الشهيد عبد الكريم عبد الرضا علي

ليلة مدينة الحرية التي لا تُنسى

 

 

 

 

ولد الشهيد عبد الكريم عام 1960 في الكاظمية المقدسة لعائلة مؤمنة بسيطة ووالدين محبين عملا كل ما بوسعهما لتعليم أبنائهما. عرف عن الشهيد شجاعته وصلابته الفائقتين، كما عرف عنه حبه للشهادة في سبيل الله بعد أن رأى قوافل الشباب المؤمنين تعتقل ويزج بها في السجون إبان النظام العفلقي المقبور نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي. كان الشهيد طالباً في معهد الصحة العالي، له أحلامه وطموحاته كأي شاب عراقي، ولكن الظلم الذي مارسه النظام العفلقي المقبور والرعب والخوف الذي بثه بين الناس والشلل الذي أصاب به المجتمع لم يترك حلماً لشاب عراقي إلا وحطمه.

 نكتب عنه كأخ وصديق نفتقده كما يفتقده الكثيرون ممن عرفوه، ونحاول ألا يمحى ذكر هذه الصفوة التي آمنت وضحت بحياتها في سبيل الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله، مع كل من يسير على هذا الطريق وليس معنا في جامعة مدينة العلم فقط، وعندما عرف برغبة بعض أصدقاءه في السفر من البلاد بسبب التضييق والظلم الفادح كان يردد دائماً أن هذه الأرض خصبة للشهادة فلماذا تريدون الخروج؟

عرفنا الشهيد الغالي عبد الكريم عبد الرضا من خلال مواظبته على صلاة الجمعة في مسجد الجوادين داخل صحن الإمامين الكاظمين عليهما السلام والتي كان يقيمها في سبعينيات القرن الماضي سماحة الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي (دام ظله)، وكذلك حضوره الدائم للمسيرات والمناسبات التي كانت تقام في جامعة مدينة العلم. كان رضوان الله عليه متعاطفاً مع كل الاتجاهات الصلبة المناهضة للنظام العفلقي المقبور بعد أن تكشفت له حقيقة ذلك النظام في استعباد الناس وتحويلهم إلى أدوات لنزوات السلطان وتجبره.

أثرت حادثة اعتقال شقيقه الشهيد محمد عبد الرضا علي عليه بحيث أدرك أن مجرد التظاهر والهتاف لا ينفع مع جلاوزة النظام العفلقي فقام بتسليح نفسه وساعدته على ذلك شقيقته الشهيدة المجاهدة البطلة التي كانت نعم الأخت المواسية لأخيها.

في إحدى ليالي صيف بغداد اللاهب عام 1980 قدمت قوة من جلاوزة أمن النظام العفلقي المقبور إلى المنزل لإلقاء القبض عليه كما فعلوا أخيه الشهيد محمد سابقاً، إلا أن عبد الكريم لم يسلم نفسه بل أخذ موضعاً في شباك منزل العائلة البسيط في منطقة مدينة الحرية الملاصق للكاظمية المقدسة، وهاجم جلاوزة النظام قبل أن يهاجموه، وسقط عدد من جلاوزة النظام المقبور بين قتيل وجريح على الفور وعند الباب.

 تمترس من بقي من الجلاوزة خلف سياراتهم التي قدموا بها لاعتقاله وشرعوا بإطلاق النار الكثيف على المنزل واستدعيت قوة كبيرة من جلاوزة أمن النظام المقبور إضافة للجيش الشعبي السابق من المنظمة الحزبية في المنطقة، وحاصروا المنزل من كل الجهات.

 لم يرهب الوضع الجديد هذا البطل المغوار، بل بدأ مواجهة عنيفة كانت الشهيدة البطلة شقيقته تلقم الرصاص لبندقيته وهو يتنقل من شباك إلى شباك ومن السطح إلى باحة المنزل يقاتل كالأسد الجريح ويطلق النار مدافعاً عن نفسه وعائلته دفاع الأبطال.

استمرت مواجهة الشهيد عبد الكريم لساعات طوال وكانت ليلة ليلاء في مدينة الحرية وسنحدث عنها الأبناء والأحفاد عن بطل آمن بالله وبدينه ورسوله وأهل بيته ونهج الحسين (عليه السلام) وصدق بدمه ودم عائلته قول الحسين عليه السلام (لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد). لم يشأ هذا البطل المغوار أن يسلم عائلته إلى جلاوزة النظام العفلقي بعده حيث يدرك ما ينتظرهم، بل هدأ وسكن متربصا بأعداء الله بعد أن استنفذ ذخيرته في صدور الظالمين، وانتظر حتى دخلت فرقة الاقتحام المكونة من عدد كبير من المسلحين والمحصنين بالدروع الواقية والخوذ المضادة للرصاص إلى داخل المنزل وحينها فجر المنزل على رؤوسهم وذهب شهيداً مدافعاً عن دينه وعرضه وبيته.

بقي الشهيد عبد الكريم عبد الرضا علي غصة في حلوق جلاوزة أمن النظام الصدامي العفلقي المقبور، إذا كان يردد جلاوزة ذلك النظام بعد استشهاده وفي العلن: أنهم ودوا لو تمكنوا منه بأيديهم ليفعلوا معه ومع عائلته الأفاعيل شفاءً لغليلهم المريض، إلا أنه وباستشهاده البطولي حرمهم لذتهم المريضة.

 أخرجت قوات أمن النظام العفلقي المقبور تسع جثث طاهرة من الدار المدمرة، عبد الكريم وأشقائه وشقيقاته السبع إضافة إلى والدته الشهيدة رحمها الله.

 

سلام عليك عبد الكريم في العالمين

ورحم الله والداً أنجبك

ورحم الله أماً أرضعتك

ورحم الله أختاً واست أخاها بالقتال والدم

ورحم أسرة رحلت إلى الله مجتمعة

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون