدراسة الابتدائية في الكاظمية، بعدها درس في مدارس منتدى النشر الدينية وكان زميله في الدراسة الإمام الراحل الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رضوان الله عليه) الذي تربطه به علاقة صداقة قوية رباطها المقدس العقيدة والحب للإسلام وأهله. بعدها درس في جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي (قدس سره) العلوم الإسلامية من فقه وعلوم حديث وعلوم تفسير وغيرها وكان من الطلبة المتقدمين لما يتمتع به من ذكاء مفرط ومواهب كبيرة وعقلية رصينة. ولم ينقطع عن تلقي وتحصيل العلوم من الإمام الشيخ محمد الخالصي(قدس سره) حتى وفاته وانتقاله إلى جوار ربه. ومن الجدير بالذكر أن السيد الشهيد كان من تلاميذه المقربين الخلص وعند وفاة الإمام الخالصي(قدس سره) في مستشفى الرازي ببغداد كان السيد الشهيد(رض) برفقته في المستشفى المذكور بمعية الشهيد السعيد عبد العزيز البدري (رحمه الله).
صفاته ومزاياه :
كان السيد الشهيد عبد الصحب عطيفة في غاية الزهد والتقشف والعفة والنزاهة، يدفع ما يقع في يديه من الأموال إلى الفقراء والمعوزين وربما يبيت على الجوع دون أن يعلم احد بذلك. كل ذلك لان الله كان عظيما في صدره وهذا ما جعل نهج الإسلام ظاهرا في أخلاقه وسلوكه. احتقر رضوان الله عليه المنافع الدنيوية وتجاوز المطامع الشخصية وتجرد من حب الذات والأنا والعصبية والطائفية ملتزما اشد الالتزام بالمنهج الإسلامي القويم وصراط الله المستقيم، إلاَّ أنه ومع شدة تواضعه مع المؤمنين كان مهابا في صدورهم لما كساه الله من الهيبة ومنحه من الجلالة، لم يُرَ يوما ضاحكا بقهقهة، فضحكته (رحمه الله) الابتسامة ولم يمزح قط مزاحا فيه سخرية بالآخرين واستخفاف بهم وإنما كان مزاحه لإدخال المسرة على قلوب المؤمنين وذلك هو المزاح المحمود في الشرع. تمسك (رحمه الله) بأوثق عرى الإيمان وهي الحب في الله والبغض في الله وموالاة أولياء الله والبراءة من أعدائه. فكان قلبه يفيض حبا لأولياء الله يتفقدهم ويسال عن أحوالهم إذا غابوا عن المسجد ويعود مرضاهم. أما أهل البدع والضلالات فلا يقرب ناديهم ولا يحب معاشرتهم مكررا الحديث الشريف (من مشى إلى صاحب بدعة فوقَّرهُ فكأنما مشى في هدم الدين ).
كان رحمه الله يشكل عائقا كبيرا في وجه دعاة الأحزاب المنحرفة من البعثيين وغيرهم، وهذا ما أثار حفيظتهم وملأ قلوبهم حقدا وغضبا عليه. لأنه كان يسفه أحلامهم ويسخر من عقولهم المتحجرة قائلا : الإسلام هو الذي يفرض علينا تحرير الوطن من الغاصبين وتحقيق الاستقلال الكامل بكل أنواعه السياسي والاقتصادي ويرفض التبعية للأجنبي ويعمل على تحقيق وحدة المجتمع وتماسك أبنائه، وهم يمزقون المجتمع إلى أحزاب متصارعة متناحرة تترامى بالتهم وتتراشق بالسباب وتتقاتل من اجل تحقيق مصالحها الحزبية والفئوية الضيقة. كانت دروسه وممارسته تقول بالفعل قبل القول أن الإسلام يريد مجتمعا خاليا من الكراهية والأحقاد وهم يزرعونها فيه. فإذا كانت الوطنية هي خدمة الوطن والحفاظ على مصالحه فالمسلم هو الوطني الصادق. الإسلام عزة وكرامة وعدل ومساواة وعلم وعمل ونزاهة وإخلاص وتضحية وإيثار ونكران ذات وتغليب للمصلحة العامة على المصالح الشخصية ونشر للفضيلة وحفاظ على الثروات ومحاربة للفقر وللفاقة والمرض والتخلف والجهل والاستغلال وسرقة الأموال العامة والظلم بكل أنواعه ورفض للطبقية، فالناس سواسية فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، والإسلام يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وبهذا نخدم الوطن وأبناءه ونمكنهم من أسباب الرقي والرفعة والاستقلال. فالأمة لا تستطيع استرجاع كرامتها المغصوبة وحريتها المسلوبة إلا بالإسلام وإتباع نهجه.
عبادته وتقواه وجهاده :
كان رحمه الله ورعًا تقيًا ذا قلبٍ حي وروح طيبة وإيمان عميق وعلم غزير ونية صادقة. ومن أقواله: (إننا حملة رسالات السماء والإسلام أمانة في أعناقنا تقع علينا مسؤولية حراسته وحياطته ورعايته والدفاع عنه والتضحية في سبيله بالغالي والنفيس. وان التخلي عن هذه المسؤولية يعني الخيانة للأمانة التي في أعناقنا). وكان يقول: (لا نستطيع حمل هذه الرسالة إلى الآخرين ما لم نتمسك نحن أولا بها فان فاقد الشيء لا يهبه) لهذا كان رحمه الله حريصا كل الحرص على أداء العبادات على أفضل وجه ملتزما بصلاة النوافل وخاصة صلاة الليل وكان إذا فرغ من صلاة الفجر جلس في محرابه منقطعا لربه متوسلا إليه طالبا عفوه ورضوانه تاليا للقران ولا يفارق المحراب حتى تشرق شمس الصباح.
كان رحمه الله كثير الصيام في شهري رجب وشعبان وإذا قرأ في شهر رمضان دعاء السحر لأبي حمزة الثمالي يقشعر جلدك ويدخلك الخشوع والخوف من الله سبحانه وتعالى لان كلماته تنبع من قلب زكي طاهر مملوء بحب الله والخوف من اليم عقابه، وكم سمعنا من بعض الأخوة المحيطين من يقول إنني اشعر بالخوف والرهبة عندما اسمع (صوت السيد) يدوي في السحر قائلا: (ابكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري انظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي إذ الخلائق في شان غير شأني...الخ) فيحملني هذا الخوف إلى المسارعة في أداء الصلاة التي ربما كنت أتكاسل في أدائها. أما تلاوته للقران فتصور لك مشاهد القيامة وأهوال الساعة كأنك تراها وتعيش ساعاتها.
تأسيسه لمسجد الصفاء في زوية الكَريعات:
تقع الكَريعات على الضفة الثانية لنهر دجلة مقابل مدينة الكاظمية المقدسة، وفي الصيف تنخفض مناسيب مياه نهر دجلة فتترك شاطئا واسعا ورحبا على ساحله يصطاف به الناس هروبا من حرارة الطقس وأكثر الزائرين هم من مدينة الكاظمية التي لا يفصلها عن الكَريعات إلا نهر دجلة. ففي صيف عام 1966 اخذ السيد الشهيد ومعه بعض الشباب من أبناء المدرسة الخالصية يقصدون منطقة زوية الكَريعات بغية الاستمتاع بجمال الطبيعة وبرودة المنطقة نسبيا والالتقاء بشباب المنطقة ومنهم من كان من أنصار المدرسة الخالصية وكانت الغالبية من أهالي هذه المنطقة من الكسبة والفلاحين المحبين للدين وأهله، ولكنهم يجهلون الكثير من أحكام الدين وتعاليمه ففي مقاهيها آلات اللهو واللعب (الدامينو و الطاولي) حيث يقضي معظم الشباب وقت فراغهم لاعبين بها. كما إن الكثير منهم يعتقدون أن الله في السماء ومن هناك يدير الكون ويحكم الأرض. وقسم من العائلات كانت تحتفل بيوم النيروز ويعدونه يوما مقدسا ويصومون يوم الأحد من الأسبوع الأول من شهر شعبان (صوم زكريا) وربما يتهاونون في صيام قضاء شهر رمضان وقسم يقدم النذر لغير الله، وهكذا انتبه السيد الشهيد رضوان الله عليه أن عاطفة الناس مع الإسلام وأهله ولكنهم لم يجدوا من يرشدهم إلى الدين القويم والرسالة الإسلامية الأصيلة. فعز على السيد الشهيد أن يرى الجهل فاشيا رغم وجود شباب ورجال واعين ومدركين ومتفقهين لأحكام الشريعة فدعاهم إلى تأسيس مسجد في المنطقة يكون مدرسة لنشر تعاليم الإسلام يجتمع الناس فيه للصلاة وقراءة القران وتلقى الدروس في العقيدة والشريعة. فحقق الله له ذلك وتأسست في المسجد مكتبة تسمى مكتبة التوحيد وقد وفق الله شهيدنا الغالي على تربية ثلة مؤمنة طيبة استطاعت أن تثبت على الحق رغم قساوة الظروف وعظيم المحن التي ابتليت بها، إلا أن هذا لم يقطعه عن مدرسة الإمام الخالصي حيث بقي الشهيد السعيد فيها حتى صار احد ابرز أساتذتها ومدرسيها وعضوا للهيئة العلمية فيها كما انه عمل مديرا لديوان الترجمة والنشر والتأليف في بعض الفترات، وقد كتب رحمه الله مقدمة لكتاب حسين مني وأنا من حسين وكلمة أخرى تمهيدية لكتاب التوحيد الخالص لمؤلفهما الإمام الشيخ محمد الخالصي (قدس سره). لقد كان الفقيد الشهيد صفحة مشرقة في سفر المدرسة الخالصية التي أنجبت الكثير من الأفذاذ وخرجت أجيالا من المؤمنين بالإسلام عقيدة وشريعة ونظاما ومن الوطنيين الصادقين المحبين لوطنهم المدافعين عن أهله الذين ينبذون كل ما يتعارض مع مبادئ الإسلام والعقيدة والوطنية الحقة.
نظمه للشعر :
يمتلك الفقيد الشهيد قابلية وقدرة متميزة على نظم الشعر ولكنه (قدس الله روحه) كان لا يريد أن ينشغل بأي شيء يصرفه عن التفرغ لعبادة الله وخدمة دينه،يعد الوقت نعمة من الله على العباد سيسال الإنسان عنها فلا ينبغي أن يقضى إلا بالتزود بالتقوى ليوم المعاد. لذلك لم يكن يرغب في الاستزادة منه وان كان لابد من نظم الشعر ففي خدمة الشريعة وتعظيم رجالات المسلمين وبيان حقائق الدين فمن قصيدة له في ذكرى عاشوراء يقول رحمه الله :
دينٌ دعائمه ضحايا كـربلا باقٍ إلى يوم القيامـــــــة خالدُ بدمائهم شادوا لنا أركـــانه ليطاع لا يعصى الإله الواحدُ
وله قصيدة في ذكرى المولد النبوي الشريف مطلعها :
نورٌ اطل على الدنيا بأجمعهــــا من مهبط الوحي فانجابت به الظلمُ وانشق إيوان كسرى من مهابته بعد استطالتــــه والشـــــــق منه فم له بيــــانٌ بان الشــــرك منهزمٌ وان دين الســــما للناس معتصـــــم هذا محــــمد والأجيال تعرفــــه فمن ســـــــواه زعيمٌ قائــــــــدٌ علمٌ هذا ابن هاشم من طابت أرومته فكل قـــــــادة دنيانا لـــــه خـــــــدم
على إن كل ما نظمه لم يكن رحمه الله يدونه، لزهده في هذه الأمور وابتعاده عن المظاهر الزائفة وكل ما فيه تفخيم لنفسه وإشارة لشخصه لأنه لم يكن يطلب إلا رضا الله سبحانه
شهادته :
الذين امنوا طوبى لهم وحسن مآب عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : (إن الله عز وجل جعل وليه في الدنيا غرضا لعدوه) لقد كان انقلاب يوم 17 تموز الأسود عام 1968م يوما حزينا ومؤلما لقلبه رضوان الله عليه بعد أن سمع بهوية القائمين به، حيث عادت به ذاكرته إلى أيام وأحداث عام 1963م ومآسيها قبل أن ينقذ الله العراق وأهله من شرهم في 18 تشرين الثاني من العام نفسه. وصار رحمه الله على يقين بان مرحلة جديدة من الصراع بين الحق والباطل قد بدأت، فالبعثيون أصحاب ضمائر ميتة وقلوب غافلة عن ذكر الله لذلك لا يسعهم أن يروا أهل الإيمان يحملون مشاعل النور وأنوار الهداية للمجتمع. وما هي إلاَّ أيام حتى ظهرت آثار هذا الصراع على الساحة عندما اخذ البعثيون يفاتحون الشباب ويدعونهم إلى تبني أفكارهم ومبادئهم الخبيثة ويقدمون لهم الإغراءات العديدة والمتنوعة . فكان السيد الشهيد رضوان الله عليه يحذر الشباب من الوقوع في فخهم والسير وراء سرابهم الخادع ويركز في دروسه على الشباب حول الصبر والتحمل في مواجهة أهل الباطل ودعاته والمروجين له. حتى أصبح هدفا لهم فكانوا يحملونه مسؤولية فشلهم في كسب كثير من الشباب إلى صفوفهم. وكان رحمه الله لا يبالي بكل ذلك بل يعد ذلك من أعظم نعم الله عليه مرددا الحديث الشريف : (يا علي إن يهدي الله بك بك رجلاً لهو أحب من حُمر النعم). وقد تعرض رحمه الله إلى الكثير من المضايقات وأخذوا يراقبون تحركاته ونشاطاته مراقبة شديدة.
اعتقل رحمه الله عام 1971 مع جمعٍ من المؤمنين إثر الخطاب الذي ألقاه الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي دام ظله والذي هاجم فيه سياسة الحكومة في التسفيرات التعسفية التي جرت للمقيمين في العراق في ذلك العام لأنه عمل يستهدف وحدة المسلمين وإخوَّتهم ويكرس النهج العنصري للبعثيين، بينما سكتت يومها كل المرجعيات والشخصيات العلمية قاطبة ودون استثناء. لقد كان موقف الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي يومها موقفاً بطولياً في الكثير من نكران الذات من أجل الدفاع عن فئات من المسلمين دون النظر إلى قوميتهم وانتمائهم وقد تحمل هو ورجال مدرسته الأذى والاعتقال ومنهم السيد الشهيد السعيد عبد الصاحب عطيفة (رضوان الله عليه). وقد عُومِلَ الفقيد الشهيد في الاعتقال بقسوة وجُوبِهَ بكلمات نابية ومؤذية وكان جلاوزة الأمن في المديرية المذكورة يتوعدوه بإنزال أقسى العقوبات به في حال استمراره في نهجه المعادي لسياستهم فكان رحمه الله (وما كان لنفسٍ أن تَمُوتَ إلَّا بإذنِ الله كتاباً مؤجلا) وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران ضاعفت السلطة الحاكمة من التضييق عليه فكانوا يداهمون داره ليلا ويأخذونه للاستجواب لمرات عديدة وهو (رحمه الله) لا يُحدِّث أحدا بهذا لأنه لا يريد إلا وجه الله، وعندما صار رحمه الله خطيبا وإماما للجمعة في الصحن الكاظمي المطهر بعد خروج الإمام الخالصي من العراق طلبوا منه الدعاء لهم في خطبته فرفض ذلك. بعدها جاءَه في مسجد الصفاء مفوض الأمن المدعو (عبد الوهاب) ومعه أوراق من المديرية تتضمن إعطاء تعهد بعدم التدخل في السياسة فرفض رحمه الله إعطاء مثل هذا التعهد لمخالفته الأحكام الشرعية الإسلامية التي تفرض على كل مسلم الاهتمام بأمور المسلمين. فقال له مفوض الأمن المذكور أنا شخصيا لا أحمل لك ضغينة واعرف عنك الكثير من المواقف الطيبة وقد كنت استمع إلى حديثك مع بعض المشايخ أثناء تشييع جنازة(المرحوم عبد العزيز البدري) فقال له السيد مستفهما وبلهجة شديدة في تشييع جنازة مَن؟ فصحح المفوض كلامه قائلا (عفوا سيدي في تشييع جنازة العلامة الحاج نجم الدين الواعظ). فأجابه السيد نعم شاركت في تشيِعهِ رحمه الله. واسترسل المفوض بالحديث قائلا والله لو كان الأمر بيدي لما طلبت منك إعطاء مثل هذا التعهد ولكنها أوامر صدرت من المديرية. فقال السيد لا يمكنني إمضاء مثل هذا التعهد ولكن سأكتب لك انه ليس في المسجد إلا العبادة وبيان الأحكام الشرعية للناس، فقال له المفوض (سيدي اكتب ذلك) وكان السيد رحمه الله يعلم إن هذه العبارة تعني الرفض لمطالبهم. وان وراء هذا الرفض لا محالة الاعتقال في زنزانات الأمن العامة بل وحتى الإعدام. تروي المرحومة عقيلته (أم محمد) إن السيد كان يردد حين يداهم بيته جلاوزة النظام السابق (ربِّ السجنُ أحبُ إليَّ مِمَّا يدعونني إليه ) وفي آذار من عام 1982م اختطف السيد مع رفيقه الشاب المؤمن الحاج جاسم الجبوري من الصحن الكاظمي المطهر عند ذهابه لحضور صلاة الجمعة التي أحبَّها وحرص على أدائها وجاهد كثيراً في الحث والدعوة إليها. واخذ إلى زنزانات الأمن العامة وغيِّبت أخباره عن المؤمنين إلى أن تبين فيما بعد أن المجرمين قد نفذوا به حكم الإعدام(رضوان الله عليه) بتاريخ 26/3/1986 حسب أضابير المعلومات الصادرة من الأمن العامة والتي أمكن الحصول عليها أثناء سقوط النظام.
فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً
|
